Pκnϋs 15

Navξna Ηiriya Pκşξn 2003

 

Havξn 2003

www.efrin.net

 

www.efrin.net/penus

تجريد الأكراد من الجنسية السورية:
مأساة بلغت عامها
الواحد و الأربعين
 


 
عبداللـه نور إمام

 

مقدمة عامة في موضوع الجنسية:

يختلف فقهاء القانون في صياغة تعريف موحد ومحدد للجنسية ، ولكن معظم تعاريفهم تدور حول كون الجنسية رابطة قانونية وسياسية بين الفرد ودولة معينة , وبموجب تلك الرابطة يصبح الفرد أحد السـكان الذين يكونون هذه الدولة. والجنسية موضوع من موضوعات القانون الدولي الخاص كونها مسألة أولية ذات ارتباط شديد بالمسائل التي تشكل نطاقه الموضوعي.

ويقوم تنظيم الجنسية في سائر الدول استنادا على مبدأين : أولهما هو حرية الدولة واستقلالها في تنظيم جنسيتها ، وثانيهما يقول بأن الجنسية حق من حقوق الإنسان . فالجنسية ، رغم كونها مركزا قانونيا تقوم الدولة بتنظيمه وفق إرادتها ومصالحها العليا ، إلا أنها في ذات الوقت حق شخصي للمتمتع بها بحيث آن ممارسته للحقوق السياسية والمدنية التي يجيز القانون له ممارستها إنما تتوقف على تمتعه بهذه الجنسية.

 

تطور موضوع الجنسية في القانون السوري:

نصت المادة / 30 / من معاهدة لوزان ، بتاريخ 24 – تموز – 1923م على أن «الرعايا الأتراك المقيمين في إقليم منسلخ عن تركيا بموجب أحكام هذه المعاهدة يصبحون حكما من رعايا الدول التي ينتقل إليها ذلك الإقليم وفق الشروط التي يضعها قانونها المحلي » . وتنفيذا لمعاهدة لوزان صدر في سوريا القرار ذو الرقم / 2825 / مكرر –بتاريخ 30 – آب – 1924م الذي تم بموجبه إنشاء الجنسية السورية على الصعيد الدولي وتحديد أسس ثبوتها للسوريين الأوائل.1 وهذا القرار له أهمية خاصة في تاريخ الجنسية السورية ، فهو يعتبر المرجع الأساس في معرفة السوريين الأوائل الذين يؤلفون عنصر الشعب في الدولة السورية عند نشأتها.

وفي نفس العام ، في 15- كانون الأول ، صدر القرار رقم / 1809 / الذي حدد اختصاصات مكتب الجنسيات في المفوضية العليا . ثم صدر القرار / 162 / س بتاريخ 19-كانون الأول – 1925م الذي صب عنايته على تنظيم الجنسية في سوريا . ثم صدر القرار رقم 25 / ل  ربتاريخ3 - حزيران - 1930 لتحديد وضع عديمي الجنسية . وفي 14- أيار – 1935م صدر القرار 108 / ل . ر بشان تنظيم المنازعات القضائية بصـدد الجنسـية . وكان القرار 25 / ل . ر بتاريخ 26 – آب – 1939م خاصا بشأن جنسية أهاليل واء اسكندرونة . أما القرار 197 / ل . ر الصادر بتاريخ 27 – تموز – 1940م فقد أعاد تنظيم الاختصاص القضائي بشأن منازعات الجنسية وجعلها من اختصاص المحاكم المختلطة.

وبعد انتهاء الانتداب الفرنسي وجلاء الفرنسيين عن سوريا ، نصَّ دستور عام  1950في مادته الـ /30 / على أن شروط الجنسية السورية تحدد بقانون . وبناء على ذلك صدرالقانون ذو الرقم 98 بتاريخ 21- أيار –1951م الذي نظم أحكام الجنسية السورية . ثم أعيد تنظيم الجنسية السورية بالمرسوم التشريعي / 12 / تاريخ 4 – شباط – 1953م ،والذي بدوره عُدِّل بالمرسوم التشريعي / 98 / تاريخ 4 – تشرين الأول – 1953م ،والقانون رقم / 492 / الصادر بتاريخ 16- كانون الأول – 1957م .

