Pênûs

Kovreke rewşenbîrî giştî ye

Veger naverokê                               | Pênûs 11   | Havîn 2002                                          Efrin.net

   خيار إسقاط صدام ... بين الشعارات والتحديات             

" ياسين الشيخلي "

         في أعقاب أحداث الحادي عشر من سيبتمبر ( أيلول ) والحملة الأمريكية في أفغانستان عاد موضوع العراق إلى واجهة الأحداث مجدداً، وثار النقاش الحاد حول مسألة إمتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، واستؤنف العزف على نغمة إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين بإعتباره أحد الأنظمة المارقة تارة، وبتصنيف العراق ضمن محور الشر تارة أخرى.

فيا ترى ما هي خلفيات هذا الموضوع ؟ وما مدى جدية تهديدات أمريكا تجاه النظام العراقي ؟ وما هي العوائق أمام تنفيذ هذا المشروع الأمريكي ؟ وما هي مواقف مختلف دول العالم تجاه هذه القضية ؟

ـ السياق التاريخي ـ

         عند الرجوع إلى الوراء نجد أن الدعوات الحالية لإسقاط نظام صدام ليست جديدة بل يعتبر هذا النظام من أكثر الأنظمة التي تعالت الأصوات المطالبة بإسقاطه، فخلال عقد الثمانينات وفي أوج الحرب العراقية ـ الإيرانية رفعت إيران شعار إسقاط نظام صدام، وأصر الخميني على عدم الموافقة على إنهاء الحرب بأي شكل من الأشكال إلا بزوال هذا النظام عقاباً له على إجتياح قواته لعمق الأراضي الإيرانية في عام 1980 وشروعه في الحرب. ولا شك أن الإصرار الإيراني على هذا المطلب كان أحد الأسباب المهة لإطالة أمد الحرب لثمان سنوات متواصلة. ولم يكتف نظام الخميني بمجرد المطالبة بإسقاط نظام صدام في بغداد بل ذهب إلى حد إعداد البديل له وذلك بتشكيل ( المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ) بقيادة السيد محمد باقر الحكيم، وتأهيل كوادر هذا التنظيم لإستلام السلطة في العراق فيما بعد.

         بيد أن هذا المطلب الإيراني ذهب أدراج الرياح مع إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ولم يجد اَذاناً صاغية في خارج إيران رغم الادلة الدامغة على جرائم الحرب التي ارتكبها النظام العراقي وخرقه للإتفاقات الدولية باستخدام الأسلحة الكيماوية المحظورة ضد الإيرانيين وضد أبناء الشعب الكردي في حلبجة عام 1988. إذ التزم المجتمع الدولي الصمت إزاء تلك الجرائم. وتم التكتم عليها، وبدلاً من إدانته على تلك الجرائم لاقى النظام العراقي دعماً مبطناً من جانب المعسكر الغربي مكافأة له لحربه ضد النظام الراديكالي في طهران، ذلك النظام الذي وضعته أمريكا على رأس قائمة الدول الراعية للإرهاب.

         وانتهت حرب الخليج الأولى، وخرج منها نظام صدام سالماً، بل خرج أقوى من ذي قبل، حتى أمست القوة المتعاظمة للعراق تثير الهواجس لدى الدوائر الغربية وإسرائيل، إلى أن جاء الإجتياح العراقي لأراضي الكويت عام 1990 ليقدم مبرراً قوياً لتدمير تلك القوة في حرب الخليج الثانية.

         وفي غضون ذلك ثار الجدال مرة أخرى حول إسقاط نظام صدام، وانتعشت الاَمال لدى الأوساط المنوئة للنظام في داخل العراق وخارجه بقرب نهايته مع نهاية الحرب التي حشدت لها جيوش أكثر من ثلاثين دولة متحالفة تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية،ووصفت بأنها أكبر حرب بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن الولايات المتحدة فاجأت العالم بإيقاف الحرب بعد إندحار القوات العراقية وتقهقرها وهي خارجة من الكويت، ووقف الرئيس بوش الأب ليعلن أن هدفهم من الحرب كان مقتصراً على تحرير الكويت وليس اسقاط نظام الحكم في بغداد، ماكتفى بوش بتحريض الشعب أبناء العراقي على القيام بالثورة ضد نظام الحكم الدكتاتوري في بغداد، مشدداً أن مثل هذه المهمة تقع على عاتق العراقيين أنفسهم. فحدثت إنتفاضة الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال في الوقت الذي كان النظام يعاني أشد حالات ضعفه وهو خارج للتو من حرب الخليج الثانية التي دمر فيها جزء كبير من قوته العسكرية، وحدث فلتان أمني كبير وفوضى لم يسبق لها مثيل في ظل حكم هذا النظام. فاتخذت أمريكا موقف المتفرج من هذه التطورات، ولم تقدم أي دعم يساعد الإنتفاضة من تحقيق هدفها في التحول إلى ثورة شعبية عارمة تطيح بالنظام الحاكم، بل على العكس أطلقت يده في قمع الإنتفاضة بالسماح له باستخدام الطائرات العمودية، فاستفاد النظام من ذلك كثيراً في سحق التمرد في شمال البلاد وجنوبه.

