حوار شامل مع المفكر والسياسي الكردي صلاح بدرالدين
حاوره: فدان آدم و بسام مصطفى
عفرين – نت 05.08.06
قبل فترة أجرينا حوارا سياسيا مع المفكر القومي الديموقراطي صلاح
بدرالدين تركز حول – جبهة الخلاص الوطني في سورية – وموقفه من بعض
الاجتماعات والنشاطات التي تمت في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا
بخصوص كرد سورية والمعارضة الوطنية السورية وقد استحوذ ذلك الحوار الذي نشر
بالعربية والكردية على اهتمام الرأي العام الكردي والعربي في سورية ونشرته
وسائل الاعلام الكردستانية , والآن نعود اليه مجددا بمناسبة قرب حلول
الذكرى الثانية والأربعين لانعقاد كونفرانس الخامس من آب 1965 الذي شكل
منطلقا لعملية تجديد عميق في الفكر السياسي الكردي ودشن نهجا نضاليا
متكاملا ومتطورا في الحركة القومية الكردية وكان محاورنا من الذين لعبوا
الدور الأساسي في عقده وانجاحه وتحقيق أهدافه ولم يكن ممكنا أن نكتفي فقط
بأحداثيات الكونفرانس بل تجاوزها الحوار ليشمل قضايا فكرية وفلسفية وسياسية
وثقافية ومستقبلية لها علاقة مباشرة بموضوع الحوار والتي لم يجري التطرق
اليها الا نادرا وكان ومازال البعض من تلك القضايا في انتظار من يتصدى لها
بصراحة ووضوح ومن المؤكد أن الجيل الشاب الذي لم يعاصر لا سنوات التأسيس
ولا أيام التحول التاريخي في آب 1965 سيكون أول من سيتابع هذا الحوار
النوعي العميق مع أهم صانعي الفكر السياسي الكردي السوري المعاصر وأحد
واضعي الاستراتيجية القومية والوطنية لنضال جيله والجيل الثاني الذي يعايش
الآن مسيرة الحركة السياسية الكردية .
منذ عام 1965 وتحديدا بعد عام 1970 يدور الجدل بين الأحزاب والمجموعات حول
من يرث – الحزب الديموقراطي الكردستاني – سورية – وتندلع معارك لفظية حول
الشرعية فهل تدلنا على حقيقة المسألة ؟
- الشرعية لاتمنح انتقائيا او اعتباطا فلها اسسها ومبادئها ومكوناتها
ووظائفها ولها مقاييسها وشروطها , ولها تعريفها الخاص على مختلف الصعد,
رسميا وعلى مستويات الدول والحكومات تعرف بكونها تنبثق من مبادىء الدستور
واجماع الشعب عبر البرلمان وتتطابق مع القوانين المعمولة بها ولا تتعارض مع
أحكام القضاء وهي شرعية قانونية أما على صعيد حركات التحرر والأحزاب
السياسية ومنظمات المجتمع المدني فلها مقاييس أخرى أولها الالتزام
بالمبادىء والأهداف المنصوصة عليها في البرامج واللوائح المقررة من الهيئات
المنتخبة وكذلك النهج السياسي العام المقرر والهيئات التنظيمية حسب النظم
الداخلية المعمولة بها بفعل مقررات المؤتمرات والاجتماعات الموسعة ولاشك أن
الالتزام الكامل بالمبادىء والستراتيجيات الموضوعة والعمل المتفاني من أجل
تطبيقها على الصعيد العملي تمنحان الشرعية النضالية في ظروف العمل السياسي
السلمي تحت ظل الأنظمة السائدة دكتاتورية كانت أم ديموقراطية أما في ظروف
الانتقال الى مراحل جديدة ومواجهة القضايا المصيرية واحتمال حدوث تحولات
جذرية على صعيد التغيير الديموقراطي ونيل الاستحقاقات الاستراتيجية – مثل
الحالة السورية الراهنة - فان الوقوف الى جانب الشعب والجماهير ورفع راية
الكفاح حسب مصالح وارادة الأغلبية الشعبية يمنح الشرعية الثورية وفي حالات
أخرى عندما يحدث الخلاف والصدام بين طرفين أو أكثر منظمات أو مجموعات أو
