|
بـرج الصمـت
جمعـة الداود
لكل دين شعائره وطقوسه التي تميزه عن غيره من الأديان، وله
تفسيراته الخاصة بكل شعيرة. ضمن السياق العام لفلسفة هذا الدين أو
ذاك. وبما أن الأديان، ومن ضمنها الزرادشتية، هي مجرد وجهات نظر
مثالية نظرية افتراضية في مواضيع شتى منها الخلق والآخرة والبعث
الخ. إلا أن موضوع الموت والتعامل مع
الميت هو حقيقة واضحة وملموسة مادياً. فكيف تعامل الزرادشتيون مع
هكذا موضوع؟ وكيف يقيمون الموت؟ وما هي المراحل التي يمر بها
الميت؟ وكيف يعامل بعد انتقاله من الدنيا إلى الآخرة، حسب
الميثولوجيا المزدية؟.
إنهم يعتقدون بأن جسم الإنسان يبقى طاهراً، ما دام على قيد الحياة.
ولأن الحياة بذاتها (الروح) هي هبة من أهورا مزدا لبني البشر. وفي
حالة الموت يتحول هذا الجسد إلى رجس، لأن عناصر الشر والخلل (
جراثيم ميكروبات ) لو لم تتراكم فيه،
لما فارق هذا الجسد لروحه. وبذلك يستوطن أهريمن وأعوانه في هذا
الجسد حسب اعتقادهم. ولطالما تكون قوة الحياة طاغية في جسم الإنسان
على قوة الموت، يستمر الإنسان في حياته عائشاً. وعندما تتغلب قوة
الموت على قوة الحياة. يفقد الإنسان حياته. وفي حالة المرض تكون
القوتان المتضادتان متساويتان في الجسم. واستناداً على ذلك فهم
يمنعون الصوم، لأنه يضعف الجسم ويعرضه للأمراض وعندهم الرجل الذي
يأكل أفضل من الذي لا يأكل انطلاقاً من تلك القاعدة.
لذا تحذر الزرادشتية من لمس الجسد الميت، والتي تغلبت فيها قوة
الشر والمرض الأهريمني على قوة الحياة الأهورا مزدية. إلا بطقوس
خاصة. فهي تـوكـل هـذه المهمة الى طائفة معينة من الناس الذين
يتعاملون مع جثث الموتى. وينقلونها إلى برج الصمت وتسمى
(1) Dakhmas وتعني مكان العدل والإنصاف. وقد
أقاموا هذه الأبراج ( القبور الزرادشتية ) فوق قمم الجبال، وهي
أبراج منعزلة وعالية الجدران ومستديرة لا سقف لها. بل تحمل أخشاباً
متوازية توضع عليها الجثث. وهي مبنية من الحجر وتأتي الكواسر لتنهش
في هذه الأجساد المتروكة هناك. ولكونهم لا يجيزون اتصال الجسد
الميت بالعناصر المقدسة الثلاث: المـاء والتـراب والنـار. فإن ما
تبقى من الجسد، كالعظام، فيدفن بعد طلائه بالشمع، منعاً لاتصاله
المباشر بالأرض كما أشار إلى ذلك هيرودوت.
إن هذه الأبراج لم تستعمل إلا لدفن الأموات من عامة الشعب، لأن
الملوك الإخمينيين على الأقل ابتعدوا عن القانون المزدي ،الذي ربما
أستثنى في طقوسه السلالة الملكية، لأن قبورهم تختلف عن قبور عامة
الشعب.
لقد تقرر في الزرادشتية أن لا يقوم شخص واحد بشعيرة نقل الجثة إلى
برج الصمت. بل يجب أن يشاركه شخصان آخران، ليشهدا عليه. وعلى
الثلاثة أن يتطهروا بعد الانتهاء من عملهم، ولا يجوز لهم مع ذلك أن
يختلطوا بالناس. بل عليهم أن يعيشوا في مكان قصي عن الناس.