         وانجلى غبار الحرب عن تدمير كل شيئ في العراق إلا نظام صدام حسين، فعلى الرغم من كل التداعيات الخطيرة لهذه الحرب خرج منها النظام سالماً مرة أخرى. ولم يلبث فترة طويلة حتى عاد إلى بسط قبضته الحديدية على الأوضاع وكأن شيئاً لم يكن.

         وخلال إتفاقية صفوان لوقف إطلاق النار بين العراق ودول التحالف فرضت على الجانب العراقي شروط مهينة، وبدأت مرحلة الحظر الجوي على شمال البلاد وجنوبه، ودخل العراق في نفق الحصار المظلم بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي. فكان يتعين على نظام صدام الذي جر كل تلك الويلات والمصائب على العلااق أن يتنحى جانباً كما يقتضي منطق الكرامة الوطنية، ولكن بدلاً من ذلك أصبح النظام يتغنى بكل وقاحة بالإنتصارات في ( أم المعارك ) ولا يخجل من ترديدها في كل مناسبة.

         ووضعت حرب الخليج الثانية أوزارها، وتمكن صدام بإعجوبة أن ينجو بجلده أيضاً، ثم انتهت فترة رئاسة بوش الأب في أمريكا، وانتخب كلنتون لفترتين رئاسيتين وطوال عقد التسعينات ظل التوتر هو سيد الموقف في علاقات الطرفين وحدثتبعض الصدامات المحدودة وظهرت بعض الدعوات المطالبة بتغيير نظام الحكم في بغداد، ولكن تبين أنه لم تكن هناك خطة أمريكية جادة في هذا الصدد. ونظراً لكثرة ما أشيع من أقاويل حول إسقاط نظام صدام، فقد أمست هذه الأقاويل فاقدة للمصداقية في الكثير من المهتمين بالشأن العراقي والمتمنين لزوال النظام فيه،حتى أصيب هؤلاء بالإحباط لكثرة سماعهم كلاماً لم يترجم إلى واقع عملي، لا سيما وهم يرون الرئيس العراقي يحتفل كل عام بعيد ميلاده في أواخر شهر نيسان وسط أجواء صاخبة من البذخ والتبجح.

         ولكن بعد مرور أكثر من عشرة أعوام على إنتهاء حرب الخليج الثانية بدأ الأمريكان يعربون عن ندمهم على إيقاف الحرب في أوج اندحار القوات العراقية ، وترك صدام دون عقاب بينما كان سقوطه قاب قوسين أو أدنى، ويعترف الأمريان أن وقف القتال في تلك اللحظة الحرجة كان خطأً مهماً كانت مبرراته، حيث كان التحالف الدولي ضد العراق قائماً، والأجواء السياسية والنفسية مهيأة تماماً لعملية إسقاط النظام الذي تسبب في هذه الحرب، في لم يكن من السهل إعادة تشكيل مثل ذلك التحالف وإيجاد تلك الأجواء مرة أخرى تمهيداً لحرب الخليج الثالثة.

ـ عود على بدء ـ

 

         وجاء الرئيس جورج بوش الأبن وشرع يتحدث بكل صراحة عن ضرورة إسقاط نظام صدام حسين في إطار الحرب ضد الإرهاب، على أساس أن هذا النظام لم يكف أبداً عن تطوير أسلطة الدمار الشامل بما في ذلك الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والذرية بالإضافة إلى امتلاكه للصواريخ البالستية، وأنه يعرقل جهود الأمم المتحدة للتفتيش عن هذه الأسلحة في العراق، ويذهب البعض إلى حد القول بأنه لو لم يتم القضاء على هذا النظام في أقرب وقت ممكن فإنه سينجح في غضون عام واحد في إمتلاك السلاح النووي، ويفهم من تصريحات المسؤولين الأمريكان وحلفاؤهم من البريطانيين بأن ليهم معلومات من مصدرهم الإستخباراتية على استمرار العراق في تطوير اسلحة الدمار الشامل،هذا بالإضافة إلى المعلومات التي يدلي بها المنشقون العراقيون الذين يهربون من العراق بشكل مستمر. إذ تعتبر أمريكا سلوك العراق هذا تهديداً لأمنها القومي ولمصالحها في الشرق الأوسط إضافة إلى كونه يشكل خطراً على أمن دولة إسرائيل، كما يعرب المسؤولون الأمريكان عن قلقهم من وجود علاقة سرية بين نظام الحكم العراقي وبعض التنظيمات الإرهابية، ومن ثم وقوع تلك الأسلحة الفتاكة في أيدي تلك التنظيمات المصنفة في خانة الإرهاب والعداء لأمريكا، مع إعترافهم بعدم وجود أي دليل لحد الاَن على مثل هذه العلاقة.