أفراد حول مواقع شرعية القيادة والمرجعية والحكم فالحل هو العودة الى حقائق
التاريخ القديم والحديث وسجل الأطراف ومواقفها السابقة والآنية وما حققتها
عمليا ونظريا وأدوارها في تلك القضايا ومدى أهليتها وانسجامها مع التطورات
الراهنة وفي ظل هذه المقاييس تمنح الشرعية التاريخية , في وضع حركتنا
المشخص فانها أحوج ما تكون اليوم الى أضلع الشرعية الثلاث : التاريخية
والثورية والشعبية ومن الممكن البحث عنها واجراء المقارنات والمقاربات
وتحديد الأقرب والأصلح اعتمادا على الأسس والمواصفات والشروط أعلاه وهي على
أي حال لاتتوفر في تنظيم معين في الوقت الراهن قد يكون هناك – احزاب
ومجموعات وأشخاص – أقرب من غيره الى المواصفات الشرعية مثل مجموعات
كونفرانس آب ولكن الى جانب ذلك هناك شروط ناقصة لاستكمالها لابد من توفرها
أما الذين يستنجدون بين الحين والآخر بالشرعية لتبرير سلوكهم في خوض تجارب
مع جماعات واضفاء الصدقية لانتماءاتهم التنظيمية فنصيحتي لهم أن يكفوا عن
الهروب الى الوراء للتغني بأمجاد واهية تغطية لعجز في مواجهة الواقع
والتصدي لمهامه ثم أن من يرغب في الانخراط بالعمل الجاد سياسيا وثقافيا في
سبيل قضية الشعب لايحتاج الى صكوك الشرعية من أحد .
أنتم من أوائل من اكتشفتم نهج البارزاني الخالد كاطار فكري – سياسي - نضالي
بعيدا عن العاطفة المجردة وعملتم من أجل اجراء تعديلات جوهرية على طريقة
الاحتفاء بذكراه في مزار الخالدين ببارزان وانفردتم من بين المفكرين
والمثقفين القوميين الكرد باطلاق مصطلح – البارزانيزم – وطالبتم بصياغته من
جديد وقد أدى ذلك الى ظهور عداوات جديدة لشخصكم وتوجيه النقد لكم من جهات
شتى بعضها مقرون بنوع من التشكيك بسبب مواقفكم الناقدة في مراحل معينة
لسياسات الحزب الذي كان يرأسه البارزاني فهل لكم شرح هذا الموضوع ؟
- يجب الفصل بداية بين نهج البارزاني أو البارزانيزم وبين الحزب .فقد تاسس
النهج وتراكمت مكوناته منذ حركة الشيخ عبد السلام اي قبل نحو نصف قرن من
ظهور الحزب وكان هناك من التزم بالنهج ولم ينتسب الى الحزب , مقتضيات
الحالة الكردية ومتطلبات تنظيم العمل دفعتا البارزاني لترؤس الحزب وكان في
الوقت ذاته في صراع دائم مع آيديولوجية قياداته وطريقة تعاملها مع الناس
ورؤيتها للمسألة القومية .
كان يمكن ان تكون متوافقا مع توجهات البارزاني القومية والوطنية من الناحية
الاستراتيجية ومتفاهما معه حول معظم مواقفه السياسية وتعاملاته مع القضايا
الساخنة في زمانه ومختلفا في ذات الوقت مع قيادة حزبه في العديد من القضايا
المنهجية والسياسية والعملية خاصة عندما كان يتعلق الأمر بالموقف
الكردستاني والعلاقات القومية والاقليمية وقد حصل ذلك مرارا مع حلفائهم با
الحركة الكردستانية ومنهم حزبنا حيث أتذكر ذلك عندما كنت في موقع القرار
بخصوص طبيعة العلاقات الثنائية والقومية والموقف السياسي حول المسائل
الاقليمية والعالمية وقد خلق ذلك اشكالية حقيقية في الكثير من الأحايين
تسبب بها أصحاب رأي عدم الفصل بين النهج والحزب خاصة من بعض القيادات
الحزبية الذين قلبوا ظهر المجن للرمز والنهج قبل الآخرين وانقلبوا على
الحزب أيضا وفسر البعض تعسفا اختلافاتنا مع أشقائنا في قيادة الحزب خلافا
الى درجة العداء مع النهج وهذا بعيد عن الحقيقة .
