تأريض الإسلام
الفصل الثاني
الإرتداد المستتر عن الدين عند المجتمعات الإسلامية
زاغروس آمدي
عفرين -نت 05.08.06
● الإسلام إذن غير موجود اليوم على الأرض، والمسلمون غير موجودين، وإن
كان الكثيرون منهم يحبون أن يكونوا مسلمين، ولكن يجب أن نصارحهم بالحقيقة
المرة ـ وإن كانت مؤلمة ـ أنهم ليسوا مسلمين، هم إذن كفار ومشركون، ويجب أن
يدخلوا في الإسلام من جديد، على أساس جديد.
● من أقوال الداعية والمفكر الإسلامي: سيد قطب (1906 ـ 1966)
توزع المسلمين بين الإرتداد والكفر والفسق والعصيان والإيمان
يُعتبر سيد قطب من المفكرين الإسلاميين القلائل الذين تمكنوا من سبر الحالة
الإسلامية بعمق وتشخيصها تشخيصاً دقيقاً ومؤلما،ً بوضع إصبعه على مكمن
الداء والألم الملتهب في الجسد الإسلامي، ونراه في مؤلفاته العديدة يركز
دائماً وبشكل واضح وغير ملتبس على أمر من أهم الأمور إيلاماً لنفوس
المسلمين، وهو مصارحتهم ومجاهرتهم بتركهم لدينهم وخروجهم عن حاكمية الله.
ودعَّم رأيه هذا بكثير من الآيات القرآنية المحكمة التي لايمكن تأويلها
وتقويلها غير ماتنص عليه. وبناءً عليه لم يتردد الداعية والمفكر سيد قطب
أبداً في تكفير المسلمين ، وقد انبرى له العديد من المهتمين بالشأن
الإسلامي، ممن لم يتحملوا الصدمة في كشف هذه العورة الصارخة من قبل سيد قطب
،لكنهم فشلوا في دحض آرائه التكفيرية، لهشاشة وضعف حججهم وتأويلاتهم وبعدهم
عن جوهر الإسلام القائم على الخضوع لحاكمية الله من جهة، ولقوة وإحكام حجج
وبراهين سيد قطب المؤيدة بالآيات المحكمات من "القرآن العظيم". والدليل على
ذلك أن كتب سيد قطب ماتزال تتداول أكثر من أية كتب إسلامية أخرى وتحتل
مكانة خاصة في قلوب الشباب المسلم، هذه الكتب التي تشكل منهلاً أساسياً
للإسلام الأصولي أو السلفي أو الإحيائي. ومما يلي سأورد بعض المقاطع لسيد
قطب التي تتحدث عن هذا الموضوع:
" وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة، فالأمة المسلمة ليست
" أرضا " كـان يعـيش فيها الإسـلام . وليست " قوما " كان أجدادهم في عصر من
عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي، إنما " الأمة المسلمة " جماعة من
البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من
المنهج الإسلامي ، وهذه الأمة ـ بهذه المواصفات ـ قد انقطع وجودها منذ
انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا، فقد غابت الأمة المسلمة
عن " الوجود " وعن " الشهود " دهراً طويلاً . وقد تولت قيادة البشرية أفكار
أخرى وأمم أخرى ، وتصورات أخرى وأوضاع أخرى فترة طويلة. إن العالم يعيش
اليوم كله في " جاهلية " من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة
وأنظمتـها . جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة ،
وهذا الإبداع المادي الفائق. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على
سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية ، وهي الحاكمية ، إنها تسند
الحاكمية إلى البشر ، فتجعل بعضهم لبعض أربابا ، لا في الصورة البدائية
الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات
والقيم ، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع ، بمعزل عن منهج الله
للحياة ، وفيما لم يأذن به الله.[1] "
وأشار سيد قطب إلى إرتداد البشرية بمن فيهم المسلمون عن دينهم إلى عبادة
غير الله وفي مقدمتهم أولئك المؤذنون على مآذن الجوامع والمساجد فيقول:
"فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله
إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله دون أن يدرك
مدلولها ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها. البشرية بجملتها بما فيها
أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا
الله بلا مدلول، ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة،
لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا
في دين الله[2]."
