هل قرأ ساسة الكورد التجربة الأمريكية والسياسة البراغماتية أم ...
هورو عثمان
عفرين - نت 15.08.06
بينما كنا في حوار حول" كيفية فهم السياسة " مع بعض المثقفين المؤدلجين
والمنفتحين طرح بعضهم بأن السياسة علم دقيق لها موضوع متميز للدراسة ـ حكم
المجتمعات ـ وقوانين وأسس ومعايير خاصه بها وفي تداخل مع هذه الآراء يرى
بعضهم بأن السياسة عبارة عن استراتيجيات وتكتيكات ترسمها الدول العظمى وما
على الدول الصغرى إلا فهم هذه المعضلات والتكييف في سياقها فهنا تتداخل
الرأي الأول بالثاني ومن أنصار هذه الرأي ريبرأحمد وبير رستم ود : صلاح حدو
في المقابل يرى بعض المؤدلجين بألوان متنوعة بأن السياسة فهم لصيرورة
المجتمع ومن أنصار هذا الرأي النمطيين الكلاسكين وهم كثر
وفي المقابل يرى بعضهم بأن السياسة تعني تسخير الممكنات لخدمة الغاية ـ
المنفعة ـ سواء الخاصة أم العامة وللأسف تم شطب العام من معاجم الساسة
الكورد في سوريا ....
بعد هذا العرض لأفكار بعض المحاورين تناغمت مع الرأي الأول والثاني فكلاهما
متداخلين....لذا بحثت في تاريح التجربة لأن تاريخ أية تجربة سياسية جزء من
علم السياسة....ينبئنا بفهم الإشكاليات المعاصرة
قلت ... قبل الخوض في السياسة ينبغي أن نعرف استراتيجية أمريكا في العالم
والمؤسسات التي ترسم معالم هذه الاستراتيجيات التي تشخص للمعمورة ويتم
التشخيص بفهم الفكرة التي قامت عليها هذه التجربة وتاريخها التطوري كي نفهم
الحاضر وموقع الكورد في السياق الكلي لهذه الاستراتيجية.وتاريخ أمريكا يبدأ
بالثورة الثورة التي أعلنها جون أدمز الرئيس الثاني للولايات المتحدة : "أن
تاريخ الثورة الامريكية يرجع إلى "1620وقال أيضا: " أن الثورة أختمرت قبل
بداية الحرب " " إذ كانت في عقول الناس وفي قلوبهم " ثم أضاف إلى ذلك أنه
ينبغي " أن نرجع مائتي سنة إلى الوراء في تاريخ أمريكا لندرك المبادئ
والإحساسات التي دفعت الامريكين إلى الثورة منذ أن أنشئت المزرعة الاولى."
لقد بدأ الخلاف الصريح بين إنكلترة وامريكا من الناحية العلمية في سنة
1763. ففي ذلك الوقت كان قد انقضى أكثر من قرن ونصف قرن على تأسيس
المستعمرة الأولى في جيمنس تاون بفرجينيا .
ونمى نموا محسوسا من الناحتين الاقتصادية والثقافية كما كهفت جميعا بسنوات
طويلة من الحكم الذاتي وزاد مجموع عدد سكانها عن 1,5مليون ونصف أي ستة
أضعاف ماكان عليه سنة 1700م.
ظهور الولايات المتحدة
شهد القرن الثامن عشر ثورة المستعمرات الانكليزية الثلاث عشر في أمريكا على
الوطن الأم انكلترا. وهي التي أصبحت تعرف فيما بعد بالولايات المتحدة. وقد
قطنها منذ القرن السابع عشر مستعمرون من أصل أنكليزي ، وقليل منهم هولندي
وألماني وسويدي وكان مجيئهم إلى هناك نتيجة تخطيط وتنظيم دقيقين ونفقات
ضخمة ومجازفات كبيرة ، وكان الضيق الإقتصادي أقوى العوامل التي دفعت
بالمهاجرين الاوربين إلى ترك بلادهم بحثا عن فرص أقتصادية أعظم ، وهو دافع
كثيرا ما كان يغذيه الحنين إلى الحرية الدينية والتخلص من الاضطهاد السياسي
، وقد توطد الاستعمار الإنكليزي في أمريكا الشمالية عن طريق أتباع الحكومة
سياسة الشركة التي كانت تتولى استعمار الأراضي لحسابها ، عن طريق الهجرات
المتلاحقة من انكلترة إلى امريكا مما أدى الى زيادة عدد السكان.