البارزانيزم نهج وسلوك وادارة وعقيدة نضالية اسس لشكل ومضمون العمل القومي
الكردي – الكردايتي – قام وهو يحمل بذور ديمومته , أما الحزب فهو اطار
تنظيمي يجمع طبقات او فئات في مراحل معينة يمكن ان يزول او ينحل بقرار
مؤتمر ما حسب النظام الداخلي أما النهج فيستمر في العقل والوجدان وينتقل من
جيل الى آخر , يمكن تغيير اسم وبرنامج الحزب وهذا لاينطبق على النهج , لذلك
لابد من الفصل بينهما .
في سياق التدرج الموضوعي لتطور حالتي الخاصة مع البارزانيزم – وقد يجوز مر
بها غيري من أبناء جيلي – وببساطة كان وعيي الانساني في جنينيته وبحكم
عوامل تربية الأسرة المتشربة بالمبادىء الوطنية وتأثير البيئة الاجتماعية
مسكونا باسطورة البارزاني وتدرج ذلك الى موقع أكثر وضوحا عندما تحول
الاعجاب الى حقيقة قومية نموذجية يقتدى بها كقائد شجاع وسياسي بارع ومرجعية
أمينة في مجالات البحث عن الحقيقة الكردية واعادة تعريف الكرد وقراءة الفكر
القومي من جديد والبحث عن افضل الطرق لبناء علاقات التفاهم مع العرب وسائر
شعوب المنطقة وحل القضية الكردية سلميا غلى قاعدة التعايش العربي الكردي ثم
تحقق الحلم وتم اللقاء المنتظر مع البارزاني عام 1967 بكل ما حمل من رهبة
ودشن نقطة تحول في حياتي السياسية نحو مرحلة جديدة في ملامسة الحقائق من
عين المكان ومواكبتها الى يومنا هذا في فترة زمنية تناهز الأربعين عاما
التي لم تمض في خط مستقيم بل شهدت محطات وتعرجات شبيهة بالحالة الكردية
العامة , من جهة أخرى نعم قمت بما أملاه علي واجبي تجاه هذا الرمز القومي
ووجهة نظري واضحة ومنشورة وموثقة بهذا الخصوص ومنها ما كانت متعارضة في بعض
المراحل مع بعض مواقفه وكان يستمع اليها ويتقبلها وسأبذل ما بوسعي لتحقيق
ما أصبو اليه في هذا المجال حاضرا ومستقبلا حسب قناعاتي المبدئية .
لايطيب للبعض استعمال مصطلح البارزانيزم ليس لأسباب وجيهة علمية أولغوية بل
لأنني السباق في طرحه ويعوض عنه بالبارزانية ويفوت هذا البعض أنني أعود الى
الأصل الكردي - اللاتيني تماما كما يعود جل المثقفين الى الأصل الكردي
لمصطلح الكردايتي أو الأصل اللاتيني لتعبيرات تعود الى آثار ومدارس فكرية
وفلسفية لعظماء التاريخ البشري أما ذلك البعض فيعود الى المصطلح اللغوي
العربي والمعنى واحد على أي حال وكما هو واضح فانني أعتز بأنني كنت السباق
أيضا فكريا وسياسيا في استعمال مقولات ومصطلحات علمية تواكب وتناسب درجة
الوعي والواقع الموضوعي وأصبحت سائدة ومقبولة بمرور الزمن مثل " الشعب
الكردي في سورية "وتقريرالمصير الكردي " وغرب كردستان "والجبهة الكردية
الوطنية الموحدة "والتحالف بين الحركتين التحرريتين الكردية والعربية "
والشراكة الكردية العربية " وحل المسالة الكردية في اطار الحل الوطني
الديموقراطي العام في سورية " والحركة القومية الكردية السياسية جزء من
المعارضة الوطنية السورية على طريق التغيير " فهل سيعمد هذا البعض القليل
الى – الممانعة – في استعمال تلك المقولات والمصطلحات والشعارات ؟ لا أتمنى
ذلك .
