الثلج
محمد خير عمر
ما جعل وجه لقمان ممتقعا، و يتنهد فمه آها إثر آه وهو يرنو
إلى السماء بعينين متوسلتين ليس قضاءه خمسة عشر يوما داخل السجن، و لا خمسة عشر
يوما مما تبقى من أيام حكمه، و لا تفاهة السبب الذي حكم من أجله. إنما هي
السماء إذ تلبدت بالغيوم الكثيفة، و الرياح القارسة التي راحت تهب و تنفذ إلى
المهاجع عبر أبوابها الحديدة المشرعة، مما جعله محور حديث السجناء وهم ينظرون
من فوق جدران الباحة العالية.
- إنها غيوم الثلج.
- سوف يسقط الثلج هذه الليلة لا شك.
- يبدو أن شتاءنا سيبدأ بالثلج.
- ربما سقط في أماكن قريبة، و إلا فمن أين لنا كل هذا البرد؟
كان لقمان يزداد شحوباً كلما سمع أحدهم يؤكد سقوط الثلج، و يشعر بوخزات في قلبه
و ضيق في صدره و بامتعاض أنزوى إلى مهجعه كما في صبيحة اليوم الثاني من أيام
حكمه حين هطلت زخات من المطر، إذ صرح حينها لصديقه سبب انزوائه قائلا و هو يهز
رأسه بأسف.
- لا أود رؤية المطر و أنا مسجون، فمهما قلت لك لن أستطيع أن أجعلك تدرك ما
الذي تفعله بي القطرات الأولى من المطر.
ثم أخذ ينقل يده المضطربة بين صدره و رأسه لتتساقط من فمه كلمات و ألفاظ عجز عن
ربطها للتعبير عما يجيش في داخله... أمطار... فرصة... نشوة عارمة... الطرات
المبتلة ... لحظة كهذه... الحياة، مما جعل صديقه ينفجر ضاحكا و هو يقول:
- كان الأجدر بهم أن يذهبوا بك إلى مشفى المجانين.
ظل مستيظا إلى ساعة متأخرة من الليل، يرنو مكتئبا إلى السماء، من خلال قضبان
الباب الحديدي و قبل أن يأوي إلى فراشه شد رأسه إتقاء البرد، و رفع يديه مبتهلا
/ أرجو يا رب السماء ألا تسقط ثلجا/ ثم وضع رأسه لينام.
لقمان هذا أورث أنفه المستقيم المتناسق في وجهه الجميل و نحافة جسمه من أمه
الأومرية الرشيقة، أما طبعه الهادئ و رهافة حسه فمن أبيه الجزيري، كما يدعي هو
معتزا و في زهو كلما لاقى الإعجاب من قبل أصدقائه بعد أن يلقي بقصيدة إقتناها
من أحدى المجلات المشغوف بقرأتها، مدخلا عليها شيئا من التحوير، قائلا و في
تباه مصطنع:
- نحن الجزيريون أمراء الأكراد منذ أن كانوا...!! و نحن أصحاب نهضتهم الثقافية،
مداعبا يضيف ليزيدهم غيظا. و لا أستبعد أبدا أن نكون سليل البدرخانيين.
... في صباح أستيقظ، كان الثلج قد غطى باحة السجن و جدرانه العالية كما غطى
برميل القمامة و البوابير المصفوفة أسفل الجدار المسود من الدخان، هرع السجناء
فرحين يتراشقون بكرات الثلج، فيما أنزوى هو إلى أحدى الزوايا عابسا منطويا على
نفسه حزينا، و تكور منكمشا ثم بدأ يتقلص رويدا رويدا. فجأة تحول إلى عصفور أبيض
صغير، و أندفع يخفق بجناحيه الصغيرين نحو السماء الغائمة وسط دهشة المساجين، و
سرعان ما يمم صوب بلدته القريبة توقف ينظر من تحته إلى بيوتها الواطئة و التي
تلفها السكينة و الصمت، و الثلج يغطي فيها كل شيء.
كان جاره عليو يتسلق مكفهرا سطح الدار ليزيل عنه الثلج، و هو يطلق ألذع الشتائم
و التقريعات بصوته الجهوري من وراء اللفحة التي غطى بها وجهه، لابنه البكر
العنيد قائلا:
- ليت هذا السقف المتداعي ينهار عليك و يجعلك أشلاء متناثرة، منذ البارحة و
الجميع أزالوا الثلج عن أسطح بيوتهم مرتين أو ثلاث، أما أنت فمقبور في غرفتك...
هبط إلى حوش داره و حط على غصن شجرة الرمان المثقلة بالثلج كان أبوه الذي نثر
التبغ أمام المدفأة الصغيرة التي تتأجج فيها ألسنة النار، و في فمه لفافة يرتشف
منها بتلذذ يخاطب أمه التي ترنو خلال النافذة إلى شجيرات التوت قرب كوخ عنزتها
و تأمل في شيئا ما، قائلا: إلى أين ذهب الأولاد؟
تناهى إلى اذنه صوت أمه و هي ترد بتثاقل دون أن ترفع نظرها مجيبة:
- لقد انتعلوا جزمهم و أرتدوا معاطفهم و أعتمروا قبعاتهم حملوا الفخاخ و
ألتحقوا بخالهم لصيد الزرازير عند أسلاك الحدود.