وبعد تشكُّل « الجمهورية العربية المتحدة »2  باتحاد دولتي مصر وسـوريا ،وبناءً على أحكام المادة الثانـية من الدسـتور المؤقت للدولة المتحدة ، صدر القانون/ 82 / لعام 1958 الذي قررت مادته الأولى جنسـية « الجمهورية العربية المتحدة » لمن كان في 22 / 2 / 1958م متمتعا بالجنسية السورية وفقا لأحكام المرسوم التشريعي / 12/ الصادر بتاريخ 4 / 2 / 1953م.

وبعد انفصال الإقليمين ( السـوري والمصري ) عن بعضيهما ، صدر في سـورياالمرسـوم التشريعي ذو الرقم / 67 / بتاريخ 31 / 10 / 1961م الذي نظم جنسية «الجمهورية العربية السورية » كما نظم العودة إلى هذه الجنسية بالنسبة لمن كان متمتعا بها في 22 / 2 / 1958م ولمن اكتسبها من المواطنين السوريين في المدة الواقعة بين 22 / 2 / 1958م و 28 / 9 / 1961م.

 وفي 24 / 11 / 1969م صدر المرسوم التشريعي ذو الرقم / 276 / الذي ألغى ما سبقه ، وتضمن قانون جنسية « الجمهورية العربية السورية » والذي ما يزال ساري المفعول حتى الآن ، مع العلم أن بعض الأخطاء المادية التي تضمَّنها قد تم تصحيحها بالتعديل الوارد في المرسوم التشريعي / 17 / بتاريخ 13 / 2 / 1972م.

 

اكتساب وفقد الجنسية في القانون السوري:

 أوضح المرسوم التشريعي / 267 / لعام 1969م المعمول به حتى الآن , موقف المشرع السوري من موضوع الجنسية من نواحٍ عدّة، نذكر منها:

1. من ناحية اكتساب الجنسية السورية : تُكتسب هذه الجنسية وفق أسس وشروط محددة .ويكون الاكتساب إما بصـفة أصلية وأساسـية ( حق الدم ) ، أو بصـفة طارئة وثانوية (حق الإقليم) .. أو لاحقاً (بالتجنـس أو الزواج).

2. من ناحية فقد الجنسـية السورية : يفقد السـوري جنسـيته إما بسبب إرادي ( الفقد بالتغيير) ، أو بسبب تأديبي (الفقد بالتجريد) . وهذا الأخير (أي التجريد) يعد عقوبة شديدة القسوة إذ تنجم عنه أثار مؤلمة وخطيرة في حياة المجرد من الجنسية سواء على صعيد المجتمع الوطني أو على صعيد المجتمع الدولي.

وبسبب أهمية تمتع الشخص بالجنسية وخطورة فقدانه لها ، فقد كان التجريد من الجنسية إحدى صور الاضطهاد على اختلاف أشكاله ، تقوم السلطة الحاكمة بممارسته , إلى درجة التجريد الجماعي لعدد كبير من الأشخاص من جنسيتهم ، بغية تحقيق أهداف معينة .كما فعلت الحكومة العراقية بالأكراد الفيليين وغيرهم ، وكما فعلت الحكومة السورية بأكراد الجزيرة في عام 1962 فما بعد.