من جهة أخرى يجب القول أن البعض القليل من السياسيين والمثقفين الكرد
السوريين اعترضوا وبشدة أحيانا الى درجة التشكيك والتهكم على ما كنت
أستخلصه من شعارات ومقولات مستجدة في ظروفها المحددة وما كنت أعتمده من
خيارات ومواقف سياسية وميدانية في أوقاتها المناسبة منذ أكثر من ثلاثة عقود
وحتى الآن حول مختلف القضايا المتعلقة بالشأنين القومي والوطني ثم كنت
أتابع قسما من هذا البعض يراجع نفسه ويعود الى سواء السبيل دون ضجيج أو نقد
ذاتي أو أية اشارة الى دوري الابداعي في ذلك – كحالة العالم الثالث – وقسما
أراهم بين الحين والآخر ينتهز الفرص زاحفا على البطن يقدم آيات الطاعة
والندامة في حضرة حراس وتلامذة – البارزانيزم – لقاء أهداف خاصة جدا دون أن
تصل به الشجاعة الى مكاشفة الناس خارج الغرف المغلقة وممارسة النقد الذاتي
واعلان العودة الى جادة الصواب بالرغم من كل هذه الالتواءات – واللوفات – (
حسب تعبير العراقيين ) فانني أشعر بالسعادة الحقيقية عندما يتراجع من كان
مخطئا وأشعر بلذة الانتصار أمام كل حالة حتى لو تعلقت بأسوأ المخلوقات .
مصطلح آخر كنتم السباقون في اكتشافه واعلانه له علاقة بنهج البارزاني
وكردستان العراق وأقصد : نمر ميزوبوتاميا – الذي اطلقتموه في كلمتكم في
الكونفرانس الخامس لرابطة كاوا هل لكم شرح ذلك ؟
نعم وببساطة شديدة بسبب تأخر معالجة المسألة الكردية وخاصة في كردستان
العراق وتراكم تلك التجربة التاريخية الثمينة ووجود نهج البارزاني وما اتسم
به من صدقية وتسامح وديموقراطية في التعامل مع شعوب وقوميات واديان ومذاهب
الوطن العراقي وتمسك بالثوابت القومية والوطنية ومرونة سياسية واعتدال في
اتخاذ المواقف السياسية والوقوف بقوة في تحقيق التغيير في العراق والمشاركة
الفعالة في العملية السياسية من اجل العراق التعددي الفدرالي الديموقراطي
نقول لجميع هذه الاسباب ولوجود القيادة الفاعلة المنسجمة مع تطورات الوضعين
العالمي والمحلي على رأس رئاسة الاقليم والحكومة تشهد الآن كردستان العراق
نمو تجربة ديموقراطية سياسية – اقتصادية فريدة في المنطقة تعتمد نهج التطور
السلمي والنهوض الاقتصادي والاستثمارات والسوق الحرة بموجب أكثر قانون
استثماري وضوحا ودقة وشفافية في الشرق الأوسط ( القانون رقم 4 لهذا العام )
وفي ظل ديموقراطية سياسية تعددية حقيقية واستقرار أمني وسيادة القانون
وبرلمان منتخب وحكومة موحدة , واذا كانت بلدان جنوب شرق آسيا قد أصبحت
عملاقة اقتصاديا واشتهرت ونالت عن جدارة لقب – نمور آسيا – فقد أطلقت تسمية
– نمر ميزوبوتاميا – على تجربة كردستان العراق آملا بروز نمور أخرى في هذه
المنطقة .
