Pênûs 15

Navîna Çiriya Pêşîn 2003

 

Havîn 2003

www.efrin.net

 

www.efrin.net/penus

رؤيـة مسـتعصية في واقـع متناقـض
جدلية المعنى والقوة
( الحالة العراقية )

هيبت بافي حلبجـة

ثمة أسئلة مخيفة تراود مخيلة المهتم للحالة العراقية ابتداءً من السياسي المتهمش إلى أصحاب القضية الحقيقين ومروراً بكافة الفعاليات الفردية والجماعية، الفكرية وغير الفكرية، المؤدلجة وغير المؤدلجة. لماذا لا يمكن للمثقف والمفكر العربي إيجاد مخرج للأزمة العربية الخانقة المختنقة الحالية؟ لم لا يملك دوراً إيجابياً فيها؟ أم كأني به يجاهد باستحاقة بالغة استحواذ الدور السلبي التام حيال هذه الأزمة في تجذيرها وتحويلها من مشكلة مدركة قابلة للتشخيص ثم التداوي إلى مشكلة ضبابية غامضة ترتكز على أسس سرابية ومتحركات رملية لا تخضع لأية نواميس؟!.
ثم السؤال الأكثر جرأة وتشخيصاً لماذا يساهم المثقف والمفكر العربي (مع القنوات الإعلامية قاطبة) في توطيد الديكتاتوريات واغتيال الديمقراطية وردم كل السراديب المؤدية إلى النجاة والفلاح؟! أم أن المثقف العربي ما برح أسيراً لاطروحات الحرب الباردة تلك التي تمثل أشأم فترة في تاريخ البشرية وأكثرها زيفاً وزوراً وضلالاً وبهتاناً وتحريفاً ومقتاً وشجباً؟! ثم التساؤل الأكثر إيغالاً في الحدس هل إن كردستان العراق ستغدو للمرة الثانية (منذ صلاح الدين الأيوبي حتى الوقت الراهن ناهيك عن العصور البائدة والسالفة) بؤرة نور وديمقراطية وتجربة رائدة، ورسول إنقاذ من التعسف والاستبداد، قنديلاً ساطع الإضاءة في غياهب وسراديب الظلام الدامس والمدلهم، ومشعلة أولمبياد الدمقرطة في منطقة الشرق الأوسط جامعة؟‍!
بالترادف، غني عن البيان، عند المنعطفات التاريخانية – الفكرانية تُقتضى معادلة استثنائية أو ما أسميه بالقوة الإستمولوجية العامودية الشاقولية التي تتضمن كل المفاهيم المستحدثة والمستجدة وتستحوذ على عقلانية تستنبط ذاتها – في ذاتها ( جان بول سارتر – الوجود والعدم ) لتسمو وتستعلي بطريقة ترانسدنتالية ( كانط ) أخاذة مذهلة وتقادم العتيق الكفنارية (Kevnar) ( هربرت ماركيوز- فلسفة النفي ) لتبيد ما تعشش وتأصل لا سيما تلك التي زاغت وأبت إلا أن تدمر وتقوض. وبالتوازي والتعارض ثمة ما أسميه بالقوة الإستمولوجية الأفقية الجامعة التي إما أن تكون سلباً ونفياً وتمثل أقوى درجات الموت والعدم (نيتشـه)، وإما أن تكون إيجاباً أثباتاً تمثل أوج وذروة البقاء والوجود (سـقراط).
وفي مطلق الأحوال، قد تتعفن وتتلبد وتترهل القوة الإستمولوجية (ورديفتها القوة الإستمولوجية الميتيولوجية) الأفقية وتغدو غير مؤهلة على استحواء العناصر المركبة والأولية الضرورية لعتبة التطور تاريخياً وسوسيولوجياً (برغسون)، فلا مناص عندئذٍ من القوة الإستمولوجية الشاقولية التي تشرئب باستطالاتها نحو كافة ميادين الحياة لتمنحها النبضة الأولى، الحركة الأولية (أرسطو) ثم الدفقة ثم الطفح لتغدو فيما بعد، حينئذٍ وآنئذٍ فقط، القوة الإستمولوجية الأفقية التي ستوسم المجتمع، عند تلك الدرجة والمستوى من التطور، بسِمتها السائدة الخاصة بها.
وبالتساوي فإن القوة الإستمولوجية سواء كانت أفقية أم ما برحت وما فتئت شاقولية، لا يمكن أن تكون، ولا يمكن أن تملك كينونتها وتستكمل أبعادها إلا إذا، وشريطة إلا إذا، ارتقت إلى مستوى (مشروع الأمة) واحتضنت المجتمع المدني السياسي ووقته من التآكل وعوامل الحت السوسيولوجي. وهذا ما أسميه بركنها القاتل، أما شرطها القاتل فهو أن تكون مدمقرطة وليست ديمقراطية. وبانتفاء الركن أم الشرط مستمسي تلك القوة لا عاقلة أو ما أسميه استحساناً (حالة القوة الغوغائية) (عبد الباري عطوان ـ مصطفى بكري) وقد تكون هذه القوة أقل ديماغوجية (عبد الله النفيسي، د. جعفر) إلا أنها ستمكث دائماً وأبداً في السطح (وربما هذا ما يفسر الحالة الناصرية في الوطن العربي). إذاً بإيجاز مقتضب إذا ما انتفى (مشروع الأمة) وغابت الدمقرطة وتغيبت الديمقراطية، فسيغيب النسق الخطابي ويستعوض عنه بخطاب متناسق مفقود المعنى والمعرفة والغائية، وسيطفى ويسيطر التفسير الحدثي على تاريخانية الأحداث في سياقها الموضوعي.
وبالمقابل وبالتناقض، فإن القوة الإستمولوجية قد تكون على درجة عالية من الشاقولية وتستميت في بلوغ مرحلة الأفقانية إلا أنني أسميها بالقوة الإستمولوجية العرجاء لانتفاء الدمقرطة الجامعة، رغم التزامها الأولي بالديمقراطية وبالدمقرطة الرديفة أو الخاصة بها (السيد حسن نصر الله، السيد محمد باقر الصدر). ومن هنا تحديداً يمكننا أن نستشف الملتقى الكارفوري ما بين القوتين الراهنتين الموجودتين حقاً وحقيقة (القوة الغوغائية والقوة الإستمولوجية العرجاء) في أولاً: عدم الاعتراف الضمني بالآخر، أي إلغاء وإنكار التمايز. وثانياً: العنف الذي لا يمكن إلا أن يكون هدفاً للأعماق ومحرقة للسطح. مع مفارقات أكيدة من حيث الإحداثيات الثالثية بالنسبة للقوتين في إدراك وتصور مفهومي (إلغاء الآخر) و (العنف).
والآن لكي يتسنى لنا إدراك هذه المتقاطعات لا بد من تجسيد الملاحظات الآتية على الساحة الشرق أوسطية (الحالة العراقية).
الملاحظة الأولى: مبدأ لا بد منه
الملاحظة الثانية: الدمقرطة والديمقراطية
الملاحظة الثالثة: حالات التعارض والتوافق ما بين مفهومي المعنى والقوة
الملاحظة الرابعة أزمة العقل العربي
الملاحظة الخامسة: الإنعطاف التاريخي الرهيب
الملاحظة السادسة: متغيرات الدبلوماسية الأمريكية