طبيعة الحياة في المستعمرات
كان هناك نوع من التمايز في نوعية الحياة بين مستعمرات الشمال والوسط
والمستعمرات الجنوبية ، فالمستعمرات الشمالية والوسط بلغ عدد سكانها ما
يقرب من مليون نسمة في القرن الثامن عشر ، وكان هؤلاء يعيشون على الزراعة
.على النمط الأوربي ومن بعض الفعاليات الصناعية ،كصناعة الخشب والمواد
التعدينية والنسيجية ومن التجارة البحرية من انكلترا وكانت برجوازية
الأعمال .وبينما كانت مستعمرات الجنوب ،فرجينيا وكارولينا الجنوبية وجورجيا
مختلفة فهي أوسع مساحة ، وأقل سكانا وركزت إهتمامها على زراعة المنتجات
المدارية وكان يسودها طبقة أرستقراطية من أثرياء المزارعيين التي تملك
أراضي شاسعة يفلحها العبيد وخصص انتاجه للتصدير.
نظام الحكم في المستعمرات
كان هناك تشابه كبير في المؤسسات لكن لم يكن هناك من رابطة سياسية بينها
لكنها جميعا كانت تحت سيطرة ملك انكلترة أو البرلمان ، وقد كانت هذه
المستعمرات لا تتاجر إلا مع بريطانيا ، بعد أن بدأت حرة في تجارتها مع أي
بلد من بلدان العالم، وقد أصدرت بريطانيا القوانيين الملزمة لربط تجارة
المستعمرات معها فقط لكي يبقى الأسواق الامريكية سوقا مفتوحة أمام منتجاتها
كذلك حرمت عليها أنشاء صناعة الحديد سنة 1750.
ومنذ السنة الأولى لاستيطان المستعمرين في أمريكا الشمالية أدار هؤلاء
شؤونهم وفق القانون الانكليزي فأسسوا الجمعيات التشريعية وأقر نظام الحكومة
النيابية التي أصبحت هذه المجالس النيابية رمزاً للحكم الديمقرطي في ظل
السيادة الانكلبزية وأعطت هذه المجالس سكان المستعمرات حق المطالبة
بمساواتهم مع الانكليز الذين ينظرون إليهم بأنهم أقل منزلة ومع مرور السنين
شعر المستوطنيين بتباعد مصالحهم عن انكلترة وهذا ما أدى إلى أستيلاء
المجالس النيابية المنتجة من قبلهم على صلاحيات الحكام وهيئاتهم
الاستشارية.
حرب الاستقلال
بدأت في وقت كان فيه الامريكيون في موفق صعب للغاية لاعتماد جيشهم على
المتطوعين من المستعمرات وينقصه التدريب والأسلحة والذخائر وبالرغم من ذلك
استطاع احتلال مدينة بوسطن واجبر القائد العسكري الجنرال (هاو) على
الانسحاب واتخاذ نيويورك قاعدة عسكرية بعد أن طردت قوات جورج واشنطن منها
ورغم ملائمة الظروف لسحق الثورة إلا أن حبه للأمركيين أملّه بالتواصل إلى
اتفاق بينهم وبين انكلترة حال بينه وبين ذلك.
ومع ذلك استطاع الجنرال هاو الانتصار وهزم القوات الامريكية في عدة معارك .
لكن... جورج واشنطن أستطاع تحويل جيش المستعمرات الضعيف وسيء الإعداد إلى
جيش قوي رغم امكاناته المحدودة وكذلك حماسة قواته ومعرفتها الممتازة
بأراضيها وإيمانها بقضيتها وبأنها تقاتل من أجل استقلال المستعمرات والدفاع
عن مصيرها وكذلك أدى إلى محاصرة جيش انكليزي كان يتقدم نحو نيويورك وأجبره
على الاستسلام وانقذ الثورة الامريكية اذ أدى إلى عدة نتائج خطيرة :
1- فقد الانكليز ربع قواتهم في أمريكا
2- أصبح نهر الهدسن تحت السيطرة الثوار الامريكيين نهائيا
3- أرتفاع الروح المعنوية للقوات الامريكية
4- أقناع فرنسا بالوقوف رسميا جانب الثورة الامريكية
كذلك تدخلت الدول الأوربية الأخرى مثل أسبانيا وهولندا كذلك الدانمارك
والسويد ضد انكلترة واستطاعت الثورة الامريكية الانتصار وتوقيع معاهدة جاند
التي أنهت الحرب مع المستعمرات سنة 1782 ولم تصبح سارية المفعول إلى بعد
معاهدة فرساي الأولى سنة 1787 وبعده تم صياغة الدستور وبناء المؤسسات و
الاستقلال التام وولادة الولايات المتحدة الامريكية .
جورج واشنطن
تولى قيادة جيش المستعمرات سنة 1775 بعد مؤتمر فلادلفيا وقد حارب سابقا ضد
الفرنسيين كثيرا مع الجيش الانكليزي .