ماذا عن كونفرانس الخامس من آب 1965 وكيف تقيمون اليوم ذلك الحدث ؟
شكل كونفرانس آب منعطفا حادا في خط سير الحركة القومية الكردية ورسم آفاقا
استراتيجية جديدة أمام النضال الوطني الكردي بكل ما حملت من اعادة تعريف
لمسألة العلاقات الكردية العربية والمضي في بنائها للمرة الأولى بشكلها
السياسي المدروس وكذلك الحال للقضية القومية الكردية في اطار القضية
الوطنية الديموقراطية وشعارات وبرنامج تتعلق بطبيعة المرحلة وضرورات عقد
وبناء الجبهة الموحدة بين سائر الطبقات والفئات الوطنية المجتمعة حول
برنامج مشترك وخطط ووسائل عمل كانت باكورتها رعاية تشكيل الوفد الوطني
الكردي في منتصف ستينات القرن المنصرم من ممثلي مختلف التكوينات الاجتماعية
في الجزيرة كتعبير عن رؤيتنا لطبيعة المرحلة ووجوب مشاركة االطبقات والفئات
الوطنية كافة في القضيتين القومية والوطنية والتوجه الى العاصمة لمقابلة
رئيس الحكومة السورية , والمواجهة الشعبية الفلاحية لأجهزة السلطة لدحر
مخطط الحزام العربي واستنهاض الجماهير بطرق مبتكرة للمرة الأولى عبر توزيع
مناشير تتضمن شعارات سياسية ومطلبية تخص حقوق الكرد وقضايا الشعب السوري
عامة في جميع مدن وبلدات الجزيرة في وقت واحد كما دشن في الوقت ذاته
اصطفافات حديثة مليئة بالحيوية والنشاط شملت كل طبقات وفئات المجتمع الكردي
في مختلف مناطقها وزجها في الشأنين القومي والوطني .
انعطافة آب كانت بمثابة استكمال شروط التأسيس كخطوة مؤجلة بعد انقضاء
ثمانية أعوام عليه لم تشهد الاستقرار الفكري والسياسي بل أرهقت الأعضاء
والأنصار وأبعدت القيادات عن بعضها وسعرت الخلافات الشخصية والاختلافات في
الرؤا كما كانت عملا حاسما باتجاه فرز الصالح من الطالح وانقاذ الجوهر من
القشورالعالقة البالية واعادة الروح الى جسد الحركة بعد أن انتابها الخمول
وجمدها الانقسام والتشرذم , وخطوة ثابتة للخروج من دائرة الأحلام ومغادرة
اطار العاطفة المجردة والمشاعر القومية اللاهبة التي كانت تتأجج خلال القاء
القصائد الحماسية القريبة من أجواء الحلقات الصوفية باتجاه مواجهة الوقائع
وتقييم الأمور بموضوعية وعلمية ودراسة كل الاحتمالات وكانت أغلبيتها قاسية
وصعبة تتطلب المزيد من الصبر والتضحيات حتى الوصول الى الهدف المنشود في حل
القضية القومية الكردية في اطار الحل الوطني الديموقراطي العام في البلاد و
نادرا ما تجتمع الأسباب الموضوعية والذاتية الداخلية والخارجية التاريخية
والآنية الفكرية والسياسية العملية والتنظيمية حيال حدث بعينه كما تراكمت
وتكاملت في عملية التحول بكونفرانس آب مضافا اليها جميعا ذلك الحماس
المنقطع النظير والجهد التطوعي الخارق والعمل الدؤوب الجماعي من جانب ذلك
الفريق المتنوع اجتماعيا الأميل الى الفئات المسحوقة والمتنورة في آن واحد
والمتمتع بالأصالة التاريخية في مجال العمل القومي وسمعة وطنية طيبة
والمميز في استشراف المستقبل والشعور بالمسؤولية والمضحية في سبيل مبادئها
المشتركة الذي أشرف على انجاح العملية وانقاذ الحركة .
قضايا الخلاف التي تناولها وكشف عنها وحسمها الكونفرانس لم تكن مع نهج
اليمين الكردي فحسب بل كانت في جوهرها مع مواقف وسياسات وممارسات سلطة
النظام الحاكم وذلك : النظام لايعترف بوجود الكرد ونحن قلنا بأن الكرد شعب
يتمتع بكافة العلائم القومية ويعيش على أرض الآباء والأجداد .
النظام وكحد أقصى يقبل على مضض أن تكون قضية الكرد في حدود مطالب ثقافية
ونحن قلنا أن القضية قومية وسياسية بامتياز وتحتاج في الوقت ذاته الى حل
وطني ديموقراطي سوري .
