Hejmar / 18 Havīn / 2005

 

سليم بركات يحاورالموت في

 

 

" طيش الياقوت "

 

مـحـمـد طـه حـسـيـن

الشاعر الروائي الكردي، سليم بركات ، صوت أساسي في حركة الشعر العـربي الحد يث، ومن أبرز رموز الحداثة، وقد استطاع بلورة تجربته الشعرية، من خلال أسلوبه المتميز، في إيجاد وخلق مناخ جديد أمام قصيدة النثر الحديثة، والارتقاء بنصوصه الشعرية إلى فضاءات أكثر اتساعاً على اللحظة، بمقدار ما يرتقي بكتاباته إلى مغامرات لغوية وجمالية، ويدفع باللغة إلى امتحان فتنتها إلى أقصى ما فيها من سحر ومعرفة.

ويعتبر ديوان " طيش الياقوت " الخروج بالمشهد الشعري عن المألوف، ويسمو في فضاء النثر عالياً، ليشكل من النسج اللغوي حالة فريدة في رصد " الموت " وبلوغه اليقين من خلال الشك.

فاللغة عنده في حالة استنفار قصوى و تشظ، حروب طاحنة، وغليان، ثم صياغة المواثيق بمشاهد شعرية ليعيد النص إلى عافيته ، بالبلاغة ذاتها و " مشاكساتها " في تبيان أحكام اللعبة باقتدار، وقياس المجاز في انزياح المطلق في متن النص الشعري ذاته. " بأيد رخام يمسد الغيب شهواته، والمكان يطحن المكان، لتستولي الحقيقة، نهباً على ارثها أيها الموت "

ص 3 .

المشاهد، مفردات لها من العمق ما لا يمكن البلوغ إليها بسهولة، ومن الدلالات ما لا يمكن إدراك معانيها للوهلة الأولى، فهو يحفر في ثنايا اللغة ويحملها معاني ودلالات جديدة. " يا لمآت ذو الصحاف المثلمة كأن عضها الأزل فأدمى الأزلية " ص 9 . " يا لحاذق كوحشة. . . . " . وكعادته ينجح بركات بجدارة في استغلال مفرداته في بناء قصيدته بفنية عالية وتقنية ابداعية عبر تجليات المعنى في نسيج مدوزن على أوتار اللغة ذاتها، بغية إعطائها إيقاعات خاصة ومفتوحة، تتناسب مع المناخ العام للقصيدة، عبر إيحاءات بلاغية يضفي على النص جمالية، قلما يستطيع المرء ان ينجو من فخاخ لغتها الساحرة. " ستتبعني مد ساقك اليقين في يأسك إليّ، وحرضني الأمل ـ بكلمات النهاية ـ أن أعتذر إليك عن جرح خصك به الموت أيها الموت" ص 9 . والموت عند سليم بركات ، حالة من اليقين الواضح، كوضوح الجهات على العويل الواضح في تتبعه " المطلق " أي ـ الموت ـ في حضوره وخصوصيته، وتماثله الأكيد في داخل الانسان، من حيث لا خلا ص ، ولا نجاة إلا عبر موته.


 

والسمة الأساسية في قصيدة " تصا نيف النهب " هو البحث عن الوجه الآخر للموت ـ كمعطى ـ لا يخص زماناً ومكاناً معيناً، بل هو متعدد الأوجه، وبنفس الوقت يجول بحر ية في جغرافية الكائن، ومنذ ولادته يظل الكائن ملتبساً بهذا القدر الأعمى. " صمتك نقي و لكنك شريك ثرثار أيها الموت" ... " لا تتثاء ب منتحلاً نعاس الصباح ، لأ نني سهرك المطبق على الأبدي " ص 10 ـ 11 .

وكذلك يفتح باب الخيال على مصراعيه، في استقصاء وتتبع مجاهل الموت، ووضعه تحت رصد وزخم شعريين، ليتقاسم مع الموت، التعب ، والسهر، والعبث و الدلال. " متعرياً من نشوئك النجمي لتغدو شريكي، الذي يكيل معي ـ في الميزان ذاته ـ مجرة الدم ويقطينة المعرش " ص 32 . " حزيناً تتذكر، أيها الموت ، طفولتك التي لبسناها كأقنعة في الأعياد، حزيناً تتذكر حنينك المجروح بأعمارنا، حزيناً تتقدم نفسك، وحيداً بارد القدمين في حذائك المثقوب، والمساء المرير، الذي يكلمك، ينسى مرارته إذ يسألك : أين تمضي ، بعد هذا أيها الموت " ص 18 .

