مرايا اليقين الكردي

24

رنين مهاباد الصغيرة

 

ابراهيم محمود

عفرين - نت 05.08.06

لا أتحدث عن مهاباد وردةً تضخ ابتسامات لائقة بها، في حدائق ورد كردية متناثرة، وكأنها الاستثناء في لائحة الأسماء الكردية، رغم جودتها التاريخية والجغرافية معاً، مثلما لا أعيرها انتباهاً أشد خصوصية من غيرها، من خلال الاسم بالذات، فكل اسم مشروع قيد التحقيق ليوافق مسماه أو لا، كما هي العادة المألوفة في تاريخ العلاقة بين الاسم القادم من جهة الأبوين أو سواهما، وما يكون المسمَّى لاحقاً، ومدى حضور المعنى في رواق الاسم وعناقه.
أتحدث عن مهاباد الصغيرة، بصفتها، في جوانب كثيرة، كما هن اللواتي التقيت بهن، كما هن الصغيرات الكرديات: وثبة الحلم المتدفق في ذاكرة فيحاء ، في المدى الأوربي الواسع، وقد سميتهن تماماً، وها هي ذاكرتي تحتفظ بالماء النمير لوجوههن الوارفة البراءة، وأشدد عليها في ذاتها ، لأنها في حدود إقامتها، تصلح موضوعاً مستثاراً بمعان ٍ أخرى.
يصر أبوهاالعزيز كأخرين طبعاً: وليد المغترب بذاته، أو الهائم على وجهه في فلتة تاريخ ما، تخلصاً من تاريخاًما ولوذاً بتاريخ ما بدوره، على أن مهاباد:ه الصغيرة كحلم برنينها المترامي الأطراف، هي كل ما يملك، وهو لم يفصح عن هذا الحب الذكوري الأبوي الكردي مفارقة، للأنثى بمثل هذا( السفور)، إلا لأن هناك ما يبرر لـه حقيقةً ، كل هذا التعلق بأنثاه الصغيرة: ابنته الكردية، فتاته المستقبلية، كما هو مضيُّ قانون الأعمار، وهي في سنواتها الأولى التي تصافح التاريخ بوجهها ملء النجوم، وبيدها المروحة المعلّمة للنجوم تلك، في بقعة صعقة جغرافية تبتعد عن بيته الذي ولَد فيه آلاف الأميال المنغصّات.
أعرفه هذا الشاب قبل أوانه، والمسكون بعزيف هموم الكبار، وهو دونها عمراً، مذ كان يتدرج في مرابع أيام لا تستجيب لـه، مثلما لآلاف مؤلفة من أمثاله، سوى حساسية مضاعفة، منه، فيه، أقصت به بعيداً ليكون مدينة ( ميندن Mîndin) الألمانية التي خيمت كغيرها من شقيقاتها الألمانية على الكثيرين الكسيرين من أمثاله مجدداً، مأخوذين بأوجاع طفولية، بأحلام سعوا إلى الحقيقي المتواضع فيها، ليجد نفسه، بعد سنين نزيل المدينة الموسومة، وحوله جمع غفير من العجائر الألمانيات، وهو في اندفاعة شبابه المهيض الجناح، وإلى جانبه زوجته التي التقاها في بغتة من حضور قلب ما، ولتكون مهاباد الصغيرة لاحقاً: مواساته في بث لواعجه وتطمين لغته على أن كل شيء يمكن أن يكون على ما يرام، بعيداً عن عبث، لا يناسب الكردي، وهو في وضع غير مناسب: إن مقارنة وضع بسواه، أو معاينة حال بما هو عليه.
ألتقيه، وقد كان لتغيير الوجه وما يعلوه ويليه مدارات مؤثّرات دورة الفلك بالتعبير الكردي المتداول çerxa felekê، ملخَّماً بعض الشيء من عجز عن متابعة خفة الحلم المحمول من هناك هناك، حيث كانت صحوة ورفة خطوته الأولى، ثم أجدد اللقاء معه، بعد حين من مشاق واشتياق، وأنا مزاحمُ صبوات الصور، حيث سيارة المنعجن برغبات لم تأخذ حقها الطبيعي من التكوين، زهير، وفي إثره كان خيري الآخر الذي ودعناه، بقلب مفتوح على آخر حنين جلي المقام.
يأتيني وليد، والشمس الألمانية، قد ودعت أهلها من بنات الطبيعة الأرضية، وحمحمت وراء رداء بد ناري اللون، ليتسحيل عنبريَّه لاحقاً، ونحن في محطة ميندن.
ننطلق إلى بيته حيث جملة من العجائز الألمانية يحطن به داخل أقفاصهن الحجرية أوالبيتونية، آيلات إلى ذاكرات غاصات بأصدقاء وأحبة وعشاق وأهل متعددي الاستجابات لقرابة، تختلف إيقاعاً عن القرابة المستثارة فينا، في المكان المسوَّر المعلوم، تكون زوجته الكردية علامة، متقدمة بسخاء مكان مختوم بترددات لغة لا تخطئها أذناي، في محليتها التي عشتها حيث كنت طفلاً وصاعداً معارج العمر.