النظام يعمل من أجل عزل الحركة السياسية الكردية عن حركة المعارضة
الديموقراطية وترويضها عبر الوكلاء ونحن قلنا أن الحركة القومية الكردية
جزء لا يتجزأ من الحركة الوطنية السورية وفي الصفوف الأولى للمعارضة .
النظام كان يواجه أي بصيص أمل نهضوي كردستاني في الجوار بأجزاء كردستان
الأخرى ويعمل من أجل تطويع أي طرف لصالح أجندته في المنطقة وصراعاته
الاقليمية وكان يبحث في سبيل تحقيق مخططاته عن أدوات كردية سورية ونحن
خرجنا عن – النص – وخرقنا المعمول به واتخذنا الموقف الكردستاني المناسب
بمعزل عن املاءات النظام وتعاملنا ونسقنا مع القائد الشرعي التاريخي لثورة
ايلول في كردستان العراق .
أولا يكفي كل ذلك لاستحضار عفاريت السلطة الشوفينية ؟
وهكذا كانت ومازالت معركتنا الرئيسية مع قوى السلطة وأجهزة النظام التي
تستقوي بالدولة ومالها من مال ونفوذ وسجون وأدوات قمع وخبراء وتستخدم كما
هو معروف مجموعات وأفراد على مستويات مختلفة من الوسط الكردي بالذات كلما
احتاجت الى ذلك وقد يلاحظ بين وقت وآخر مدى قسوة الانتقام الصادر من أوساط
السلطة في مواجهاتها مع التعبير الحزبي التنظيمي والسياسي لنهج آب منذ أكثر
من ثلاثة عقود وحتى الآن كوجه من أوجه الصراع بين مشروعين متناقضين وكتعبير
ساطع ليس عن معاداة نهج آب بما يحمل من مفاهيم ومبادىء وأهداف وبرنامج حل
واضح فحسب بل عن رفض الوجود الكردي وتجاهل قضيته القومية وعدم الاعتراف
بالشعب الكردي وهما أمران لم تميز السلطة بينهما في يوم من الأيام .
أين أصبح حزبكم السابق حزب آب وماذا عن فكرة اعادة التأسيس بعد أن تحول الى
مجموعات ؟
منذ بداية التحول عشنا مرحلة صعبة من المواجهة مع سلطة المنظومة الأمنية
الحاكمة التي بدأت تحاول توسيع نفوذها الاقليمي لتشمل الورقة الكردية ايضا
والتي وضعت استراتيجية وتكتيك جديدين في ظل موازين غير متكافئة ومختلة بدأت
منذ ثمانينات القرن المنصرم والتي يمكن ان نطلق عليها مرحلة – ابوجاسم –
نسبة الى اللواء في شعبة المخابرات العسكرية- محمد منصورة -الذي استمد
صلاحياته المطلقة في تفتيت واعادة بناء المنظمات الكردية من رئاسة
الجمهورية حيث نصبته مسؤولا اول عن الملف الكردي في سورية والجوار والمعروف
باسلوبه – المرن – شكلا وممارساته الحقيقية المؤذية على أرض الواقع وتغلغله
الواسع في بعض الأوساط الكردية بعكس الأساليب البوليسية في ارهاب الناس
علنا والقاسية المتبعةسابقا في عهود المكتب الثاني والأمن السياسي وادارات
يوسف طحطوح وقضى – ابو جاسم - جل سنوات خدمته في القامشلي ولم يغادر الا
على أشلاء الحركة السياسية الكردية التاريخية وتحويلها الى شراذم منقسمة
ومتحاربة ومتصارعة وعداوات شخصية لاحدود لها تكاد تسود واقع العلاقات بين
المعنيين بشؤون وشجون الحركة الكردية .