 

تجريد الأكراد من الجنسية السورية:

أ‌)        الدوافع و الأهداف:

سـنتناول في الفقرات القادمة موضوع تجـريد الأكراد من الجنسـية السـورية مركِّـزين على ما يسـمى بـ «الإحصاء الاستثنائي» وما تبعه من خطوات متمِّـمة ومؤكِّـدة ، لنبيّن الهدف من هذه الممارسة ودوافعها ونتائجها، مذكِّـرين بالتبريرات الواهية للسلطات السورية واعترافاتها الفاضحة ، لنصل بالنتيجة إلى مخالفة هذه الممارسة حتى للقوانين السورية، ناهيك عن تناقضها مع أبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان .. خاتمين بموقف الحركة السياسية الكردية في سوريا وسياستها تجاه هذه القضية ، دون نسيان الإشارة إلى بعض المواقف المسؤولة التي أبدتها شخصيات وطنية سورية معروفة.

إن تجريد الأكراد من الجنسية السورية يعود إلى دوافع عنصرية تنبع من العقيدة الشوفينية التي لا تعترف بوجود قومية أخرى في سوريا غير القومية العربية . فليس من الغريب أن الدستور السوري الحالي الذي وضعته القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في أوائل السبعينيات لا يعترف بالوجود الكردي كقومية ثانية في البلاد.
وعلى قاعدة سرير « براكوس » ، عملت العقلية الشوفينية على تغيير الواقع القائم حتى
يتناسب مع قالبها النظري، فكان من ضمن ما قامت به هو تجريد الأكراد من الجنسية السورية، بغية:

• تغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة الكردية و تغيير التركيبة السكانية فيها بحيث يؤدي ذلك إلى تخفيض نسبة الأكراد في تلك المنطقة.

• تعريب المنطقة الكردية وتعريض سكانها للصهر والذوبان والتمثيل القومي.

• تعريض السكان الأكراد لوضع حياتي و معيشي خاص بغية إفقارهم وتجويعهم وتشريدهم.

• حرمان هؤلاء من حق الانتخاب والترشيح والاستفتاء...

• وحرمانهم من الصفة الوطنية ومن اكتساب الحقوق العقارية ، وتعريضهم للأزمات الحياتية المختلفة على الصعد المعيشية والتعليمية، فالحرمان من حق التملك والانتفاع بالأراضي الزراعية والعمل في دوائر الدولة ومؤسساتها وشركاتها ومن حق الانتقال والإقامة في الفنادق والسفر خارج الوطن ..لكل هذا لن نستغرب الخطة التي تقدم بها محمد طلب هلال3 في أوائل الستينيات على شكل اقتراح ، ونقتطف منها ما يتعلق بموضوعنا. يقول محمد طلب هلال:

«... أننا نقترح : 1) … 2) … 3) لا بد من تصحيح السجلات المدنية للأكثرية الساحقة من الأكراد في الجزيرة ونطلب أن يترتب على ذلك إجلاء من لم تثبت جنسيته وتسليمه إلى الدولة التابع لها... ويجب أن لا يكتسب أي كردي الجنسية السورية إلابمرسوم جمهوري...».4

«11) عدم السماح لمن لا يتكلم العربية بأن يمارس حق الانتخاب و الترشيح في المناطق المذكورة. 12) منع إعطاء الجنسية السورية لمن يريد السكن في تلك المناطق مهما كانت جنسيته
الأصلية (عدا الجنسية العربية)..»
5

 ثم يقول: «وان هذه المقترحات ليست كافية بل أردنا منها إثارة المسؤولين بحسب خبرتنا لتكون تباشير خطة جذرية شاملة لتؤخذ بعين الاعتبار».

 

ب‌)     الخطوات العملية و النتائج:

أولى الخطوات تمثلت بالمرسوم التشريعي / 93 / بتاريخ 23 – آب – 1962م والذي جاء فيه:

«المادة الأولى: يجري إحصاء عام للسكان في محافظة الحسكة في يوم واحد يحدد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناء على اقتراح وزير الداخلية.

المادة الثانية: عند الانتهاء من عملية إحصاء السكان في محافظة الحسكة تشكل لجنة عليا بمرسوم جمهوري بناءً على اقتراح وزير الداخلية لدراسة نتائج الإحصاء وتقريرتثبيتها في سجلات الأحوال المدنية الجديدة أو عدمه، وإعداد التعليمات اللازمة لذلك».