الملاحظـة الأولـى ـ مبدأ لا بد منه: إن من أهم أدوار المثقف / الباحث المفكر على الإطلاق هو دفاعه عن مشروع معين يشمل كل المعطيات الأثنية والوجودية للشعب/ للأمة. فإذا ما أفتقر المثقف إلى هكذا مشروع فإنه لن يرتقي إلى مستوى الموضوعية في الفكر والتاريخ. فأنا أربط ما بين الفكر والتاريخ وما بين موضوعيتهما التي إن تغيبت، فقدت الأطروحة جديتها ومصداقيتها وغدت تعيش حالة ضباب وسطحانية مفرغة مقززة مؤدية إلى نتائج كارثية. وهذا ما يوضح استماته (عبد الباري عطوان ـ مصطفى بكري) في الدفاع عن الديكتاتورية في العراق وبالتالي عن الديكتاتوريات في الشرق الأوسط (المتحركات الرملية). فالمثقف الذي يدافع عن تلك الديكتاتورية التي قامت بمئات المجازر الجماعية وصادرت البلد والشعب والأخلاق والدستور، بل سجلت (العراق) على ذمتها في السجل العقاري وابتلعت الجغرافيا والديمغرافيا واللاهوت، فإنه يغتال الجانب الإنساني لايديولوجي ويؤسس لمفهومي الجمود والتحجر واللامعنى.
وإلى ذلك، لقد دأبت شرائح أخرى من المثقفين إلى الهرولة إلى الخلف في السعي الحثيث وبغية إظهار التناقض أو على الأقل إبراز نقاط الضعف في كل ما هو أمريكي (علي عقلة عرسان، فوزي الشعيبي) تخوفاً من ديمقراطية آتية وتملقاً وتزلفاً لما يسمى (بالدولة الوطنية) على حساب شرعية الدولة الديمقراطية في محاولة لرأب الصدع والتصدع لمرتكزات وأسس تلك الدول التي تعادي بضراوة مقومات الديمقراطية، وبشراسة أعظم الذهنية المدمقرطة. فمشروعها، إذاً، هو (قوماني) منقوص يتعشش على حافة مستنقع شرقي أوسطي غير ديمقراطي.
وإلى أبعد من ذلك، لقد واظبت فئات مثقفة دينية على درجتين الأولى: (محمد سعيد البوطي ـ د. محمد عمارة) والثانية: (يوسف القرضاوي - والدكتور الكبيسي) على الدمج غير المنهجي ما بين سنة الرسول (ص) قبل أربعة عشر قرناً والحكومات الحالية المستبدة التي تقتات ظلماً وجوراً من كد وجهد الشعب عامة. وبغض النظر عن التصريحات المتزلفة والضيقة الأفق لمحمد سعيد رمضان البوطي، فها هو الدكتور الكبيسي يصرح بملئ شدقيه وبكل اعتزاز لإحدى القنوات العربية (في حال ظهور صدام حسين فإنني على استعداد لمقاومة الولايات المتحدة الأمريكية معه وبجانبه). إذاً فالمثقف الديني هو غائب، معدوم الإرادة، مسلوب الدراية.

