هانوفر الرئة الألمانية الخضراء والتي تنبسط أرضاً مترامية الأطراف،
تجمع بين المدينة الحداثية والمدينة التي تعايش الماضي من خلال حقولها، كما
لو أنها تريد البقاء مصالِحة الريف.
تجلو هانوفر للعيان، وهي تستلقي في منبسطها الأرضي، مختومة باسم ولاية
سكسونيا السفلى، تستبقي التلال والوديان والأعالي وشوماً تجمّل رحب المنظور
فيها، تتثاءت تحت قبة سماوية، مأخوذة بوساحة الأرض التي تخصها وتجلّي الأفق
الحداثي فيها عن كثب. تمتد شوارعها وتتسع في حوار يطيّبه مكانه، حتى يمكن
للمرء أن يرى ما تستطيعه عيناه، ما تنشده رغباته المتمثلة في الحضور
الألماني. إن في البنايات المعرَّفة بجمالياتها، وهي تشهق نحو السماء، أو
تكون لولبية، أو تعرض، أو تستقيم، وكأنها في استعراض الصورة الكرنفالية،
وإن في الشجر الذي يستظهر دهشة تتسلق النظرات في هذا الشارع أو ذاك، وإن في
الجسد الألماني الذي يستبرق الكثير من محاسنه، مثلما يغدق عليك بالكثير من
أطايب التكوين فيه، من رشاقة تعرّف بأنوثتها، إلى أناقة تحدد شخصية
الألماني ذكورة، وهو يثب في المكان، أو ينتقل في المكان بخفة، مستنشقاً
الحياة.
يكون أصدقاءٌ لنا، همومَ كرد، صحوات كرد، مسامرات كرد، أهواءهم، هواياتهم،
هوائياتهم، تكاثرأبعاضهم، قلوباً تمتد في المدى الهانوفري، هناك من يظل
الناظر بكينونته، من يؤهّل المدينة الجرمانية، وهو يتكلم بكردية جلية
المخارج، وهناك من يغيّبه المكان.
Bavê Ciwan، في الاستقبال دائماً، حيث يظل بيته مستشرفاً جهات المدينة،
متحيناً فرصة هذا أو ذاك ممن أدمن لقاءه، أو ينتظر لقاءه هذا.
في العالم الذي يسكنه الكردي اضطراراً، بعيداً عن سكناه: الأصل، عن الأرض
التي ألفته وألفها، والناس الذين أدركهم امتدادَ تاريخ وجوه مألوفة، كما
أدركوه وجهاً من وجوه المكان، داخل خانتهم الجغرافية، حتى لو كان خصام،
نزاع، اشتباك تقويلات، كون الجامع بينهم أكبر من كل قامع لهم، هنا . في
هانوفر، حيث أولي ظهري للمحطة التي تتثاءب قطاراتها بجرعات متفاوتة
ومختلفة، وبأوقات تعرّف بحضارة تمنح الثانية كامل حقوقها المعتبرة، مثلما
تشهق وتزفر بشراً متعددي اللغات والوجوه والانتماءات والمرامي، أوليها ظهري
سابحاً في سيماء المكان المألوف سابقاً، باحثاً عمن يمكن اقتناص وجهه من
ذاكرة قريبة أو بعيدة، حيث الشمس لم تكن تخفي قرصها الذهبي المتقد جانبياً،
والفضاء الرحب يبدو مرحّباً بالقادمين بنَفَسه الطويل، عبر وسع المكان،
ويصعد من داخلي لاشعورياً صوتي المرافق معي، والمتكرر ضرورة قيمةٍ : Rojbaş
Hanover( نهارك سعيد هانوفر)، وكما لو أن الجهات الأربع، بكل مقوماتها،
متضمناتها ردت في صمت، من خلال من كنا معاً، ومن جاء ليقول كما هي عادته
معهدي به، وأنا أبصره من بعيد يسمح بسماع صوته متداخلاً مع سبحة من صباحة
محيا ألفتها ذاكرتيSer cava( على الرحب والسعة، بالمعنى الأٌقرب)، هو ذاك
العزيز عبدالحميد خليل أبو جوان، وقد اكتنف هامته ثلج، طبعاً لا علاقة له
بضلوعه في عمر منهِك، وإنما هكذا ارتأت جينات الشعر، فالفتوة لما تزل
تتقدمه، ليكون للعناق والمصافحة الكرديين في المدى الهانوفري اللافت
حضورهما اللافت بالمقابل، ومعي أحبة، وجوه ألفتها سريعاً، ووجوه عقدت ألفة
معها منذ سنين، شريط أصوات أمداء إيقاعات نفوس من كل حدب وصوب كرديين
وسواهما.