هدوء البيت، غزارة توضيبه، كما تتطلب أدبيات الأناقة والرشاقة حيث يصل الكردي، ويرتقي جماليات ذوق في عالم آخر، لا يخفي استعارته البيئية، إنما دون نسيان مسحة من الكردية الناطقة، وبدت مهاباد طفلة القلب والعنوان المأثورأعلاه، في قلب الصمت المهيوب، كما لو أنها ترفض هذا الهدوء: السكون، لتكون بلبلة محببة، وصياحات متعددة الإيقاعات، كما تعهدها فيها طفولتها من جهة، وكما تشترطها ولادتها الألمانية من جهة أخرى، بوجهها البشوش رغوةَ حليب يضج بياضاً، وضحكات لاحت حذرة بداية، ثم انبثقت في محيط المكان جلال طفولة، تستحق تعظيم سلام، وفي الأسفل ألمانيات يعبّرن، صراحة، عن انزعاجهن وقلقهن من هذا الصياح الطفولي، وهن في هباب عمرهن المضعضع، غير راغبات، في من يحاول أن يستشرفن بهن ما كان من عمر فالت سالت منهن ذات يوم، لأنهن ببساطة القول، يودن مواصلة المختار من ذكرياتهن ، إنما في صمت، بانتظار صمت أبدي قادم.
يستعجل وليد في ابنته، كل ما من شأنه في أن يخفف من غلواء المكان، يمطرها بقبلاته الأبوية، كلما قام ، وكلما حاول جلوساً، كلما خرج في حاجة، لا تأخذ منه وقتاً، ولكن حساب القلب الأبوي، وما في متن الحساب من اعتبارات وتقديرات أخرى، ما ليس يسمى، وكلما طرق الباب إعلاماً بالوصول، لتكون بانتظاره مجدداً، وهو يتحدث عن هيام يكاد يتجاوز حده المقبول، لكنه يعلّل كل هذا الحنين ، وهي في حضنه، أو وهو يحملها على كتفه أحياناً، أن في ذلك تخفيفاً من وحشة المكان، وهي تستجيب لكل مداعبة أبوية، بحركة لتكون أمضى في بهاء طفولتها النامية.
نخرج معاً لمعاينة سوق السبت أو الأحد، تكون معنا مهاباد( ألتشهد مقدمةً، ما ستكون عليه الأيام لاحقاً، أم لأن ليس من أبيها بديلاً ليريها الخارج وحركة الخارج، لتستشعر الحياة المتجاوزة لنطاق البيت الصغير؟). ألسن روافد في نهر يكبر ويتسع، سلع متعددة متفاوتة القدِم، لألوان من البشر، مثلما هي ألوان من السلع، صور وإيقونات، ولوحات، وأزياء استهلكت بريقها ونضارة جديدها، وما كان موعوداً منها ذات يوم، وأدوات طبخ ربما تعد عدتها لأيد أخرى، بعد وصل مديد من القرقعة والفرقعة في أمكنة مختلفة مقامات ٍ، أو لتركن في زاوية، أو مرأى للعين وتأملاتها واستدعاءاتها الدلالية اللصيقة بها فقط، وجوه بشر لا يُعرَف عنها أي شيء، إذ كل منهم يتواصل مع ما يحمله، أو مع المكان وطقوس البيع والشراء، وبوضعيات مختلفة، وأسعار خارج نظامها، تكون نباهة المتسوق أو الفضولي، أو الداخل في حمى البازار هي المقررة لقيمة هذا المعروض أو ذاك. إنها فخاخ كثيرة، وحده الغريب يكون طريدتها الكبرى!
لا أنمذج حب وليد لا لابنته ولا في استظهار هذا الحب، ليكون درساً لسواه، أو ليكون مادة للقراءة لاحقاً، حول مغترب يقاوم برودة المكان النائي رغم لفحه بكل هذا الجيَّشان من العواطف، هذا التركيز من أبوة لافتة، بقدر ما أشخص حالة لها وقعها في مقام غربات الكردي، وكيف يتصور الكردي نفسه، وهو يعيش انسانيته وكرديته ضمناً، ويلاحق تدفق الثواني والدقائق والأيام في تيار عمر ولده أو ابنته، ويتخيل فضاء الغد، إيقاع خطوات أي منهما، رائحة ذاكرة المكان التي يتوسدها آناء الليل وأطراف النهار، ومنها ينطلق,وإليها يعود، وفي كل سانحة يتفجر صمت ما، يحرس صخب ذكرى تأرشفت ذات يوم، وما يكونه هو ، وكيف سيكون ، وهو يتأمل وجوه كرده الصغار، هؤلاء الذين يكبرون بمقاسات مختلفة، ويتهجون لغات بتواتر مختلف، ويعيشون تجلي الأيام بتصورات مختلفة، وليس لهذا الأب، كحال وليد، سوى المتابعة والترقب، وبروز المسافة الفراغ في المنظور، حيث كل منهما مستقطَب إلى عالم يزداد اختلافاً وربما خلافاً، وها هي مهاباد، الاسم المكابر، والرنين المبثوث في المكان، بالقدر الذي يعزز في وليد الأب أبوَّته، ويضفي على كرديته رونقاً من عاطفة متوارثة، وببعض تخصص معلوم بالتأكيد، تكون معبراً لعالم آخر، برزخاً لتصورات وتقديرات واعتبارات تتجاوز، كل توقع للعزيز وليد بدوره، وهو يتلمس في مهاباد:ه الصغيرة أكثر من ولادة طفل أو طفلة، أكثر من صوت كردي، ربما هو بعض ممتد من حلم أو فيه، وبعض من رغبات أخرى، أو مخاوف كذلك، يدركها هو ، وربما هو أسى وتساؤل حال مكانيان، كل كردي يعيشهما على طريقته، ووليد هو الآخر، في صحبة مهاباد:ه، وأم مهاباد:ه، فيه أكثر ما يكتفي بالتلميح.

 

أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]