الملاحظـة الثانيـة ـ الدمقرطة والديمقراطية: لقد أثبت تطور التاريخ ـ بعيداً عن الاسترسال والإسهاب ـ من زاوية أولى: وجوب الأخذ بالديمقراطية على عواهنها وإشكالياتها ومساوئها والمآخذ التي عليها. ومن زاوية ثانية: إمكانية الأخذ بمبدأ الشورى (وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم). ولن نناقش مسألة الشورى فهذا أمر إلهي، أقره الله عز وجل. لأننا نرى إن أية مسألة إلهية لا بد من معالجتها ضمن المسألة الإلهية الكبرى ومن خلال النص تحديداً، وهو القرآن الكريم. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن حالة العراق وهي المقصودة كانت في الأساس دولة دولنة ولم تكن دولة تيوقراطية.
وفيما يخص الديمقراطية فنحن نراها على الصورة التالية:
الديمقراطية هي الطريقة الشرعية لممارسة الخطأ، التعسف، الاستبداد، لأنها تتمحور حول إجراءاتها وممارسة هذه الإجراءات حصراً وتحديداً. وهي معقلة لصالح الأغلبية وتنقاد لهذه الأخيرة قسراً. وبالتالي ثمة مصادرة لرأي الناخب ولرأي الأقلية. فقانون الانتخابات هو قانون الأغلبية. ومن هذه الزاوية تلتقي آراء كل من (هوس) (ديجي) (لابان) (فيكيو) في أن الناخب وهو حر إبان الانتخابات، يفقد هذه الحرية بعد الانتخابات. فطبيعة الديمقراطية لا تسمح بأكثر من ذلك، كما أن طريقة الانتخابات الديمقراطية مقيدة من ناحية أخرى بشروط الأغلبية. لذلك – تحديداً – فإن كل دساتير العالم (بدون استثناء) تتضمن شيئاً من الظلم والجور والتعسف والاستبداد. وهذا ما أسميه مبدأ القصور الموضوعي للدستور وهو أيضاً ما أسميه مبدأ القصور الذاتي للديمقراطية.
لكي نتماشى ونتفادى هذين المبدأين، تتحتم ضرورة الأخذ بمبدأ الدمقرطة الذي يتغاير عن الديمقراطية في النواحي التالية: 1) الدمقرطة هي في طبيعتها ذهنية متعلقة بالمعنى وليست طريقة إجراءات، 2) هذه الذهنية هي كونية ومسح معرفي لمجتمع فعلي قائم وحقيقي فعال، 3) هذه الذهنية هي معادلة تثلثية، فهي تأخذ في الاعتبار التاريخانية أولاً وكامل السوسيولوجيا ثانياً أو درجة ارتقاء الوعي الجمعي أخيراً، 4) الدمقرطة هي إحدى الجوانب الحيوية في مقولة (مشروع أمة) و 5) الدمقرطة لا تقتات إلا من الواقع المشخص بعكس الديمقراطية التي لا يمكن إلا أن تكون مجردة.
إذاً، تأسيساً وتطبيقاً على ذلك، فلإن الدمقرطة هي التي تتكفل بضمان حق الأقلية وتوهب لها الدور السوسيولوجي ـ البنيوي المناسب لها. وتجعل الأغلبية تحترم وتجل رأي الأقلية طواعية. وبالمقابل فإن الأقلية لا تخضع لعنف الأغلبية إنما تنقاد لها كعامل حيوي فعال متكامل. وهكذا يستتب الاستقرار ويعمم التكامل الإجتماعي وتحقق المعادلة الحقيقية ما بين السداسية (الديمقراطية، الدستور، العدالة، المساواة، الحق الطبيعي، الحق التارخي). وهذه هي المفارقة القاتلة ما بين ذهنية البرلمان الكوردي والبرلمانات الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، وهي تمام الفرق ما بين ذهنية الدمقرطة وحجب الديمقراطية. ومن ناحية أخرى فإن البرلمان الكوردي يتميز عن البرلمانات الأوربية في أنه مدمقرط في حين أن البرلمانات الأوربية ما زالت – للأسف – ديمقراطية (قانونية). ولم تسمُ بعد إلى مستوى البرلمان المدمقرط. ومن هنا تحديداً فإنني اسمي البرلمانات الأوربية بالبرلمانات الديمقراطية القانونية وكذلك أسمي بعض البرلمانات – التركية مثلاً – بالبرلمانات الديمقراطية القانونية العرجاء.
بقي أن أشير، أن المقارعة في البرلمان المدمقرط إيجاباً وإثباتاً يجتث الشوائب (والزيوان)، في حين أنها في البرلمان الديمقراطي تناحر وتصارع يتضمن التعسف، أما في البرلمانات الأخرى فهي ألعوبة جائرة ظالمة مستبدة.

