Pênûs

Kovreke rewşenbîrî giştî ye

Veger naverokê                               | Pênûs 12   | Payiz 2002                                          Efrin.net

 

الإسراء و المعراج الزارادشتي

سفر الروح

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جمعة الداود

 

هناك أدبيات كثيرة تصف أحوال الآخرة (الجنة ـ جهنم ) لعل من اشهرها رسالة الغفران لأبي العلاء المعري و الكوميديا الإلهية لدانتي. و الأدب الزارداشتي أيضاً زاخر بمثل هذه الروايات (مع السبق التاريخي) و التي تجسد النار و النعيم.

فكيف تسنى للزارادشتيين معرفة أحوال الآخرة و ما هي الآلية التي ساعدتهم على معرفة تلكم الأخبار؟!

إنها قصة الإسراء و المعراج الزارادشتي. و الذي عرج إلى السماء هو أحد المؤمنين الزارادشتيين و اسمه "أرده ويراف" و تقول القصة: إن جماعة من حاشية الملك في العهد الساساني و بطلب من الملك قد اختاروا "أرده ويراف" لتلك المهمة. فقد أجلسوه فوق منصة تحلق حولها قادة الجيوش و الرجال الدين و قدموا له كأساً من الشراب المقدس1. فترشفه حتى غلب عليه الوجد و راح في غيبوبة حالمة...

و بعد أن فاق من سباته بعد سبعة أيام قام بتدوين ما لاقاه في هذا السراء و المعراج الزارادشتي. وورد على لسان ارده ويراف ما يلي: إن الملاك سروش قد قاده و مضى به حتى بلغ موضعا ًيسمى مرتبة الكواكب و هناك شاهد من لم يركنوا إلى الزهد في دنياهم و لم يقرءوا الكتاب المقدس (الأفستا) ثم مضى إلى مرتبة القمر حيث رأى أرواح من أحسنوا عملاً. و انتقل به إلى مرتبة الشمس ليشهد روح من ساسوا الناس بالحزم و الكياسة. و وصل به إلى مرتبة الجلالة (الكزافرناه) حيث السعادة في غايتها، و في خاتمة المطاف رأى اله الخير (اهورا مزدا) الذي أمره بأن يقص على الناس ما رأى. و كان قد شاهد نوراً و لم ير جسماً. و هناك أيضاً يطلعه على أرواح أشهر الذين يتعذبون. و يستطرد ارده ويراف و يقول: إن روح الميت تجثم على هامته لمدة ثلاثة أيام بعد الموت و إن روح البار تنعم في هذه الفترة بما يهب عليه من روائح الأشجار و الزهور الطيبة.

و عقب انتهاء هذه الفترة تأتي الروح إلى صراط جميل، حيث تتراءى لها صورة فتاة جميلة تقدم للروح الشكر. و هي صبية جميلة متألقة، ذات ذراعين بضين، متيقظة، و ذات مظهر أنيق، و بجسد مستقيم، كبير، و ذات نهد بارز، لها خمسة عشر عاماً. و بإظهار هويتها تضيف قائلة للروح:

 "محبوبة كما كنت لقد جعلتني محبوبة اكثر بأفكارك الحسنى، و بكلماتك الحسنى، و بأفعالك الحسنى، و بدنيك الجيد، جميلة أعدتني أيضاً اكثر جمالاً، مرغوبة أيضاً، مرغوبة اكثر."2  

ثم بأربعة خطوات تجتاز الروح الأفلاك السماوية، و تصل للأنوار التي لا بداية لها أي الفردوس. أما بالنسبة لروح الإنسان الشرير، فان الفتاة التي تقابله في صباح اليوم الرابع تكون قبيحة. و تتقدم نحوه بعد رياح و أعاصير شديدة. و تخبره بكلام ينم عن السيئات التي ارتكبها...

إن بعض الموتى يستفسر عن الطريقة التي اجتازها من الوجود الجسماني إلى الوجود الروحاني من الوجود المليء بالأخطار إلى الوجود بدون خطر. و لكن اهورا مزدا يتدخل و يقول:"لا تسألها لأنك بالطريق المرعب الخطر، المتصل بالمفارقة، التي مرت به و التي يتركب بفضل الجسد عن الشعور." و هذه إشارة لتجارب السفر المأساوية. و يأمر اهورا مزدا بأن يقدم لها من (سمن الربيع) الذي هو بالنسبة للمستقيم غذاؤه بعد الموت.