كما لو أن الشارع الهانوفري المسلوك يزداد اتساعاً، مثلما يزداد انبساطاً،
كما لو أن الأشجار المغروسة في المكان، المهووسة بأخضرها، تكللها البنايات
خلفها على الجانبين داعمة إياها بقامات ومقامات لونية متفاوتة، وهي تشملنا
بنظراتها في صمت ، بدا مفرحاً من خلال السيارة التي أقلتنا وهي لا تني تجعل
الأمام وراء، حتى نقطة الوقوف المطلوبة.
اصطحبنا أمتعتنا إلى حيث يسكن أويقيم أبو جوان، تكون هناك أم جوان بوجهها
الرحب علامة أهلية، ذاك الذي يسبق كلمة الترحاب بداية، كعادتها مع ضيوفها
:الأهل، ويكون الصغار شيرين وقائمة الطفولات الصاعدة زقزقات المحيط البيتي
داخلاً، يستحيل المكان كردياً بالصوت والصورة رغم ألمانية الجغرافيا.
إيه ٍ هانوفر، لكم أنا مديد طوع خفة ، طوع صمت، طي الوجوه التي تلاقت
وراقت، واستفاقت في حضرة المكان، وقد اتسع البيت، كما لو أن المكان نفسه
تلاشى، ليظهر أفق للنظر الفسيح.
تتدفق الوجوه، أو تنبثق، كما لو أنها على موعد، هكذا هو المكان الذي يبدو
مسكوناً، وهو كذلك، ولكنها سكنى وجوه لا تأتي إلا لأن المكان أكبر من
مساحته، والأصوات التي تفد إليه، تتناغم، تستعيد نأياً، وتعيش أمكنتها التي
تعرفها عمقاً، من على آلاف الأميال، مجدّدة تاريخ عهد، لا يبقي للنسيان
فسحة ، ولو ضيقة، من الحضور. يعلم هذا من أبصرتهم، من سمعتهم، من أمُّوا
المكان بحدس صائب، وخطوات تأمن جهاتها ودرج البناية الصاعد بها عالياً،
وجوه تعيش يقينها، كلٌّ بمزاج معهود فيه، بوتيرة صوت، ذخيرة حياة، استلقاء
مشاعر خلل الكلمات، أطياف قلوب مرافقة، تتالي هموم... الخ، الوجوه التي
جاءت من مسافات قصية، مؤكدة لا شيئية المكان- المسافة، طوع رائحة وجوه أخرى
تتنادى، من المحيط الهانوفري، من أبعد مدى، أو من مدى أبعد، من مئات
الكيلومترات، فالمسافة لا تقدر بالبعد المكاني هنا، حيث يكون للقاء نكهة
الروح في وحدتها، وجوه أحتفظ بأسمائها وملامحها، وعلاماتها الفارقة، وهي
مأخوذة بسمرتها الفاتحة أو المائلة إلى بياض أو شقرة، إلى شقرة، أو مسحة من
البياض بفعل مكاني، لا أريد البوح بها، حيث أنا على يقين من يقينها، في
أنها الآن تدرك يقيني بيقين أسمائها واختلاف مقاماتها، حباً فيها، أو
تقديراً لأمكنتها الخاصة، مهما حاولت التعبير عنها بخصوصية ما، أبقيها طي
ذاكرتي، للسبب الذي يلبي نداء يقيني الكردي، وهو أن أؤرشف صورها مديداً من
الزمن لا نقطة نهاية له.