الملاحظـة الثالـثة ـ حالات التعارض والتوافق ما بين مفهومي القوة والمعنى: لقد أثبت التاريخ المؤدلج بصورة قاطعة وجود علاقة تكاملية أصيلة متأصلة غير منفكة ما بين مفهوم – الدمقرطة – ومفهوم المعنى / الأيديولوجية / المذهب من ناحية، ومن ناحية أخرى علاقة تنافر وتباغض وانزعاج ما بين مفهوم الدمقرطة ومقولة القوة. أما نوعية العلاقة الأولى فتستمد فحواها ومدلولها ودالتها أيضاً في الدرجة الجوهرية من النسق الفكري الفلسفي الذي يقف في الأساس فيما ورائية مفهوم المعنى {( ثورة سبارتاكوس - الثورة الفرنسية - الرسالة المحمدية – الأبراهيمية (عليهما الصلاة والسلام) }. وقد يحدث انقطاع شرخي ما بين الأصل والفرع (الدالة الفارغة لدى ستالين) وقد يحدث تكامل وتكافل ما بينهما (الدالة اللافارغة لدى ماوتسي تونغ). وكما نعثر على هذه الدالة الأخيرة لدى الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي يعد بحق الحلقة الواصلة ما بين المفهوم القرآني للمسألة الإلهية وبين المسألة البشرية، وإحياء هذه الرؤية بصورة ميكروسكوبية من الجانب الإنساني لدى الناصر صلاح الدين الأيوبي.
فبصورة (جروسومودوية)، لا يمكن للقوة أن تكون إيجاباً وإثباتاً إلا إذا خضعت قلباً وقالباً لمفهوم المعنى وما عدا ذلك فهي قوة غاشمة لا تعشش إلا في المستنقعات المسطحة وتغتال الأعماق. من هنا تحديداً المرء الشرق أوسطي لا يعي ـ انطفاء العذاب في الحوار ـ وبالنتيجة يعاني من انهزامية مطلقة وكينونة مندحرة وكذلك السلطان يهرع (دائماً وأبداً) إلى الاستغاثة بالجيش (الأجهزة الأمنية) مصادرة لاقتصاد ويغدو قوة سرطانية قاتلة داخلياً وقوة جربوعية فارغة مستعفنة خارجياً وهذا ما يفسر (جزئياًَ) الانهيار السريع والمفاجئ لبغداد ويوضح الحالة المزرية للشرق الأوسط عموماً. وحتى المثقف / المفكر / الباحث / السياسي يغدو لا تاريخانياً ويتمسح من الصغير المستكين إلى بؤرة جامعة وإلى السلب المطلق. وهذا هو عين الشرخ ما بين الظروف الموضوعية والحالة الشخصية، لذلك انتعش بصورة بارزة ما يسمى (بمرض اليسار الطفولي) خاصة لدى التيار الكوردي اليساري السوري. وحتى التاريخ يجد تطوره من هذه الزاوية بعينها، فالقوة التي تولد داخل المعنى تؤثر في تطور التاريخ وتطبعه بطابعها حسب مقدار الفترة الزمنية الحية، والقوة التي تولد خارج المعنى تهدم وتدمر التاريخ. وهذه هي العلاقة الجدلية ما بين (التاريخ، الفكر، الوجود).
وهكذا، وباقتضاب وجيز، في الحالة الأولى، تتوافر الدمقرطة والمركز الوظائفي، وبفضلهما، فإن المركز هو الذي يصادر الشخص ويجعله يقوم بوظائفية المركز تماماً مثل (الكبد، الرئة، القلب) وبغيابهما فإن الشخص هو الذي يصادر المركز وبالتالي تموت الوظيفة ثم الدولة وكذلك المواقف، لذلك تطابقت في الحالة العراقية اطروحات التيارات القومية الشوفينية، القومانية الوطنية، الديانية الوطنية، الدينية، ومجموعة العربية لحقوق الإنسان تمام التطابق. رغم استخدام كل تيار ألفاظاً متباينة وأسلوباً لغوياً مختلفاً.