إن هذه الفتاة الجميلة، أو الشريرة هي الداينا (Deana) أي الروح الخاصة بالإنسان أو بشكل أصح، الذات الخاصة و هي صورة الروح في الحياة الدنيوية. فإذا كانت الأعمال شريرة، كانت الداينا قبيحة. و تتمايز الداينا عن (الفوهر) و (الغرافاشي) و التي هي الروح الإلهية المجردة التي تودع لدى المؤمن لتهديه إلى الصراط المستقيم. حيث أن الفوهر تعود، بعد الموت، إلى مقرها الأصلي، و لا تقدم حساباً على الأعمال. و إنما هي (الداينا) التي تقدم حساباً عن أعمالها الدنيوية. و في نهاية المطاف، تصل الداينا مع كلابها، و تقود الروح نحو جسر جينفات ـ الصراط ـ لينتهي الانسان نحو النعيم، أو نحو الجحيم، و ذلك حسب الخيار الذي أنجزه الانسان في حياته الدنيوية.

إن الأرواح المستقبلة من قبل هومنو (بهمن) تمر أمام الإله اهورا مزدا و الامشاسبندان و حيث القضاء و هم ميثرا يساعده سروش و راشنو مزوداً بالميزان (نلاحظ شبيهاً لهذا القضاء الثلاثي في الميثولوجيا الإغريقية). إن الروح إذا كانت خيرة، أي حائزة لصفات ثلاث (القول الصالح، و العمل الصالح، و النية الصالحة) تصل و لا شك إلى عالم أرقى مما هي فيه و هذا العالم الذي تدخل فيه الروح هو ما يسمى فيه اللغات الآرية القديمة و الحديثة (ئينوه ـ هيشنت ـ بهشت) أي الفردوس و كانت تسمى في الافستا القديمة (وهشتم ـ اهيماشونام) أي مكان الطهارة و كانت أعلى مرتبة في الجنة تسمى (كروسمان) و في الافستا (كرونمان)Gervneman . و إذا كانت الروح شريرة و مذنبة تدخل عالم الآلام و المشاق أي جهنم، حيث تلاقي العذاب الذي تستحقه أعمالها الدنيوية. و جهنم في الافستية هي (دوزنكه) Dojgeh. و تتألف من دوز و تعني السيئ + كه و هي الدار و المكان.

و هناك بين المنزلتين منزلة ثالثة تدعى هيمستيكان، و تقع بين الجنة و النار و هي مخصصة للذين تتساوى اعمالهم الطيبة و الرديئة وزناً و مقدارا، و يبقون فيها منتظرين التناد. و في هذا المكان لا يجدون أي عذاب سوى رياح تهب عليهم لا هي باردة و لا هي ساخنة.

و في النصيحة التي يقدمها سوش ل (ارده ويراف) عندما يسأله الأخير عن أحوال هؤلاء الذين يقيمون في ال (هيمستيكان)، يقول له سروش: "خبر الناس ألا يتجاهلوا أعمال الخير الصغيرة. لأنها قد تكون بالنسبة لهم ذات فائدة جمة بحيث تحدد مصيرهم."

 

بقي أن نعلم كيف كان الزارادشتيون يعاملون موتاهم.

إن الطقوس المأتمية التي فرضتها الافستا قد حرمت دفن الجثث بالأرض أو حرقها أو دفعها للماء حتى لاتدنس المياه و الأرض و النار لذلك جهزت مدن الأموات في أماكن قصية و مقفرة و هي كناية عن أبراج مستديرة اسمها دخما (Dakhmas) مبنية بالحجر و كانت هذه الأبراج تحمل أخشاباً متوازية توضع عليها الجثث فتأتي الكواسر لتنهش في هذه الأجسام المتروكة أما ما يبقى من عظام، فيدفن بعد طلائه بالشمع منعاً لاتصاله المباشر بالأرض و كان يقوم بعملية نقل نعش المتوفى إلى الدخما و دفن العظام بعد الطلاء بالشمع ثلاثة أشخاص يمنع إقامتهم بين الناس و كانوا يقيمون في أماكن بعيدة عن التجمعات السكنية لأن كل من يلمس جثة الميت يعد ملوثاً، و لا يطهر إلا بعد طقوس دينية معقدة كل التعقيد.

 

*   *   *   *   *

 

1.  شراب الهاوما المسكر هو الشراب القدسي لدى الزارادشتيين و كانوا يعتقدون أنه يبعث في شاربه روح الاستقامة و العفاف على عكس غيره من أنواع الاشربة التي لا تولد في النفوس الا الميل الى العربدة و سرعة الغضب و هو يستحضر من نبات الراوند.

2.     (هادوخت ناسك ـ1)

 

 المراجع

1. نوري اسماعيل ـ الديانة الزرادشتية

2. الاثار الشرقية ـ ارنست بابلون ـ نقله الى العربية مارون عيسى الخوري ـ دار جروس برس و دار حكمت شريف ـ طرابلس ـ لبنان

3 .Tarixa Kurdistan, Cegerxwin, weşanên roja nû        

Veger