         وكما حدث قبل حرب الخليج الثانية يدأت أمريكا مؤخراً حملة إعلامية مكثفة لتمهيد الأرضية وتهيئة الرأي العام العالمي للضربة العسكرية القادمة في العراق وتركز هذه الحملة الإعلامية على التهويل من حجم الأسلحة العراقية والتنويه إلى خطرها، وتخويف دول العالم والمنطقة من العواقب المحتملة لترك العراق يطور تلك الأسلحة الفتاكة.

ـ التبريد في فلسطين تمهيداً للتسخين في العراق ـ

         يظهرنبرة المسؤولين الأمريكان على أنهم جادون هذه المرة في سعيهم لإسقاط نظام صدام كخيار استراتيجي لا بديل عنه حتى وإن وافق هذا النظام على فتح أبواب العراق على مصاريعها أمام لجلن التفتيش الدولية، ويبقى النقاش حول التفاصيل عن كيفية تنفيذ هذه العملية والتوقيت المناسب لها.

         فيما يتعلق بالتوقيت يرى كثير من المراقبين أن التصعيد الذي حصل على الساحة الفلسطينية خلال الأشهر الماضية ( أي الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري ) جعل الأجواء غير مناسبة في الشرق الأوسط لقيام أمريكا بتوجيه ضربة إلى العراق، فالشارع العربي يفور غضباً على إسرائيل وأمريكا الداعمة لها مما يعني ضرورة تبريد الجبهة على الساحة الفلسطينية قبل الإقدام على تسخين الأجواء على الجبهة العراقية.

إذاً فالجهود الدبلوماسية الجارية لتهدئة الأوضاع بين الفلشطينيين والإسرائيليين تهدف للتمهيد للضربة العسكرية تجاه العراق. لذلك يعتقد بعض المراقبين أن تطورات الأحداث على الساحة الفلسطينية ساهمت في تأخير الضربة الأمريكية للعراق.

ـ السيناريو الأفغاني ـ

على الرغم من عدم الإعلان عن توقيت الحملة الأمريكية القادمة على العراق يظهر أن الإستعدادات جارية لوضع الخطط الحربية، ويتكهن البعض بتطبيق السيناريو الأفغاني في العراق، وذلك باعتماد أسلوب القصف الجوي المكثف لمراكزه الحيوية مع الإستفادة من المعارضة في الشمال، ولكن يرى كثير من الخبراء عدم جدوى السيناريو الأفغاني في العراق وذلك لإختلاف الكبير في ظروف البلدين ونظامي الحكم فيهما والفروق بين إمكاناتهما العسكرية والتسليحية والإقتصادية، وإذا صدقت إدعاءات امتلاك نظام صدام لأسلحة الدمار الشامل فإن ذلك يعقد المشكلة، لأنه في حال شعور صدام بكونه محاصراً وبدنو نهايته، فلن يتورع في اللحظة الأخيرة عن استخدام كل ما لديه من أسلحة فتاكة. لذا ولأجل تفويت الفرصة على على صدام للجوء إلى ترسانته من الأسلحة غير التقليدية، فمن المتوقع أن يعول الأميكان كثيراً على العمليات السرية التي تلعب فيها المخابرات دوراً كبيراً، أي باستخدام أساليب مبتكرة في حرب غير تقليدية مع عدم الإستغناء عن عمليات القصف الجوي المكثف لمراكز النظام الحساسة.