يمتلىء/ يعج/ يضج البيت الألماني أصولاً بالوجوه، بالأصوات، بسياقات
تجاذبات أطراف الأحاديث المختلفة، تكون السياسة علة الكردي فيما لا يد له
فيه، إذ لولا فضلة منها ربما لما كان ما كان، سلته من الغرائب والعجائب،
فتنته في تطويع الأبجدية بأكثر من لغة، من تاريخ، من جغرافيا، ولو مقارنة،
لإبقاء الذات في معترك يقينها الكردي، في اعتبارها اعتبارية موجودة، حتى لو
بدا المكان القصي ثقيل الوطء، ربما لتأكيد وتجديد تأكيد كينونة يقينها
الكردي، في مرايا متفاوتة الأبعاد والعمق وأصداء الصور الملتقطة في محيطها
الشفيف، جملة كينونات جوبهت بعسف، أو حوربت بجلاء، هناك حيث عاشت طفولتها ،
إنما دون أن تعيش حقيقتها في حدها الانساني الأدنى كردياً، بعضاً من أثريات
المكان المتشظي المتلظى المعنَّف أصولاً حقبية طويلة.
ولئلا أبقي المكان، بوجوهه الضالعة في شؤون سياسة كانت علة من علل
تَناديها، بوجاهات متمايزة قيمةً، في خانة الممنوع من الصرف تاريخاً، أو
الفعل المبني للمجهول صوتاً يثب من هنا، وآخر، يتحين ظهوراً من هناك،
وسواهما يلح ذاتياً ليسمع البقية تهدجه أو تلوعه أو رابطه الشخصي بوضعية
معينة، لئلا أترك كل ذلك، لمن يتناهبه فضول، مستبقاً كل صوت وما عليه يقينه
في تهجئة رغبة خلل كلمة أو جملة، أو تعليق عابر... الخ، أشدد على سريَّة
الوجوه وسرّيتها، حباً مكرراً لمقامها، مهما كان يقيني الكردي الآخر، مثلما
أشدد على الحفاوة المكانية، على الروح المضيافية، رشاقةَ الأيدي التي كانت
تبقي الطاولة في استنفار كامل وقد تنوعت زخارفها من أطباق، وسط رشاقة أصابع
برعت في تصنيف المشتهى من الطعام: أكلاً، شراباً ذا ألوان عدة، كـأن كل بيت
كردي، حيث وجدتني فيه، منافس سواه، منافس المكان بكرم مسلسل.
تبدو أم جوان، وكأنها نذرت نفسها في أن تبقي يديها مشغولتين مأخوذتين بما
تيسر من أطايب المستقدم إلى البيت طعاماً تعبيراً مستديماً عن الضيافة، في
الغالب،دون أن تمنع نفسها تلك من تعليق أو كلمة تتركها في رحاب البيت،
ومعها، وإلى جانبها أبوجوان وهو يوزع نفسه بين أن يكون مشاركاً أو ملبياً
ما يعتبره أساسيات الضيافة، كما لو أن الوقت يزمط من بين الأصابع، أو يتبخر
بين ثنايا الكلمات، والوجوه التي زاحمت بعضها بود، وتزاحمت بود.
يأتيني صوت بشار الفنان من صحو باريسي الذي أدركت ألفبائه في بيته الوديع،
يأتيني في حضرة البيت البديع الذي أتحدث منه، تٌلتغى المسافة، يكون ضحكه
الأزرق كومضة بحرية في لوحاته، طلة الصوت كبحة الأصفر في مهاد اللوحة عنده،
يكون كلام مشفَّى، حضور الحالة الواحدة مطلَّة الروح الواحدة، انبثاق فكرة
قائمة، وهي تنتظر سفوراً، حيث المجال يتسع لفيض من المشترك في المعاش، رغم
التنائي، سؤال عن سؤال، وجواب يستحيل سؤالاً، وفكاهة ترطّب مناخ المتداول
من الكلمات، تمنحها يخضوراً لتمارس حيويتها أكثر، وعد في الأفق، مواساة في
رحاب الموعود، وانتظار لقاء مباشر، كما لو أنه توارى وراء تصميم ملحوظ مما
تخلل الهتاف الروحي عن بعد، كما لو أن للـ: بعد ِ أكثر من ( وبعد)، أمل
الكردي في بقاء أكثر تجذراً.