لقد أعطى بركات قصيدة الحداثة دفعا جديدا، عندما تجاوز الحالة الوصفية الساكنة الباردة في المشهد الشعري، إلى الحالة الوصفية الداخلية في عمقها المعرفي الابداعي، والامساك باللحظات الهاربة الجارحة، وتطويعها بالشكل والكيفية التي تلتقطها عدسته ، وابرازها برؤية إبداعية مغايرة وتوظيفها بشكل مناسب في تقنية النص الشعري. " سألجئك إلى حنيني لتعبر البرزخ عارياً، لا صوت لخطوك، لا صوت لشا حنتك، سأربت على كتفك كالمودع، مشفعاً على الوحدة التي انتهى أيها الموت. سأ نتقل إلى الجهة التي لا خصومة فيها عليك، وأنا أستودعك اليأس كله ... " .

ومن هنا تملك قصيدة " تصانيف النهب " قدرات أد بية جديدة واضحة، وكلما قرأنا القصيدة نكتشف عوالم أخرى في طيات النص ، لذا تبقى القصيدة جديدة وكونية ومعرفية، من حيث غنى معانيها الدلالية، وتتمتع بفنائية قادرة على الولوج إلى داخل الموت، وتحسس مكنونات الموت عبر انقلاب الداخل على الخارج في بنية النص، المتحرك والمتبدل ، ويقذف بحممه في كافة الاتجاهات من حيث المعنى والدلالة، والبلاغة و الصورة الجمالية ...الخ " أألقي إليك زاداً مما لديك ؟ حسبك ان تنتظر الهبة طاغية أيها الموت، حسبك ان تسمع عبثي وأنا أرمي نافذتك بالبقلاء والذرة ، فهات سؤالك الخجول لأخبركم كم حررتك من جدال خاسر بينك وبين المشهد، وكم أخفيت حرجك من القيامة بنقاب أسدلته على أبدك المستغيث " ص 46 .

وتأتي خصوصية كتابات سليم بركات ، من الآفاق الواسعة التي فتحها أما النص الجديد ، وإعطاء القصيدة طاقة تبقى على الدوام سا خنة ودافئة، عبر مراهنات صعبة يثير الدهشة والذهول من خلال " طلاسم " يتقنها بركات ببراعة وبأسلوب شيق، بحيث يبقى " الذهول " السمة الأكثر حضوراً في طيات الصورة الشعرية، ليطل من خلالها عبر الماضي بفضاء واسع " لتأويل هواء ذاكرته " وذلك عبر صور متأصلة ومتجاورة، ومنحوتة بمهارة، وبذلك يؤهل ـ النص ـ بأن يكون متجدداً وكونياً في امتداده وعلى اتساع المدى " وفلكاً بعد فلك يتهدل السير الموحى، جحيماً بعد آخرى تقضم المجازات رغيفها البارد، والراحلون لا يحزمون للنهاية قرائنها، كانهم ينحتون نصب المكان في مياه ليحتكموا إلى الحريق " ص 70 .

وكذلك يقلب سليم بركات موازين المعادلة ، لصالح المعنى في سياق كتاباته وانشغاله بالبراني والجواني بشكل مواز، مما اعطى النص حركة دفع قوية في اتجاه المعنى المراد توظيفه، وهذا الشرط يحققه حين يقوم بعملية تبادلية من حيث الدور ـ الوظيفة ـ الانسان والآخر الموت ـ الهاجس ـ " سأدللك خائفاً عليك، أنا العارف أنك لن تنجو من أحد أيها الموت ، كل سينتشلك من الغرق بخطاطيف الموعد الماجن، كل سيمهلك مهلة لا موت بعدها أيها الموت " ص 41 ـ 42 .

والنص عند بركات بركان ذو مستويات متعددة في قذف حممه، حيث يقوم بتقويض النص ومن ثم على استلهام الراسب الزماني والمكاني في الذاكرة، وتحويل تلك الصور ـ الذاكرة ـ إلى لوحات وتكوينات يصعب على القارئ أحياناً كثيرة فك ألغازها، والولوج إلى متاهة لغته المفتوحة " أملك أمله، كلاهما نعسان في الدفء الذي يمتدح ، وتهدران فيجمعكما اليقطين، كأن مجازاتكما غرور الشعاع الأكمل في سفاحه " ص 88 .

نصوص بركات، إمتحان اللغة في إظهار فتنتها، في مجابهة المعنى ، واللغز، اليقين، الشك، اللامتقيد بحدود، بل حقل معجمي ومعرفي، وامتحان الخيال على بيان الحبر وتدوين مراتبه في سياق معرفي.