         إذاً فالكارثة مقبلة على العراق لا محالة، لهذا ذكرت بعض التقارير الأخبارية أن الرئيس الروسي بوتن نصح صدام حسين بالتنحي عن السلطة واللجوء مع أفراد عائلته إلى روسيا، ولكن صدام أجاب على طلب بوتن هذا بصورة عملية بإصدار الأوامر إلى أفراد القيادة العراقية بالتدرب على الأسلحة إستعداداً ليوم المواجهة، فعلى الرغم من علمه بحجم الكارثة التي ستحل بالعراق، فإن صدام ليس من طراز أولئك الحكام الذين يتركون كراسي الحكم بصورة سلمية.

ـ مواقف الدول الأخرى ـ

         تتخذ مختلف دول العالم والمنطقة مواقف مختلفة من مشروع الرئيس الأمريكي إسقاط نظام حكم صدام حسين، تتراوح تلك المواقف بين الرفض والتأييد، واتسمت المواقف المعلنة للدول العربية برفض التدخل العسكري المباشر في العراق، وكان هذا هو الموقف الرسمي الذي تبناه مؤتمر القمة الأخير في بيروت أواخر شهر اَذار / مارس الماضي، ولكن إلى جانب هذا الموقف العلني يدور الهمس حول مواقف أخرى مغايرة لدى بعض الدول العربية. وإزاء هذه المواقف المتباينة عربياً ودولياً يمكن تثبيت النقاط الاَتية:

1.     إن أغلبية أنظمة الحكم العربية تمقت النظام العراقي وتتمنى زواله، ولكن لديها بعض الحسابات التي تجعلها تتحفظ على هذا الأمر وهي:

ـ إن حدوث زلزال كبير في العراق قد يزعزع استقرار المنطقة، ولا تنحصر اَثارها في داخل الحدود العراقية بل تطال دولاً أخرى في الشرق الأوسط.

ـ أو حدوث فوضى عارمة تنتهي إلى تقسيم العراق إلى عدة دويلات في الشمال والوسط والجنوب، وقيام أنظمة أوكيانات تشكل تهديداً لجيرانها ( كما تخشى تركيا مثلاً من قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق ).

ـ وفي حال عدم تقسيم العراق ربما تتمكن بعض المجموعات ( الغير مرغوب فيها عربياً ودولياً ) من الوصول إلى السلطة في العراق، مما يشكل تهديداً لجيران العراق من الدول العربية، ويتمثل ذلك في خشية السعودية ودول الخليج من تمكن الفصائل الشيعية المرتبطة يإيران من القفز إلى سدة الحكم في بغداد مما يعني قلب موازين القوى في المنطقة برمتها.

ـ والأهم من ذلك، خشية الأنظمة العربية من أن يشكل التدخل العسكري الأمريكي المباشر في العراق لتغيير نظامه السياسي سابقة خطيرة تمهد لتكرار هذه التجربة مستقبلاً تجاه أي نظام عربي قد تغضب عليه أمريكا لأي سبب من الأسباب.

2.     على الرغم من العزلة السياسية التي يعاني منها نظام بغداد منذ حرب الخليج الثانية، فقد استطاع خلال الفترات الأخيرة من إقامة شبكة من العلاقات التجارية والإقتصادية مع العديد من الدول العربية ودول المنطقة والعالم بحيث تصبح هذه العلاقات بمثابة سور واق له تجاه النوايا الأمريكية بضرب العراق، وذلك لأن خشية تلك الدول على مصالحها الإقتصادية في العراق تجعلها في موقف المعارض للمشروع الأمريكي. فقد ارتبط العراق بإتفاقيات وعقود تجارية مع كل من سوريا ومصر والأردن ولبنان وتونس والإمارات العربية، وقدم لهذه الدول إمتيازات تجارية وأقام مع بعضها مناطق تجارية حرة مشتركة، وبلغ حجم تبادله التجاري مع كل من مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية أكثر من مليار دولار سنوياً في إتفاقية النفط مقابل الغذاء، مع العلم أن مصر والأردن والسعودية هي من أوثق حلفاء أمريكا في المنطقة العربية. وكذلك أبرم العراق عقوداً كبيرة مع دول كبرى مثل روسيا وفرنسا وهما من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، إذ يقدر مجموع العقود المبرمة بين العراق وروسيا في مجال إستثمار النفط والغاز الطبيعي بـ ( 40 ) مليار دولار أمريكي. كما أن للعراق علاقات تجارية جيدة مع الشركات التركية وهي الدولة العضو في حلف الناتو ومن أوثق حلفاء أمريكا بعد إسرائيل في الشرق الأوسط. وفي ضوء هذه المعلومات فلا غرابة أن تبدي تلك الدول ـ العربية منها أو غير العربية ـ موقفاً معارضاً تجاه أي عمل عسكري يستهدف العراق ويضر بالمصالح الحيوية لتلك الدول في هذه البقعة من العالم.