هو المكان نفسه الذي شهدته، إنما خارج البيت الرحب، في اليوم التالي، في
ضاحية لانغن هاغن
أو ما يسمى بـ( الخطاف الطويل çengilê dirêj)، ونحن ندخل عالماً من الأخضر
المترامي الأطراف، كما بدا لنا، في اليوم التالي أيَّارياً، وسط وجوه تدفقت
إلى المكان، من أجناس عدة سريانية، روسية، يوغسلافية، ألمانية، عربية،
كردية... الخ، محتفية باليوم المنتظر، ليستحيل المكان أكثر وساعة، بينما
مقابلنا تترقرق وتترونق بحيرةzîlbazê: بحيرة الفضة.
كان الأسبوع في منتصفه، بالنسبة لنا، وفي أوله بالنسبة للذين يكون المنتصف
من الأسبوع أوله عندهم، وذاك معتقد ثقافي وديني معتبَر، وتراءى الجو في
مستوى الرغبة حقيقة.
قد لا يكون في وسع الكلام التعبير عما دار واستدار واستنار في المكان، حيث
لمتنا التي توسعت حدودها( الاستعمارية)، تستوطن فسحة واسعة، تأخذها روعة
اللقاء غير المتوقع، وفراهة المناسبة، حيث الوجوه الكردية تضاعفت وتوارفت
أعداداً وأمداداً من الصور والأصوات، ليكون الصوت الذي استحال موسيقا:
ألحاناً يدركها الكردي منذ الخفقة الوترية الأولى، وكلمات مغناة، منذ
الرشقة الأولى من الكلمات التي تخفف من مصاب المكان، لتأخذ الخطوات
الموزونة متجاوبة مع الموسيقا في تصادي كرديتها، معبّرة عن ذاكرة مكانية
أعادتها إلى قرى كردية، موزعة في أكثر من مكان، هناك الذي يظل هنا، محمولاً
أطيافاً أردافاً أردافاً، وهي تحاور الأكف المتداخلة مشبوكة بأصابع تعيد
إليها روحها التي تُعرف بها، والأكتاف وهي تتأرجح وتترنح بمقدار، تميل يمنة
ويسرة، تعلو وتهبط موجية بمقدار أيضاً، متحدية خبطة الأرجل على الأرض
الألمانية وهي، كما لو أنها فاغرة فاهاً أسطورية مما يحدث، من هذا المدد
الصوتي والحركي المبثوث في المكان، وسط العيون التي لم تجد بداً من
المتابعة والتساؤل عما يجري، خلل جسوم غيوم أو قوى: غِوىً، تلاقت في حوار
مختلف، لتكون الساعة على غير عادتها حركة وحضور زمان، والمكان الممسوح
بالنظر على غير المرئي فيه خلاف المتداول عليه فعلاً، في يوم استثنائي يخفق
سريعاً جناحَي طائر هيمان.
ليحل المساء بلمسة ألمانية مزخزخة مطراً دعابياً، ليكون ما يلي المساء
استعادة للمساء السابق، إنما أكثر تضوعاً، وأكثر استثارة، بفرح متداخل مع
ألم تناء ٍ لا يُعرف زمنه، حيث كان الوعد بلقاء غير محسوب زمنياً، ودوام
التواصل طي الذاكرة التي تكفلت بإبقاء الزمن مؤمماً وداً.
ليأتي الصباح، ويكون لهانوفر طعم آخر من السلام والكلام، وأنا أيمم وجهي
شطر برلين الولاية والمدينة، مسلّماً نفسي للقطار السريع، بينما في الطرف
الآخر يكون أبو جوان وذاكرة المكان التي تشكلت من أكثر من جهة، وبجانبه أم
جوان والوجوه الغضة في بيتهما الطليق الخافقين.