ما من أحد سيهدر في مثل هذا اليوم أية لحظة فسرعان ما ملأ صخب الصغار و الكبار
الأرجاء و راحوا ينتقلون جماعات في الأزقة و الشوارع و فوق السطوح يلاحقون
بعضهم البعض و هم يتراشقون بكرات الثلج بين ضحكات و صيحات الفرح بالثلج!! أيما
فرح هنا و هناك!
ثم حلق، و أخذ ينتقل من سطح إلى سطح، و يطير من شجرة إلى شجرة مقتفيا آثار
أصدقائه، قهرو، سوار هريسان... الذين راحوا يرتقون الهضبة في طرف البلدة، و هم
يدحرجون أمامهم كرات كبيرة من الثلج ليقيموا تمثالا ضخما... قبل ان يباشروا و
على حين غرة، بادرت إلى ذهن / سوار / فكرة و بعد ان القى نظرة إلى الأسفل نحو
أشجار الدغل المكسوة بالثلج ثم أرسل بها نحو السطوح الملفعة بالثلج و الدخان
يتعاعد من بعض مداخنها، خاطبهم فأدارا ذراعيه و هو يقوم بحركات تمثيلية قائلا:
- آه أيها الأصدقاء، هل تسمعون خفقان قلبي؟ إنه الحب ينمو أسرع لنرويه بالثلج،
قبل أن يتبدد، كما الأحلام، بشروق الشمس، هيا لنذهب نحو حارة شيلان لا شك إنها
و ليندا و نازي الآن ينتظرننا فبادر قهرو بالرد عليه و هو يعصر راحتيه
المحمرتين من البرد كرة من الثلج:
- حسننا سنذهب بشرط أن...
قاطعه سوار متلهفا بعد أن قبله خلسة من خده قائلا:
- قهرو أنت تعلم لم أفتح قلبي لشيلان كما ينبغي بعد، ثم أنهال على خده بالقبل
لإرضائه. و قبل أن يهموا بالنزول من الهضبة لمحوا من بعيد العم /بركو/ قادما من
الحقل بعربته المحملة بالملفوف و البصل على الطريق المتعرج الذي يمتد بين
السهول الغارقة بالثلوج، كمنوا له خلف الأحراش قرب الجسر الصغير و في يد كل
منهم عدة كرات ثلجية، و حين أقترب أدرك نواياهم، راح يطلق من فمه الأدرد أقذر
الشتائم لأم من يرميه بالثلج، لم يأبه أحدا لكلامه بل راحوا يضحكون منه و هم
يقذفونه بالكرات الثلجية، و فيما هو يلوح لهم بالسط مهددا أخطأت العربة مسارها
فوق الجسر، فسقطت العربة في النهر متحطمة مما جعلهم يضحكون أكثر و هم يركضون، و
الثلج يصر تحت أقدامهم مجتازين بيوت حييهم، وقطعوا الطريق الإسفلتي الذي يشطر
البلدة إلى حارتين، قافزين فوق أكوام الثلوج المتراكم عاى جانبيه، هبطوا لاهثين
نحو الحي السفلي عبر المقبرة، توقف هريسان أمام شاهد قبر لفنان مشهور يكفي أن
تذكر اسمه ليؤجج جوارحك حزنا، وظل فنه مرآة تعكس أحزان أربعين مليون مقهور و
أومأ لهم بعد أن انحنى و خط بسبابته على بياض الثلج الذي يغطي القبر /البلبل
الحزين /.
- ماذا لو نقيم له تمثالا ...؟ أعدل عن ذلك حين رموه بنظرات التأنيب و
المعاتبة، فأطرق ماضيا أثرهم.
تناهى إلى مسمع نازي جلب و صيحات من الشارع ليست بغريبة عنها، اندفعت بخطوات
حذرة خشية أن تغوص قدماها في الثلج نحو باب الدار أبتسمت للأصدقاء الذين
يتبادلون قذف الثلج بفرح، بانت أسنانها الناصعة البياض كالثلج، و بشوق راحت
تنقل بينهم نظراتها، انطفأت على شفتيها الإبتسامة، و بهدوء أوصدت الباب و أسندت
إليه ظهرها، تنهدت بعمق، وهي تضع يدها على صدرها، و قالت متوجعة:
- آه ... يا رب، ليتك تريثت بضعة أيام أخرى، قبل أن يسقط هذا الثلج، لكم كانت
فرصة لا تعوض، و ذكرى لم تكن لتنسى... و بغتة صمت الجميع ـ كأن على رأسهم طيرا
ـ و توجهت أنظارهم المستفسرة نحو الباب الذي أوصدته نازي و هم يمعنون النظر،
حيث شاهدوا على حافة المدخنة القريبة من الباب عصفورا أبيض صغير، لم يدم صمتهم
إلا لحظات قليلة، و أخذوا يقذفون العصفور المتجمد بالكرات الثلجية... لم يستطع
الحراك من هول ما رأى و إثر كرة من الكرات الثلجية المتتالية هوى العصفور في
جوف المدخنة محدثا بأرتطام جثته الهامدة بقاعها المظلم قرقعة مدوية استيقظ على
أثرها لقمان، فإذا بالسجان يدير المفتاح الضخم في القفل لفتح الباب الحديدي، هب
لقمان، واقفا و هرع قافزا إلى باحة السجن و رنا إلى السماء الزرقاء الصافية،
تنهد بعمق و قال الحمد لله! |