 

وفي التنفيذ تم إجراء الإحصاء في يوم السبت بتاريخ 5/ تشرين الأول/ 1962 وكانت نتيجته تجريد حوالي /200/ ألف كردي من الجنسية السورية حيث تمت تسميتهم بـ «الأجانب الأتراك» إلى أن جاء المرسوم 267 لعام 1969م ليحولهم إلى «أجانب سوريين».

وبغية الإمعان في تعميق معاناة هؤلاء المجردين من الجنسـية صدر عن وزيرالشـؤون الاجتماعية القرار /124/ لعام 1981م (سـري جداً) الذي يقضي بمنع تشـغيل «الأجانب الكرد» في أية مواقع رسـمية. كما صدر عن وزير الداخلية التعميم ذو الرقم/ 232 / بتاريخ 21/ تشرين الأول/ 1989م الذي يؤكد على عدم تسرب «العناصر الأجنبية الدخيلة» إلى قيود سجلات الأحوال المدنية. وبناء على قرار رئيس مجلس الوزراء ذي الرقم 1976 / 1 بتاريخ 19/ حزيران/ 1991م صدر عن وزير التعليم العالي التعميم 678 / م الذي يمنع قبول الطلاب غير المتمتعين بالجنسية السورية (أجانب الحسكة) في جميع المعاهد والمدارس ، بالإضافة إلى ضرورة اتخاذ الحذر والحيطة في مسألة التربية والمفاهيم الأصيلة والحفاظ عليها.6

وكان وزير الداخلية قد بعث بكتاب إلى وزارة الإصلاح الزراعي ينص على عدم جوازتسجيل أي عقار مبني ومعدٍّ للسكن باسم المجردين من الجنسية السورية نتيجة إحصاء عام 1962م، كما أن المواطنين الذين احتفظوا بجنسيتهم السورية بنتيجة ذلك الإحصاء ل ايسمح لهم بتسجيل العقارات المبنية والمعدة للسكن إلاّ بعد أخذ موافقة وزارة الداخلية... فقد جاء في كتاب وزارة الداخلية ذي الرقم 9525 / س /6 بتاريخ 21 / 5 /1965م الموجَّه إلى وزارة الإصلاح الزراعي ما يلي: «لا يجوز تسجيل أي عقار مبني ومعدّ للسكن باسم أي شخص سوري في محافظة الحسكة قبل أخذ موافقة وزارة الداخلية ،على أن صاحب العلاقة قد اعتبر سورياً نتيجة الإحصاء الذي جرى بموجب المرسوم التشريعي رقم 93 تاريخ 23 / 8 / 1962».

وإذا كان المجـردون من الجنسـية بموجب إحصـاء عام 1962 يحمـلون بطاقات حمـراء خاصة بهم و «يتمتعون» بتسـجيل واقعاتهم في سجل خاص ، فإن قسماً آخر من الأكراد السـوريين محروم حتى من تلك البطاقات والسجلات، ويبلغ عدده حوالي / 80 / ألفاً.

وهؤلاء – الذين تطلق عليهم تسمية «المكتومين» - يعيشون أوضاعاً أسوأ من أوضاع المجردين من الجنسية، وهم يحملون شهادات تعريف من المختار ، ولا يستطيعون الدراسة بعد المرحلة الابتدائية...

 

وإداريا نجم وضع المكتومين من أسباب عدة:

• عدم امتلاك سجل قبل الإحصاء.

• الولادة من آب أجنبي (مجرد من الجنسية ) وأم مواطنة أو مكتومة.

• الولادة لأب وأم مكتومين.

 

وقد صدر عن محافظ الحسكة التعميم ذو الرقم 7889 / ج بتاريخ 15 - تشرين الأول 1999م الذي يمنع المخاتير أو الجهات العامة من إعطاء أية وثيقة تشير إلى وضع المكتومين الأكراد الذين حُرموا من كل الوثائق الثبوتية التي تؤكد مواطنتهم أو تدل على هويتهم ، كما أن المواليد الجديدة لهؤلاء لا يسجلون على سجلات آبائهم إلا بعد الحصول على موافقة الجهات الأمنية التي صارت تـبتزّهم وتماطل في منحهم الموافقة.