الملاحظـة الرابعـة ـ أزمة العقل العربي: لن ندخل في جدل نظري مع ديتر سانفهاس (الصراع داخل الحضارات) ولا مع صاموئيل هانتفتون (الصراع ما بين الحضارات) ولا مع التيار الهندي الجديد القديم (العقل قبل الهوية) ولا مع محمد عابد الجابري ـ محمد شحرور ـ فراس السواح إنما نؤكد لقد تطابق العقل العربي العملي مع مقولتي المعنى والقوة في عهد الرسول الأكرم (ص) الذي استمد ذهنية الدمقرطة من الآية الكريمة: " قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد. ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد ". بعد ذلك حدث شرخ لا وصل بعده في الدمقرطة باستثناء لملمة الجراح في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز والناصر صلاح الدين الأيوبي ومحاولة رأب التصدع لدى المعتزلة وإخوان الصفا. وبانتهاء الحقيقة التاريخانية جزئياً في الدولة التيوقراطية، تراجع العقل الذي اسميه دائماً وأبداً (المادة المدركة الواعية) إلى المرتبة الثانية لصالح المعقولية المذهبية التي فشلت فشلاً ذريعاً في إدراك ووعي تلك الآية الكريمة (سورة الإخلاص): " قل هو الله أحد ".
وبالتساوي لم تفلح الدولة الحديثة في الوقت الراهن في التغلب على إشكالياتها الذاتية فتورطت في مستنقاعية الدولة القومانية والتزمت بفحواها المهترئ أصلاً وتأسيساً دون أن تأبه لمعايير الدولة الوطنية على المستوى (الاجتماعي – الإقتصادي – السياسي). لذلك سُدت السُبل بداءة في الانتقال إلى الدولة الديمقراطية الحديثة. ومن هنا تحديداً وبصورة (غروسومودية) تجسدت الأزمة بالترابط التام وبالفرز الموضوعي الوظائفي مع مقولة (عدم شرعية الحكام). تلك المقولة التي أفرغت المجتمعات من كل ما تبقى من ذهنية الدمقرطة، وحجبت تماماً أي بزوغ للديمقراطية. لذلك كان لا بد – استكمالاً للخطوات العقيمة – الالتجاء إلى الجيش (داخلياً حصراً وفقط) – الأجهزة الأمنية – مصادرة الإقتصاد. فوجد المواطن نفسه – كالفرنسية – وحيداً مستضعفاً يلوذ ويعوذ. ومن هنا تحديداً انعدمت الحياة في الشرق الأوسط بإعدام المواطن. بعكس التجربة الرائدة الفريدة في كردستان العراق التي وعت وأدركت منذ الولادة المعادلة الحقيقية للسلطة (المواطن هو أساس الحكم) وبالتالي ركزت على الدولة الديمقراطية وبرهنت أنها تمتلك الذهنية المدمقرطة. لذلك تعامل المثقف في كردستان العراق بوعي مطلق وإرادة تامة مع الأحداث المستجدة على الساحة العراقية، في حين أن المثقف الآخر (الشرق الأوسط) هرب إلى الأمام واحتمى بأشعة الشمس عندما ركز على المعادلة القديمة البالية المتهرئة التي تستحوذ على معايير التغت وفُندت ودُحضت على صعيد الدولة القومانية الآيلة إلى الزوال والسقوط، وبالتوازي آل التحليل الإستراتيجي إلى السقوط لذلك لم يكن مستغرباً أن يركز د. عبد الله النفيسي على مفهومية الشخصية العراقية عبر رؤيا الدكتور علي الوردي. أو أن يركز د. محمد سعيد رمضان البوطي والدكتور الكبيسي على مفهوم الغزو الأجنبي، أو أ، يتأسف الدكتور يوسف القرضاوي على مفهوم الخلافة.