كانت المهمة الأولى لأجهزة أمن السلطة معالجة مسألة حزب آب على طريقتها
وحسب مصالحها ( البارتي الديموقراطي الكردي اليساري ثم حزب الاتحاد الشعبي
الكردي بعد تغيير الاسم في المؤتمر الخامس عام 1975 ) واستثمرت في تنفيذ
مخططها أطرافا كردية سورية وغير سورية وحسب معلومات ودلائل موثقة فقد كان
الشغل الشاغل لقادة الأمن والادارات في المناطق الكردية ازالة نهج آب
تنظيميا وسياسيا وفكريا التي تطلبت تحضيرا وتخطيطا وتمويلا واعتقالات
وتجريد من الجنسية والحقوق المدنية في العديد من الحالات وكانت حالتي واحدة
منها وشراء الذمم واطلاق الوعود للبعض بتحسين اوضاعهم الشخصية لقاء التجاوب
مع المخطط المرسوم بما في ذلك توظيف البعض في مؤسسات معروفة مع تشديد وسائل
التخويف وسد ابواب التوظيف والعمل امام الآلاف , لقد أدركت أوساط النظام أن
نهج آب بشعبيته وجماهيريته سيكون عدوا مزعجا ومهددا يحسب له الحساب ليس لأن
أصحاب النهج مارسوا العنف أو حملوا السلاح أو تعاونوا مع أعداء الوطن أو
طالبوا بالانفصال بل لأنهم عبروا بصدق وواقعية عن ضمائر وأمال وآلام وأهداف
الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكردي ومدوا يد التعاون والتحالف
والتلاحم الى الحركة الديموقراطية السورية والحركة التحررية العربية خارج
سورية وخاصة حركة المقاومة الفلسطينية وهذا كله يتعارض مع طبيعة النظام
الدكتاتوري الشوفيني بل يهدد بتطويقه وتعريته عبر حشد أصدقاء وحلفاء في
الداخل السوري والعمق العربي وحتى في العواصم الأوروبية لذلك أقدم على
تنفيذ مخططه بقر ار سياسي مدروس وكان له ذلك , بأسف بالغ تحول حزب آب ورافع
لوائه وحامل تراثه الفكري والنضالي الى مجموعات بعضها من نتاج ارهاصات
الاحتقان المفتعل وثقافة التخوين والذي يحتاج الى اعادة تأهيل حتى يعود الى
سواء السبيل , حتى الآن مازلت من دعاة عودة هذه المجموعات الى جذور آب بعد
ازالة آثار ما تم زرعه في مرحلة – أبو جاسم - واعادة التاسيس التنظيمي من
جديد مع التأكيد على ان الامور لاتبقى جامدة على الساحة وأن الهبة الكردية
السورية في آذار 2004 قد خلقت واقعا جديدا وأفرزت وماتزال مشاريع قوى جديدة
من الجيل الشاب وقطاع المرأة يجب أن نحسب حسابها في الترتيبات القادمة وفي
مجال تقييم الخارطة السياسية المستقبلية للحركة القومية الكردية في سورية .
ماذا عن رفاقك القدامى وخاصة الذين اختلفت معهم ؟
مازلت أتذكر الأغلبية الساحقة من رفاقي بكل خير واحترام ولن أنس الأيام
والسنوات التي قضيناها سوية في السراء والضراء وهناك من أحمل تجاهم
الاحترام الكبير لتفانيهم وتضحياتهم وفكرهم الناضج ولم أنقطع من رفاقي
بوسائل عديدة من اللقاءات الى الاتصالات انتهاء بتبادل الآراء والمواقف عبر
الاعلام وخاصة التلفزة والانترنيت من جهة أخرى لا أحمل الحقد والضغينة تجاه
أحد كنت هكذا منذ البداية وسأبقى كذلك حتى النهاية وهذا المبدأ لايلغي
حقيقة أنني ومن تجربتي الطويلة فوجئت أحيانا – بخيانة – الآخر واكتشفت
الكثير المفجع والمحزن عن من خلتهم رفاق درب وتوسمت فيهم الخير وهذا لا
يمنعني قطعا من الدعوة الشجاعة والصادقة من جانبي الى المصالحة والتسامح
واتفاق حول المبادىء واحياء مبادىء آب وتطويرها وممارسة النقد الذاتي
والاعتراف بالخطأ من جانب من يرغب في المراجعة والعودة الى الأصول
ولااستبعد تساقط البعض وظهور جديد من خارج اطر مجموعات آب المعروفة افرادا
ومجموعات .