ثم يستمر سيد قطب في تعرية ورثة التركة المسلمين، فبعد أن يفضح إرتداد
المسلمين ومؤذينهم،يصل به الأمر إلى إعتبار مساجد المسلمين "معابد جاهلية"
فيقول عند ذكره للآية: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن
تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ
قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ".يونس 87.
مايلي:
" وهنا يرشدنا الله إلى أمور منها:
ـ اعتزال الجاهلية بِنَتَنِها وفسادها وشرِّها ـ ما أمكن في ذلك ـ وتجمع
العصبة المؤمنة الخيِّرة النظيفة على نفسها , لتطهرها وتزكيها , وتدربها
وتنظمها , حتى يأتي وعد اللّه لها.
ـ اعتزال "معابد الجاهلية"، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها
بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح،
وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور[3]."
ويكشف لنا سيد قطب عن حقيقة لايجهر بها المسلمون وهي رغبتهم في التستر عن
التنصل من الدين وحمله الثقيل وتبني أفكار ومناهج إنسانية أقرب إلى روح
العصر، فيقول في ذلك:
"إنهم يريدون منه أن يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه أنظمة بشرية،
ومناهج بشرية. ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في
نفوسهم، إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية
صغيرة[4]."
عندما يأتي سيد قطب لتفسير آية الجزية أو السيف: "قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ
يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا
حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ
وَهُمْ صَاغِرُونَ." التوبة 29. يراها مناسبة ملائمة لصب جام غضبه على ورثة
الإسلام المتخاذلين والمرتدين إلى الجاهلية، فيكاشف المسلمين ويصارحهم
بالحقيقة المرة التي طالما لم يرغب المسلمين الإقرار بها، وهي أن لاوجود لا
للإسلام ولا للمسلمين اليوم وأن التميّع قد أصاب دينهم وأن كثيراً من دعاة
المسلمين ـ الذين وصفهم بالسذج في مواضع كثيرة في كتابه "في ظلال القرآن" ـ
اليوم يسترون شرك وكفر المسلمين وبذلك ينالون من الإسلام، ويعتبرهم أخطر
على الإسلام من أعداء الإسلام لإيهامهم الناس وخداعهم وعدم مواجهتهم
بحقيقتهم الجاهلية وإرتدادهم عما جاء في القرآن، ويطالبهم بمكاشفة المسلمين
بحقيقة أمرهم وتركهم لدينهم، فيقول:
"إنها قضية تعتبر اليوم "تاريخية" وليست "واقعية".. إن المسلمين اليوم لا
يجاهدون!.. ذلك أن المسلمين اليوم لا يوجدون!.. إن قضية "وجود" الإسلام
ووجود المسلمين هي التي تحتاج اليوم إلى علاج. "ومن النص القرآني الواضح
الدلالة، ومن تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فصل الخطاب، ثم من
مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين تخلص لنا حقائق في العقائد والدين ذات
أهمية، نشير إليها هنا بغاية الاختصار:
ـ أن العبادة هي الاتباع في الشرائع، بنص القرآن وتفسير الرسول، فاليهود
والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابا، بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم، أو
تقديم الشعائر التعبدية إليهم، ومع هذا حكم الله سبحانه عليهم بالشرك في
هذه الآية،:اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن
دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ
لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ
عَمَّا يُشْرِكُونَ." التوبة 31. وبالكفر في آية تالية في السياق؛ لمجرد
أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها.
ـ أن النص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله بين
اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه، والنصارى الذين
قالوا بألوهية المسيح اعتقادا، وقدموا إليه الشعائر في العبادة. فهذه كتلك
سواء في اعتبار فاعلها مشركا بالله، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين
ويدخله في عداد الكافرين.
