ستة عقود تمضي على تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، خلالها تحققت
العديد من الاخفاقات و البعض من الانجازات، كانت هناك إنتصارات مثلما كانت
هنالك إنكسارات و نكسات محبطة للآمال، وواجه هذا الحزب الكثير من التحديات
الصعبة وصلت الى حد تهديد وجوده و إقصاءه من الساحة نهائيا، لكن على الرغم
من ذلك بقى الحزب وواصل مسيرته عبر مسارات تخللتها منعطفات حادة جدا كلفته
الكثير وعلى أصعدة متباينة.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي حاز على جماهيرية إستثنائية بين أوساط
الامة الكوردية في أصعب ظروف مرت بها كوردستان المجزأة، لم يكن بمقدوه أبدا
أن يحوز على مثل تلك الجماهيرية لولا القيادة التأريخية الفريدة لأبرز زعيم
كوردستاني في العصر الحديث، مصطفى البارزاني الذي لم يكن قائدا تقليديا و
لا رئيسا لحزب سياسي محدد على الرغم من إنه كان رئيسا للحزب الديمقراطي
الكوردستاني، فقد كان بشهادة معاصريه"حتى من الذين كانوا يناوئونه"يتسم
بكاريزما غير تقليدية و مع إن كوردستان المجزأة شهدت ثورات تحررية عديدة و
أنجبت قادة عظام قادوا الشعب الكوردي في أكثر الفترات التأريخية إسودادا
بالبنسبة للكورد، إلا أنه لم يحز أي منهم على ماحازه البارزاني من شعبية
واسعة بين أوساط الامة الكوردية في كافة أجزاء كوردستان المجزأة. كما إن
البارزاني قد حاز على شهرة عالمية في أصعب ظروف شد الحصار و الخناق على
الامة الكوردية، وحتى إن إسمه صار مرادفا للقضية الكوردية و صار رمزا
أساسيا لها. بل و إن إسمه صار عقدة للعديد من القادة السياسيين الاخرين في
كافة أرجاء كوردستان الكبرى ذلك إن إجتياز حالة مصطفى البارزاني تعني فيما
تعني تجاوز أهم حالة تأريخية في مبدأ الزعامة الكوردية و بدأ مرحلة جديدة
في هذا المضمار وهو أمر لم يحدث لحد الان.
البارزاني مصطفى الذي قاد واحدة من أقوى الثورات الكوردية و أهمها في تحديد
معالم مستقبل الامة الكوردية، ذلك إنها بتداعياتها المرحلية زعزعت خارطة
المنطقة، لم يكن زعيما متكلفا و لا من أولئك الذين يلدون وفي أفواههم ملعقة
من ذهب، بل كان زعيما عصاميا بمعنى الكلمة، صنع تأريخه بنضال مرير خاضه عبر
كفاح إستثنائي و بنى مجده بسعي دؤوب من أجل مستقبل أكثر إشراقا لأمته.
ويعلم كل الذين عاصروا هذا الزعيم الخالد، إنه لم يكن يتباهى أبدا بكونه
رئيسا للحزب الديمقراطي الكوردستاني بل كان الحزب نفسه يتباهى"ولايزال"
بكون البارزاني رئيسا له، لكن هذا الرجل القائد الاسطوري كان يتفاخر
بإنه"خادم"للشعب الكوردي وكان يدعو أتباعه لذلك، لقد كان و بشهادة أعدائه
حتى، إنه لم يكن يتصرف مطلقا وفق أعراف الرئاسة الحزبية وإنما وفق طقوس
خاصة جسدتها تعلق الشعب الكوردستاني به والحب الكبير الذي كان البارزاني
الخالد يكنه لأمته، ومن المفيد أن نذكر هنا أن أناس مدنيون من كهول و شباب
و حتى نساء قد فقدوا حياتهم إبان ثورة أيلول في المدن الكوردية لأنهم رفضوا
أن ينالوا منه وهم مكرهين تحت ضغط و إرهاب السلاح.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي عاصر مختلف الظروف السياسية التي مرت
بالعراق منذ نشوئه، يجد صعوبة جمة في التعاطي مع تراث هذا الزعيم الخالد و
يجد صعوبة أكبر في تجسيد ذلك التراث العظيم و ترجمته لعامة الشعب الكوردي،
على الرغم من أن الشعب الكوردي برمته مازال مؤمنا بأن مصطفى البارزاني كان
حالة إستثنائية من النادر أن ينجب التأريخ الكوردي مثيلا لها .
إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني وهو يعيش عيد ميلاده الستين، مطالب أكثر
من السابق بالعودة الى تراث هذا الرجل و الاخذ بتلك الخصال الحميدة التي
جسدها عبر زعامته للأمة الكوردية، وإن التمسك بإنه كان رئيسا للحزب هو أمر
مرفوض و غير مقبول و مسئ لذكرى هذا الرجل الاسطوري خصوصا إذا لم يقترن بما
يجسد ماكان يدعو إليه و ضحى من إجله طيلة حياته، وإنه مطالب أكثر من أي حزب
كوردستاني آخر بحملة جادة لإجتثاث الفساد المالي و الاداري في صفوف الادارة
الكوردية للإقليم على الرغم من أنه مطالب قبل ذلك بإجتثاث الفساد من بين
صفوفه وضخ دماء جديدة في شرايين الحزب التي باتت تعاني ترهلا ملفتا للنظر
قد يسبب لها إنسدادا طارئا ذات يوم!