الملاحظـة الخامسـة ـ الانعطاف التاريخي الرهيب: إن الولايات المتحدة الأمريكية وهي سيدة العالم بدون منازع تحدد دبلوماسيتها (لا توجد استراتيجية للولايات المتحدة) طبقاً لمعادلة وحيدة واحدة لا يمكن للولايات المتحدة المفاوضة عليها أو التساهل في أبعادها بل حتى إنها تفرض على بقية العالم أن تحترمها وألا تخرقها أو تخترقها، وأية دولة في العالم تبغي وتروم العيش في سلام ووئام دائمين واستتباب مستديم عليها أن تأبه لتلك المعادلة وأخذها كاملة سواء في دبلوماسيتها أم في استراتيجيتها. وهذه المعدلة هي مقولة (الأمن القومي الأمريكي) التي تسمو وتعلو على المصالح الحيوية الأمريكية. وإذا كانت هذه الأخيرة تحدد الدبلوماسية الأمريكية بالدرجة الثانية فإن الأمن القومي الأمريكي يحددها بالدرجة الأولى.
وإلى ذلك، اهتز الأمن القومي الأمريكي غداة الحادي عشر من سبتمر / أيلول عام 2001 فصعقت الإدارة الأمريكية وذهلت، ووعت أن عرينها غدا مهدداً وقاب قوسين أو أدنى. وأن غريمها ليس قوة تقليدية عسكرية أو اقتصادية بل هو غريم لا يمكن تفاديه أو تحاشيه إلا باجتثاث جذوره وشروشه. لذلك راجعت الولايات المتحدة سياساتها لا سيما تلك التي تتعلق بإرثها إبان الحرب الباردة.