وتتفاقم المأساة بعامل الزمن والتناسـل الطبيعي ، إذ تتزايد أعدادهم ؛ وبالمقابل تبحث السلطات عن وسائل وطرق جديدة لتعقيد المشكلة وترك ضحاياها عرضة لمعاناة معيشية واجتماعية ونفسية نتيجة العوز والحرمان والضياع.

 

وفي التقرير الذي أعده وفد لجنة «الالتماس وتقصي الحقائق» من برلمان دوسلدورف الألماني الذي كُـلِّف رسمياً بالتوجه إلى سوريا للإطلاع على أوضاع المسيحيين والأكراد في أيلول من العام 1995م ورد : «إن المشكلة الكبرى التي لم تُحل حتى الآن هي مسألة سحب الجنسية السورية ومنذ عام 1962م من أكثر من 300000 مواطن كردي ويُحرم هؤلاء في الوقت ذاته من جميع الحقوق الأساسية ومن حرية الحركة والتعلي... الخ ... وهذا هو الحرمان من أبسط الحقوق...»7

كما جاء في التقرير السنوي للجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا ، الصادر في نيسان 2001م : «ومن الحالات الغريبة التي اطلعت عليها اللجنة السورية لحقوقالإنسان مؤخرا وجود أعداد هائلة من المواطنين السوريين من أصول كردية حُرموا من جنسيتهم السورية بعد أن كانوا يتمتعون بها... وقد ورد إلى سجلات اللجنة السورية لحقوق الإنسان مؤخراً حالات عديدة من حرمان حق المواطنة أو منع الوثائق التي تثبت الشخصية القانونية وغيرها، من فئات عمرية مختلفة، مما يؤكد أن هذه السياسة المنهجية في تجريد المواطنين السوريين الأكراد من جنسيتهم ما تزال قائمة ولم تخف حدتها في ظل الرئيس السوري الحالي وحكومته. وإذا كانت اللجنة السورية لحقوق الإنسان لا تملك إحصاءً دقيقاً للذين جُـرِّدوا من جنسيتهم   ومُنعوا من  حق المواطنة،   لكن الحالات   بلا شك   تُعد  ّ بعشرات الآلاف...»

وكان وزير الداخلية قد أصدر التعميم رقم 1028 / ص بتاريخ 31/ كانون الأول/2000م، والذي ميّـز بين العربي والكردي في حالة منح البطاقة الشخصية المصنوعة بدلا عن ضائع. وهذا التعميم – إضافة إلى تناقضه مع المبادئ الإنسانية في فقرته الثانية8 - يقرر لـ «المواطنين من أصل كردي» معاملة خاصة في فقرته الرابعة التي تقول: «على أمانات السجل المدني ألا تقوم بتسليم أية بطاقة صُنعت بدلاً عن ضائع لمواطن من أصل كردي إلا بعد الحصول على موافقة كل من شعبة الأمن السياسي وشعبة المخابرات العسكرية وإدارة المخابرات العامة وتحت طائلة المسؤولية»

ويتوضح هدف هذا التعميم العنصري في زيادة عدد المحرومين من الجنسية السورية، وهذا ما يؤكد استمرار السياسة السابقة في تجريد الأكراد من الجنسية السورية والتي بدأت بإحصاء عام 1962م.