وبرغم من صغر الجيش وقلة امكاناته والهزائم التي لحقت به فقد استطاع جورج
واشنطن بعبقريته من متابعة الكفاح وتحويله إلى جيش قوي وتحويل الهزائم إلى
انتصارات .
وبعد مؤتمر فرساي تزعم حزب الاتحاديون المطالبون بالاستقلال التام عن
انكلترة وانشاء حكومة أتحادية قوية .
وبعد صياغة الدستور سنة1787 حيث أعطيت السلطة التنفيذية لـ رئيس الجمهورية
الذي ينتخب لمدة 4 سنوات فاز جورج واشنطن بأول أنتخابات وبذلك أصبح أول
رئيس للولايات المتحدة الامريكية .
أسباب الثورة
يصعب تحديد أسباب الثورة بشكل دقيق لكن هناك عدة أسباب تضافرت وادت في
النهاية إلى قيامها :
1- نظرة الحكومة الأنكليزية إلى سكان المستعمرات بأنهم أقل درجة منهم
2- تحميل سكان المستعمرات أعباء المصاريف المالية التي تنفقها أنكلترة في
حروبها
3- شعور المستوطنون مع مرور السنين بتباعد مصالحهم عن مصالح أنكلترة
4- أصدار البرلمان الأنكليزي الضرائب على المستعمرات مثل رسوم التجارة حيث
أقر سنة 1764 قانون السكر وفي عام 1765 قانون التحفة
وكل هذه الاسباب جعلت عوامل الثورة تتفاعل وصولاً إلى الازمة التي نتجت عن
مقتل خمسة مستعمرين بسب رميهم كرات الثلج على جنود أنكلترة سنة 1770
فأطلقوا النار عليهم .
نتائج الثورة
أدت الثورة الامريكية إلى الكثير من النتائج الهامة سواء بالنسبة للولايات
المتجدة الامريكية أو بالنسبة لانكلترة البلد الأم فالنسبة للولايات
المتحدة :
1- أوجدت الشخصية الامريكية .
2- أنشاء أقتصاداً خاصاً وعملة خاصة هي الدولار.
3- ولادة أمة لأول مرة في التاريخ تؤمن بسيادة الشعب .
4- أوجدت مبدأ قيام الشعوب بالثورات ضد الحكومات وتغييرها.
بالنسبة لانكلترة
1- خسرت الكثير من الناحية الاقتصادية وخاصة موراد المستعمرات
2- بدأ ميزانها التجاري يضطرب
3- أخذت السفن الامريكية مع مرور الزمن تنافس سفنها
بالنسبة لفرنسا :
أصبحت حليفة للولايات المتحدة وصاحبة في استقلالها.
وهكذا فأننا نجد أن المستعمرات بدوأ حياتهم كمغامرون يبحثون عن المجهول .أو
لمضطهدون سياسين أو ددينين أو قاريين ثم تحولوا إلى مستوطنين في ظل الحكومة
الأنكليزية . وما لبثوا أن استغلوا ليجوجدوا دولة قوية وشخصية مميزة
أستطاعت مع مرور الزمن أن تصبح دولة الحرية . ثم أصبحت الدولة الاقوى في
العالم في كل النواحي وهي حاليا تتحكم بمصير شعوب العالم وحكوماتها وتسير
العالم حسب مخططاتها ومصالحها معتمدا على قوتها العسكرية والاقتصادية
والثقافية . وأصبحت مثلاً يحتذى بها في القوة والعظمة وهم في الاساس لا
رابط بينهم سوى كونهم مهاجريين من بلاد مختلفة .
وبالمقارنة مع التجربة الديمقراطية الكوردية نلاحظ بأن الكورد قد وضعوا
دستورا للإقليم و دشنوا مؤسسات وتم فصل السلطات وحددوا علاقة الإقليم
بالمركز ....وأيضا تطبيق مبدأ الاقتراع وانتشار الصناديق واحترام حقوق
المواطن والعمل على بناء الفرد وتأمين حاجاته
حتى قيل بأن شموس الشرق قد بزغت. ________
المصادر والمراجع :
1- تاريخ الامريكتين والتكوين السياسي للولايات المتحدة ، الرياض 1987.
2- موجز التاريخ الامريكي : توزيع وكالة الاعلام الامريكية .
3- عبدالرؤوف سنو : موجز تاريخ الولايات المتحدة الامريكية الحديث ، بيروت
1984.
4- عبدالمجيد نعنعي : تاريخ الولايات المتحدة الامريكية الحديث ، بيروت
1983.
5- سلامة موسى : كتاب الثورات ، ط2، بيروت 1963.
6- طليعة الصياح وراغب العلي : تاريخ الولايات المتحدة الامريكية ، دمشق
1995.