الملاحظـة السادسـة ـ متغيرات السياسة الأمريكية: إذا كان العنف بصورة عامة يهدد المصالح الحيوية الأمريكية، فإن العنف في منطقة الشرق الأوسط يهدد الأمن القومي الأمريكي، لذلك أولت الولايات المتحدة الأمريكية هذا العنف الاهتمام الأقصى من خلال معالجة أسبابه، وكيفية القضاء عليه، ثم المتغيرات المترتبة على ذلك.
المحــور الأول: أسباب العنف في منطقة الشرق الأوسط: أرجعت الولايات المتحدة الأمريكية أسباب العنف الذي تقصده إلى ثلاثة:
السبب الأول ـ الدولة في الشرق الأوسط (السلطان): رغم ترهلها وضعفها تمارس في حق مواطنيها أشرس أنواع القمع والتعذيب والاضطهاد ولا تيسر لهم أسباب العيش. لذلك يتكبد المواطن أوجاعاً أليمة ومرارة قاتلة وغبناً شديداً. بل الأنكى من ذلك يشعر بفقدان الكرامة وفقدان أسباب كينونته. فنتيجة هذه الحالة المزرية المقيتة يستلب المواطن ويغترب عن مجتمعه ويتحول من مسار اللاعنف إلى مسار العنف. ومن هنا فإن الولايات المتحدة التي كانت تتقاسم مع هذه الدول هذا الذنب ارتأت التخلص من مفهوم ونتائج الحرب الباردة في تصحيح هذا المسار الخاطئ وغير الصحي بدعوة هذه الدول إلى التحولات الديمقراطية أو فرضها عليها بغية رفع الغبن عن المواطن واستفراغ هذا التشاحن والتباغض وهذه الطاقة العدائية.
السبب الثاني ـ الخطاب الديني أو بمعنى أدق إشكالية الخطاب الديني من خلال مفاهيم صريحة وواضحة (الجهاد، الدعوة، الشهادة) والروافد التي تصب في هذا المجال (صراع الأديان) (صراع الحضارات) (نظرية المؤامرات في تفسير التاريخ). لذلك كان لا بد من المطالبة بتغيير المناهج الدينية والتربوية. وتقزيم دور التيارات الخاصة في المذهب السني وحجب دور التيارات الأخرى كالشيعة والوهابية.
السبب الثالث ـ العامل الإقتصادي ودوره المؤجج فيما يعتمل ويجيش في خاطر المواطن من انفعالات سوداوية ومستقبل قاتم مكفهر مدلهم وحياة سرابية جردونية سردابية.

المحـور الثاني ـ القضاء المباشر على العنف: لم تحبذ الولايات المتحدة الترقب ريثما يتحقق بعض الخطوات الديمقراطية إنما بادرت وأسرعت لإنقاذ أمنها القومي:
1. تفتيت انؤسسات الرسمية والحزبية والاجتماعية التي تمارس العنف بصورة أو بأخرى دون هوادة، دون تبرير أو انتظار.
2. تكثيف وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط لمهام مباشرة وفورية (إزاحة صدام حسين) ولمهام مؤجلة باتت واضحة وبارزة. وهذه هي نقاط التداخل ما بين المحور الأول والمحور الثاني.

المحـور الثالث ـ المتغيرات المترتبة على ذلك: ومن أهم المتغيرات:
1. لقد أنقذت الأدوار الغير المباشرة في منطقة الشرق الأوسط، وولجت الدبلوماسية الأمريكية إلى الغياهب بصورة صريحة وجريئة، لذلك تراجع الدور التركي، وتقلص دور ياسر عرفات، تقزم الجهد السياسي المصري – الأردني – المغربي. برز بصورة فريدة الدور الكوردي ليس على صعيد المستوى الديمقراطي إنما ضمن محتوى الدمقرطة أيضاً. مع إيجاد قوسين للوضع السعودي – الإيراني – السوري – حزب الله. وتنامي الدور التاريخي لكل من (الكويت وقطر).
2. الوثب فوق الحكومات لبلوغ المواطن الشرق الأوسطي بغية إيجاد علاقة سليمة وصحيحة معه مبنية على إعادة الاعتبار له ورفع الغبن عنه وتصحيح المسار اللاديمقراطي.

بمثابـة الخاتمـة: بدخول القوات الأمريكية الأراضي العراقية مع بقاء القضية الفلسطينية ما بين المد والجزر انبثقت الإشكالية التي لا يمكن تفاديها نتيجة قصر نظر المواطن / المحلل السياسي / الباحث / المفكر. وهي أن هذا الأخير أصبح مدافعاً وحامياً للمسار اللاديمقراطي، واغتال الديمقراطية جهراً وجهارة، وغابت عنه مصادر الداء والوباء.