ولامتصاص النقمة التي خلقها التعميم 1028 / ص سعى وزير الداخلية إلى التضليل والإيهام بأن ذلك التعميم قد أُبطِل بتعميمه الجديد ذي الرقم 139 / ص بتاريخ 11/شباط / 2001م. وقد صدّق البعض تلك الأضاليل ولم يدرك أن التعميم الأخير إنما يتضمن الإجراءات الواجب إتباعها عند منح البطاقة الشخصية ، ولا جديد فيه بل هو يؤكد ويكرر تعليمات معمَّـمة سابقاً ، وهو - وإن حاول الإيهام من ناحية الشكل بمخالفته للتعليمات السابقة وإلغائه للتعميم 1028 / ص بعدم تخصيص بند خاص بالأكراد كما فعل التعميم 1028 / ص في بنده الرابع – فإن هذا البند الأخير لا يتعارض من حيث الشكل مع مثل هذه التعليمات لأنه ( أي البند الرابع ) جاء كحالة خاصة ملحقة ومتميزة عن الخط العام للتعليمات التي جاءت بها التعميمات السابقة واللاحقة . وإن التعميم 139/ ص لا يصحح أو يلغي التعامل العنصري التمييزي تجاه المواطنين الأكراد ، إذ كان حريّاُ به أن ينصّ صراحةً على إلغاء التعميم 1028 / ص أو إلغاء بنده الرابع.

إن من الطبيعي أن يكون تجريد الأكراد وحرمانهم من الجنسية السورية إجراءً ضاراً بالمصلحة الوطنية ومسيئاً لسمعة البلد وعامل ضعفٍ في قدرته الدفاعية والتعميرية.

ومن الطبيعي أن يولد لدى المجردين من الجنسية شعور بالعزلة والغبن والاغتراب . وقدأدى هذا الإجراء بضحاياه إلى حالة من القلق ومعاناة مآسي الفقر والجوع والتشرد والحرمان من حقوق الملكية و السفر والتعلم والتوظيف والعمل لدى الدولة والانتخاب والترشيح... وتبدو هذه الأزمات الحياتية أكثر تعقيداً بالنسبة للمكتومين منهم. وكل هذا يعني تعريض هؤلاء الضحايا ـ وبصورة جماعية ـ لوضع معيشي خاص وبشكل مقصود ومدروس مسبقاً من قبل العقلية العنصرية.

 

مناقشة قانونية

أ – تذكير بمبادئ ومواثيق دولية

من الواضح أن هذا الموضوع يعبر عن مأسـاة إنسـانية تتناقض مع سائر القوانين والشرائع الدولية والإنسـانية... ونشير هنا خصوصا إلى:

1. ديباجة معاهدة جنيف لعام 1930م المتعلقة بتنازع الجنسيات والتي أكدت على «أن يكون للشخص الحق في التمتع بجنسية ما»

2. إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان والصادر في 10 - كانون الأول 1948م9 والذي جاء فيه:

– المادة /1/: «يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق»

– المادة /2/: «لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات التي ينص عليها هذا الإعلان دون أي نوع من التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أوالدين أو الرأي السياسي»

– المادة /6/: «لكل إنسان – أينما وجد – الحق في أن يُعترف بشخصيته القانونية»

– المادة /15/ – الفقرة 1: «لكل إنسان الحق في أن تكون له جنسية»

                 – الفقرة 2 : «لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفا أو إنكارحقه في تغييرها»

3. مشروعي الاتفاقيتين الموضوعتين من قبل لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة عام 1954م، إذ جاء في المادة التاسعة: «لا يجوز للدولة أن تجرد فرداً أومجموعة من الأفراد من جنسيتهم لأسباب سياسية أو دينية أو لأسباب متعلقة بالجنس أوالعنصر»

4. العهد الدولي بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 16 - كانون الأول -1966م والذي جاء فيه:« المادة 24 – الفقرة 3 – لكل طفل حق اكتساب جنسية ما».

 

ب – فيما يتعلق بالقانون السوري

إن القانون السوري للجنسية لا ينص على أية مادة تحجب الجنسية عن الشعب الكردي، علماً أن المرسوم التشريعي / 93 / لعام 1962 الذي جرد الأكراد من الجنسية السورية ، لم يكن معللاً ، وهذا دليل على انعدام