الكورد والدونية
 

بير رستم

عفرين – نت 15.08.06

منذ أيام قلائل وجه لي الصديق عمر كوجري مقالاً له تحت عنوان "الحاصودي في مضارب الكوجر" وقد طلب مني أن أبدي برأي فيه، ولكن وبعد الإطلاع على المقال ومن خلال طرحه للسؤال التالي: "لماذا هذا الشعور العميق بالدونية عندنا ؟؟!!" – وقصده بـ"عندنا" يعني الشعب الكوردي نخباً وجماهيراً – وأيضاً توضيح تساؤله ذاك من خلال السرد الآتي: "فنحن نشعر أن كل وافد _ وأياً كان مصدره _ هو الصحيح ، وهو الجميل ، وكل ما لدينا متخلف وسيئ، ولا يستأهل اهتمامنا ورعايتنا ، وهو مدعاة للسخرية والاستهزاء والخجل أيضاً.  فهذه عقدة النقص التي نُتَّصف بها هي المسؤولة عن كل الكوارث التي تحيق بشعبنا من كل الجهات، لماذا جميع الشعوب تتباهى وتفتخر بماضيها وتراثها إلا نحن ؟؟!! من المسؤول عن هذه العقدة الذميمة التي تغتال ظلالنا وأحلامنا وآفاقنا ؟؟ أهي المؤسسة السياسية الكردية أو قطَّاع المثقفين والمتنورين من أبناء شعبنا بدعوى الانفتاح على الثقافات الأخرى ، وفتح النوافذ والأبواب أمام كل التيارات والأهواء؟؟ اعتقد جازماً أننا جميعاً بهذا القدر أو ذاك مسؤولون عن هذا الخراب الحاصل في ذائقتنا الكردية ، لاأحد منا يمارس دوره على أتم وجه ولهذا نواجه ما نواجهه ، وإذا ظلت الحال هكذا ربما تعرضنا لنكسات ونكبات أكثر من ذي قبل .فكل واحد يرمي الكرة في مرمى الآخر و.....يقول : يا ربي السترة !!!".
وهكذا.. ووصولاً إلى الخاتمة التي يطرح من خلالها الإجابة على سؤاله السابق ومن دون أن يقصد ذاك وذلك عندما يكتب: "لست متعصباً إلى الغناء بالكردية فقط ، ولامانع لدي من موضوعة تلاقح الثقافات والحضارات إذا كان الطرف الآخر ينظر إلى الموضوع بالمنظار الحضاري الذي أنظر من خلاله إلى الأشياء ، بمعنى آخر: هل فكر الأخوة العرب بتشجيع أبنائهم وبناتهم بتعلم الرقصات والأغاني الكردية في أفراحهم مثلما يوجِّهونهم نحو أغاني البوب والصرعات الأجنبية  ؟؟". نعم.. وبعد الإطلاع على المقال ووجهة نظره، ارتأينا أن يكون ردنا على طلبه وتساؤله ذاك بهذا المقال والذي نحاول من خلاله أن ندلي بدلونا في هذه المسألة.
إن الشعوب المستضعفة المقهورة والمغلوبة على أمرها، وكما قلناه سابقاً وفي أكثر من مقال وتحديداً في مقالنا المعنون "الشخصية الكوردية" ونتيجة لظروف القهر والاستبداد والتي مورست عليها ولفترات زمنية طويلة، تجعل من سلوكيتها؛ سلوكية هذه الشعوب المقهورة، ما يمكن تسميته بـ"سلوكية العبد"؛ وهو يحاول أن يقلد "سيده" في كل شيء وخاصة في جانب الصفات والخواص الظاهرانية؛ "من الظاهر" والتي يتعلق ويتمظهر بها في محاولة منه أن يجعل من هذه ستار تحميه وتحمي ضعفه وانكساره الداخلي؛ ولذلك فإنك تجده يحاول وبشتى السبل أن يكون النموذج البديل عن ذاك "السيد"، وهذه إن كانت صحيحة بالنسبة إلى الأفراد فإنها تصح بالنسبة للشعوب أيضاً، وهكذا فهو ينسى بأن ما هو ظهراني وظاهري انعكاس للجواني والداخلي، ولا يمكن ومن خلال تقليدنا وتمظهرنا بما هو خارجي أن نغير من طبيعة الأشياء بتلك المحاولة البائسة والهزيلة.
وهذه ليست من خاصية الشعب الكوردي لوحده، بل كل الشعوب والأعراق والطوائف والمذاهب وحتى الأيدلوجيات الضعيفة والتي تعرضت لحالات القهر والعنف، حاولت وفي فترات ضعفها أن تقلد "سيدها" وها هو الأخ عمر يذكر في مقاله بأن الأخوة العرب يوجهون أبنائهم "نحو أغاني البوب والصرعات الأجنبية" – مع إننا قد نختلف معه في مسألة التوجيه هذه – ولكن هذا يؤكد ما طرحناه آنفاً؛ فالحالة العربية ومقارنة مع ما توصلت إليها الحضارة والثقافة الغربية عموماً تجعل منها مركز استقطاب للشباب العربي بأن يقلدونها في كل شيء ومنها ما يتعلق بالرقص والغناء.
وختاماً نحن بدورنا نتساءل مع الكاتب: ما الحل؟ هل هو في سدنا لكل "النوافذ والأبواب أمام كل التيارات والأهواء؟؟" كما هو مطروح اليوم من قبل التيار السلفي بفروعه الثلاث؛ الإسلامي والقومي وأخيراً اليساري الشيوعي وخاصة المتشددون منهم. أم أن الحل يكمن في تقوية الذات الداخلية؟ ولن تقوم هذه – حسب رأينا – إلا من خلال تلاقح وتزاوج هذه الثقافات "وفتح النوافذ والأبواب أمام كل التيارات والأهواء" وأيضاً من خلال امتلاكنا لتلك المؤسسات التي توصل "نتاجنا" الثقافي الحضاري إلى الآخر وذلك بعد أن نكون قد قمنا بعملية جراحية عليها.
أي أنه لا يمكن لهذه "الثقافات البدائية" أن تنافس الآخر "الحضاري" إلا إذا امتلكت الحالة الأكاديمية والمؤسسات الحقيقية وهذه تحتاج إلى كيان سياسي تقوم برعاية وتطوير ثقافتها الشعبية وهذه غائبة عن الحالة الكوردية حالياً، وبالتالي ليس أمامنا إلا ثلاث؛ إما الانحلال والتلاشي داخل ثقافة الآخر كما حصل مع معظم ثقافات المنطقة وذلك عندما أذيبت وغيبت في الثقافة العربية ومن خلال الحالة الإسلامية، أو البقاء في "الحالة البدائية" هذه وبالتالي الجمود والضمور وهو أيضاً يؤدي إلى الفناء والموت، أو أن تتوفر الظروف والمناخات الداخلية والخارجية لقيام هكذا مؤسسات نطمح إليها وبالتالي تكون بداية العودة إبراز الذات والشخصية الوطنية ومن دون الشعور بالغبن والدونية.
أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]