3.     أما إيران ـ الجارة الشرقية للعراق ـ فإنها تخشى من مجيئ نظام ( حامد كرزاي ) العراقي الجنسية والأمريكي الميول إلى سدة الحكم في العراق مما يعني إطباق الحصار أمريكياً على إيران من جهة الغرب كما تم حصارها من جهة الشرق في أفغانستان بعد الإطاحة بنظام حكم الطالبان.

4.     أما دول أوربا الغربية، فأنها وإن أبدت بعض دولها موقفاً معارضاً خجولاً تجاه أمريكا في بداية الأمر، فإنها سرعان ما تنخرط في الركب الأمريكي و توحد موقفها مع الولايات المتحدة و تسير في ركابها عندما يجد الجد.

5.     هذه الشبكة من العلاقات الإقتصادية التي أقامتها العراق- وهي الدولة النفطية الغنية- جعلت تلك الدول- العربية منها وغير العربية- تحسب حساب مصالحها الإقتصادية مع العراق وتقف موقف المعارض أو المتحفظ إزاء ذالك الهجوم الأمريكي المرتقب. وهكذا يتعين على أمريكا بذل جهد دبلوماسي مكثف لكسب مواقف تلك الدول إلى جانبها أو جعلها تقف على الحياد، وهذا يتطلب تطمين تلك الدول بعدم المساس بمصالحها في العراق كما يتعين على أمريكا إزالة مخاوف دول المنطقة من حدوث فوضى عارمة أو حالة عدم اإستقرار أو تقسيم العراق أو قيام دويلات على أنقاض الدولة العراقية الحالية، وتقديم ضمانات أمريكية حول هذه المسائل لجيران العراق من الدول العربية وتركيا. ولكن سوف لن تكون هذه المهمة سهلة لاسيما إذا لجأت بعض الدول التي لها مصالح في العراق مثل روسيا وتركيا إلى المماطلة لغرض التساوم وتحقيق المكاسب من جانب الولايات المتحدة وحمل هذه الأخيرة على ( شراء ) تأييد هذه الدول وموافقتها على العمل العسكري ضد العراق. وفي مثل هذه الحالات تظهر النزاعات اللاأخلاقية المسيطرة على السياسة الدولية حين تلجأ بعض الدول إلى مساومات رخيصة على حساب أحد الشعوب المقهورة واستغلال مأساة هذه الشعوب لجر مزيد من المكاسب لصالحها.

6.     يظهر مما تقدم أن جميع الدول المعنية بالشأن العراقي بدون إستثناء تبني مواقفها من هذه القضية ـ كما في غيرها من القضايا ـ واضعة نصب أعينها مصالحها الاَنية، سواء في ذلك المصالح الإقتصادية أو السياسية أو الأمنية، وحتى أولئك الذين يتظاهرون بالتباكي على اَلام وماَسي الشعب العراقي يظهر في حقيقة الأمر أن مصالح الشعب العراقي هي اَخر ما يدور بخلدهم. أما الشعب العراقي صاحب الشأن الأول في هذه القضية الشائكة، والذي يفترض أن يكون هو الطرف الأهم في هذه القضية، فإنه مغيب تماماً رغم كونه الأكثر تضرراً من أي طرف خارجي تحت وطأة الحكم الدكتاتوري، ويتطلع إلى يوم الخلاص بكل تلهف. وكل تلك الخطط والحسابات والمساومات بين الدول الأخرى حول مصير العراق ومستقبله تدور من وراء ظهر هذا الشعب ودون علمه أو أخذ رأيه وكأن المسألة لاتعنيه من قريب أو من بعيد، وربما يعود السبب في ذلك إلى كون هذا الشعب واقفاً تحت أسر نظام الحكم السلطوي في بغداد. وهناك حقيقة أخرى مهمة يجب أخذها بنظر الإعتبار بهذا الصدد وهي أن الشعب العراقي بوضعه الحالي غير قادر على إحداث التغيير المنشود في هيكلية النظام الحاكم، لذا فإن مطالبة البعض بترك أمر هذا التغيير للشعب العراقي ما هي إلا مغالطة ولا تفيد في إطالة عمر النظام. ولكن يكون الإشكال اكبر عندما يكون مفتاح التغيير في العراق بيد أمريكا، فيبقى الشعب العراقي مسحوفاً بين مطرقة نظام صدام وسندان التدخل الأمريكي حتى تتحرر إرادة هذا الشعب المغلوب على أمره ويستعيد عافيته ويقرر مصيره بنفسه.

Veger