اعتاد نفر من الناس التسليم ببعض المقولات الدارجة منذ ( سقراط ) ، دون
إعمال الفكر ، من قبيل :
1ـ كل إنسان فان ( مقدمة كبرى ) .
2ـ سقراط إنسان ( مقدمة صغرى ) .
3ـ إذن سقراط فان ( نتيجة ) .
وعلى غرار ذلك ، بدأ الشوفينيون اليوم بنسج مقدمات كبرى وصغرى ، بغية
الوصول الى نتائج مشتهاة ، كقولهم :
1ـ الوطن العربي وطن العرب ( مقدمة كبرى ) .
2ـ سوريا جزء من الوطن العربي ( مقدمة صغرى ) .
3ـ إذن كل من يسكن سوريا هو عربي ( نتيجة ) .
لستُ هنا بصدد مناقشة هذه الخطاطة الأخيرة غير المستوفاة للشروط اللازمة ؛
لكن ، يتضح لكل ذي بصيرة مدى التناقض الذي يكتنفها من جهة ، ومدى جهل أرباب
هذا المنطق الغوغائي بالتاريخ أو مدى تجاهلهم له على الأرجح من جهة أخرى ،
لأن قولهم لايخلو من وهنٍ حين ينفون الوجود التاريخي للكرد أو يدعون بأنهم
أقلية مهاجرة .
ويتناسى هؤلاء ( المتعصبون منهم على وجه التحديد ) ، كيف رُسمت الحدود
السورية ( الشمالية خصوصاً ) ، وما هي المراحل التي مرت بها ، حتى أضحت على
ما هي عليه الآن ، بعد أن أقتطع جزء من كردستان وضم الى سوريا ، بمثل ما
جرى لمناطق من سورية تم ضمها لتركيا .
وأعتقد أنه قد آن الآوان ، كي يحتكم العقلاء من أخوتنا العرب الى منطق ذاك
البدوي ، الذي اعترف بالحقيقة كما هي قبل مماته ؛ فمن المعيب حقاً ، ونحن
في مستهل الألفية الثالثة ، التنكر لوجود الشعب الكردي في سوريا أو التهرب
من الإقرار بالتعددية الإثنية ، وهي أسطع من الشمس في وضح النهار . وهذا ما
أفصحنا عنه بكل شفافية ، وبعيداً عن الإستجداء ، للدكتورة نجاح العطار ،
نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية وبحضور البروفيسور أحمد البرقاوي ،
حين التقى بهما وفدنا الثقافي في قصر الضيافة بدمشق في 6 /7 /2006 م .
وفيما يلي ملخص حكاية البدوي :
تعرفتُ على أحد الأخوة المسيحيين في بيت أحد الأصدقاء ، ثم أنني كنتُ ألتقي
به كلما زرتُ هذا الصديق ، بحكم الجيرة التي كانت تربط بينهما ، وكنا
نتجاذب أطراف الحديث من حين لآخر ، إلا أنه فاجأني ذات يوم بأن له أخٍ مسلم
، مما دفعني الفضول لمعرفة كنه الحكاية ، حينئذٍ روى لنا الحكاية التالية
مفصلة :
كان من عادة الناس وضع الرُضع عند إحدى المربيات في الريف أو في البادية ،
وحين رُزقتْ أمي بطفلٍ وتعذر عليها تربيته ، أشار اليها أبي بضمه الى أسرة
عربية بدوية كي يترعرع ردحاً من الزمن في كنفها . وكانت المربية البدوية
مئناسة ، لكن شاءت الأقدار أن تنجب طفلاً في نفس العام ، فإعتبرت الأسرة
ذلك فاتحة خير ؛ لكن ما لبث أن توفي المولود الجديد ، ولم يتسنَ لأمه أن
تكحل برؤيته مقلتيها ، على حين بقي أخي على قيد الحياة ، إلا أن البدوي
أخبر أبي بالحقيقة معكوسة ، وانطلتْ عليه هذه الكذبة . كبُرَ أخي في كنف
الأسرة البدوية وتربى على خُلقِ الإسلام ، ثم تزوج وأنجب أطفالاً ؛ وقبل أن
يوافي الأجل ذاك البدوي ، أفصح عن السر على رأس الاشهاد وأبى أن يظل
مكتوماً ، وقال قولته الأخيرة قبل أن يحضره الموت : اللهم إشهد إني قد بلغت
.
أعود فأقول ، ما أحوجنا اليوم الى التمعن في منطق هذا البدوي ، والاتعاظ
بحكايته التي لا تخلو من الطرافة من جهة وذات الدلالة الموحية من جهة أخرى
.