هل أنت عائد ؟
أنا لم أغادر الساحة الفكرية والثقافية والسياسية بجانبيها القومي والوطني
حتى أعود واذا كان المقصود العودة الى الحزب فأقول لا لقد غادرت العمل
الحزبي ولا عودة عن قراري وهذا لايعني أنني لااجيز العمل الحزبي كوسيلة بل
أؤمن أن الكرد أحوج ما يكونوا اليوم الى العمل التنظيمي والمؤسساتي
والقيادة الجماعية في مختلف مناحي الحياة .
كيف تقرأ اصطفافات الحركة السياسية الكردية راهنا وما هو طريق معالجة
الأزمة ؟
أرى الوضع كما هو على الأرض : أزمة مستشرية متعددة الجوانب تشمل الهوية
السياسية والقومية والوطنية والموقع والدور والرؤيا والمهام والبرامج ,
ذاتيا : عجز على الصعيدين -البر نامجي الهيكلي التنظيمي - والقيادي وذهول
وتردد أمام احتمالات المستقبل الوطني على صعيد التغيير والفشل في ايجاد
الموقع المناسب للكرد وقضيتهم , الجميع وبدون استثناء يعانون من هذه الأزمة
يسارا ويمينا وكلنا مسؤولون بهذا القدر أو ذاك عن ايجاد مخرج لأزمتنا
القومية والوطنية , من جانب آخر اذا كان اليمين الكردي التقليدي بكل
مجموعاته سيدفع ثمن اصراره المستمر على اقتراف الخطأ قبل غيره خاصة وأنه
بعد عزلته التامة عن الجماهير الكردية يراهن بوجوده ومصيره على أمرين ألأمر
الأول بقاء النظام الذي رعاه وأحياه وأنقذه مرارا منذ عقود وتحديدا منذ عام
1965 – وهذا نوع من رد الجميل ووفاء للعهود - واذا كانت هذه الحقيقة غائبة
أو مغيبة عن البعض فمردها ممارسة التضليل السياسي والالتواء وحجب الحقيقة
عن الشعب واخراج مهازل العلاقات الهامشية مع بعض – مومياء – السلطة على
أنها فتوحات وانجازات والأمر الثاني اتكاؤه على مجموعات وتيارات من
المعارضة ! الوطنية العربية في دمشق وهي بطيبعتها معارضة اما مدجنة أو
مأذونة وذلك في مجال اطروحاته السياسية حول تفسير الحقوق الكردية فيلاقي
القبول والمدح والثناء وشهادة حسن سلوك وطني على أن اليمين معتدل وواقعي وو
!؟ باعتقادي لم تغلق الأبواب نهائيا في عملية المراجعة واعادة الحراك في
الاتجاه الايجابي خاصة بعد الموافقة على ضرورة قيام المرجعية القومية
الكردية عبر الحوار والتفاهم والتوافق العام حول تعزيز دور التنظيمات
الحزبية في العمل القومي والتغيير الديموقراطي على المستوى الوطني , أما
اليسار والمجموعات الأخرى التي أفرزتها الهبة الكردية في ربيع العام 2004
فلا تعفى من المسؤولية التاريخية بشأن تقصيرها في اعادة بناء تنظيماتها
ديموقراطيا وتجديد شباب قياداتها وتطهير صفوفها من الضالعين في الفتن
والمعتاشين عليها وطرح برنامجها النضالي السليم وحسم مواقفها السياسية
وممارسة النقد الذاتي علنا حول أوجه التقصير الكثيرة والتوصل الى اعادة
وحدة اليسار القومي الديموقراطي كنهج تاريخي متبلور منذ كونفرانس آب عام
1965 لقيادة النضال كأحد الأجنحة الناشطة في الحركة القومية الديموقراطية
الكردية وانجاز مهام المرحلة كجزء من عملية التصدي للأزمة الراهنة .
أين انتهى الالتزام بالماركسية – اللينينية ؟
اعلنا الالتزام بمبادىء الاشتراكية العلمية بداية سبعينات القرن الماضي في
ظل ظروف كردية ومحلية وعالمية اتسمت بالمظاهر والصفات التالية : التزمنا
ليس بصفتنا كممثلين للطبقة العاملة الكردية أو كحزب طبقي أو كتنظيم شيوعي
معترف به في الحركة الشيوعية العالمية بل كجناح من حركة الت | |