إن كل من يلمس جثة ميت يعد ملوثاً، ولا يطهر إلا بعد طقوس دينية
معقدة، بل إن نجاسة الجثة هذه تنتقل إلى كثيرين من المجاورين له
وإلى غيرهم. فقد ورد في الآفستا أنه إذا مات شخص وكان شخـص آخـر
جالساً بجواره وقت موته ، فإن هذا الشخص الآخر يصبح مثلباً بجريمة
لمس الميت، على الرغم من أنه لم يقصد هذا اللمس ولا أحدثه. ويجب
عليه أن يولي مسرعاً حتى يصادف في طريقه أول رجل حي. فيقف على بعد
منه ويطلب منه بصوت مرتفع أن يطهره من خطيئته بعد أن يبين له مجمل
ما حدث له، فيخاطبه قائلاً: " إنني قد لمست ميتاً لا حراك به. ولا
قدرة له على التفكير ولا على النطق. والتمس منك أن تطهرني.".
وإذا مات شخص من رجال الدين بين جماعة متلاصقة الأفراد، فإن إثم
اللمس ينتقل إلى تسعة أشخاص ممن يليه، وإذا كان الميت من رجال
الحرب ينتقل الاثم إلى ثمانية أشخاص ممن يليه، أما إذا كان الميت
مزارعا فـينـتـقـل الاثم إلى سبعة أشخاص. وإذا رفض شخص ما طُلبَ
منه أن يقوم بشعيرة التطهير، فإن ثلث جرح اللمس ينتقل إلى الشخص
الرافض، وإذا طلب من شخص ثان ورفض التطهير، انتقل اليه نصف الباقي
من الإثم. ويتنقل الباقي من الإثم إلى الشخص الثالث إذا رفض شعيرة
التطهير. وهناك دعاء خاص لتطهير الشوارع والطرق التي تلوثت من مرور
الجثة فيها نحو برج الصمت.
وحسب العقيدة الزرادشتية، فإن روح الميت تجثم على هامته لمدة ثلاثة
أيام بعد الموت وهي الفترة التي يتم فيها فصل الروح عن الجسد، وإن
روح البار من الناس. تنعم في هذه الفترة بما يهب عليها من روائح
الزهور والرياحين الطيبة. وتدرك الروح هذه الروائح. ويأمر أهورا
مزدا بأن يقدم لها من سمن الربيع الذي هو بالنسبة للمستقيم غذاؤه
بعد الموت. وعقب انتهاء هذه الفترة تأتي الروح إلى صراط جميل ( جسر
جينيفات ) حيث تتراءى له صورة فتاة جميلة هي
( الداينا )
وهي صبية جميلة، متألقة، ذات ذراعين بضين متيقظة وذات مظهر أنيق
وبجسم مستقيم وكبير وذات نهد بارز، لها خمسة عشر عاماً مع كلابها
وبإظهار هويتها وكونها أي ( الدانيا ) الصورة السماوية لروح الميت
والتي تقدم الحساب عن أعمال الروح الدنيوية تضيف قائلة: " محبوبة
كما كنت. لقد جعلتني محبوبة أكثر، بأفكارك الحسنى وبكلماتك الحسنى
وبأفعالك الحسنى وبدنيك الجيد. جميلة أعدتني أكثر جمالاً،
ومرغوبة أيضاً،
ومرغوبة
أكثر."
ثم تجتاز الروح الأفلاك السماوية بأربع خـطوات، وتصل للأثوار التي
لا بداية لها أي الفردوس ( بهشت ) أما بالنسبة لروح الإنسان
الشرير، فإن الفتاة التي تقابله في صباح اليوم الرابع تكون قبيحة
الشكل، وتتقدم نحوه بعد رياح وأعاصير شديدة وتخبره بكلام ينم عن
السيئات التي ارتكبها في حياته الدنيوية وتقوده إلى الجحيم (
دوزنكـه ). وهكذا ينتفي عندهم عذاب القبر كما لدى بعض الديانات
الأخرى. كما أن هناك بين المنزلتين منزلة ثالثة وتدعى هيمستيكان.
وتقع بين الجنة والنار وهي مخصصة للذين تتساوى أعمالهم الصالحة
والرديئة وزناً ومقداراً، فيبقون فيها منتظرين التناد. وهنا يؤخذ
في الحسبان أعمال الخير الصغيرة لأنها قد تكون بالنسبة لهم ذات
فائدة جمة بحيث تحدد مصيرهم.
1- هناك نماذج من هذه القبور المزدية في مدينة تدمر السورية
ويطلقون عليها اسم القبور العمودية.
المراجـع:
-
نوري إسـماعيل:
المزديسـنا.
أرنست بابلون:
الآثار الشرقية.
 |