ـ أن الشرك بالله يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير الله من عباده؛ ولو لم
يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته؛ ولا تقديم الشعائر التعبدية له.. كما هو
واضح من الفقرة السابقة.. ولكنا إنما نزيدها هنا بيانا! وهذه الحقائق وإن
كان المقصود الأول بها في السياق هو مواجهة الملابسات التي كانت قائمة في
المجتمع المسلم يومذاك من التردد والتهيب للمعركة مع الروم، وجلاء شبهة
أنهم مؤمنون بالله لأنهم أهل كتاب.. هي كذلك حقائق مطلقة تفيدنا في تقرير
"حقيقة الدين" عامة.
ـ إن دين الحق الذي لا يقبل الله من الناس كلهم دينا غيره هو "الإسلام"..
والإسلام لا يقوم إلا باتباع الله وحده في الشريعة ـ بعد الاعتقاد بألوهيته
وحده وتقديم الشعائر التعبدية له وحده ـ فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة
الله صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون بالله ـ
مهما كانت دعواهم في لإيمان ـ لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع
العباد لهم من دون الله، بغير إنكار منهم يثبت منه أنهم لا يتبعون إلا عن
إكراه واقع بهم، لا طاقة لهم بدفعه، وأنهم لا يقرون هذا الافتئات على الله.
ـ إن مصطلح "الدين" قد انحسر في نفوس الناس اليوم، حتى باتوا يحسبونه عقيدة
في الضمير، وشعائر تعبدية تقام! وهذا ما كان عليه اليهود الذين يقرر هذا
النص المحكم، ويقرر تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لم يكونوا
يؤمنون بالله، وأنهم أشركوا به، وأنهم خالفوا عن أمره بألا يعبدوا إلا إلها
واحدا، وأنهم اتخذوا أحبارهم أربابا من دون الله.
ـ إن المعنى الأول للدين هو الدينونة "أي الخضوع والاستسلام والاتباع"،
وهذا يتجلى في اتباع الشرائع كما يتجلى في تقديم الشعائر. والأمر جد لا
يقبل هذا التميع في اعتبار من يتبعون شرائع غير الله ـ دون إنكار منهم
يثبتون به عدم الرضا عن الافتئات على سلطان الله ـ مؤمنين بالله، مسلمين
لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية الله سبحانه ويقدمون له وحده الشعائر. وهذا
التميع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ، وهو أفتك
الأسلحة التي يحارب بها أعداؤه؛ الذين يحرصون على تثبيت لافتة "الإسلام"
على أوضاع، وعلى أشخاص، يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون
دين الحق، وأنهم يتخذون أربابا من دون الله.
ـ وإذا كان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافتة الإسلام على تلك
الأوضاع وهؤلاء الأشخاص؛ فواجب حماة هذا الدين أن ينزعوا هذه اللافتات
الخادعة؛ وأن يكشفوا ما تحتها من شرك وكفر واتخاذ أرباب من دون الله.
والسذج ممن يدعون أنفسهم مسلمين يخدعون في هذه اللافتة.. ومن هؤلاء السذج
كثير من الدعاة إلى الإسلام في الأرض! فيتحرجون من إنزالها عن الجاهلية
القائمة تحتها، ويتحرجون من وصف هذه الأوضاع بصفتها الحقيقية التي تحجبها
هذه اللافتة الخادعة.. صفة الشرك والكفر الصريحة.. ويتحرجون من وصف الناس
الراضين بهذه الأوضاع بصفتهم الحقيقية كذلك! وكل هذا يحول دون الانطلاق
الحقيقي الكامل لمواجهة هذه الجاهلية مواجهة صريحة؛ لا تحرج فيها ولا تأثم
من وصفها بصفتها الحقيقية الواقعة. بذلك تقوم تلك اللافتة بعملية تخدير
خطرة لحركات البعث الإسلامي؛ كما تقوم حاجزا دون الوعي الحقيقي، ودون
الانطلاق الحقيقي لمواجهة جاهلية القرن العشرين التي تتصدى لسحق الجذور
الباقية لهذا الدين.
ـ هؤلاء السذج ـ من الدعاة إلى الإسلام ـ أخطر في نظري على حركات البعث
الإسلامي من أعداء هذا الدين الواعين، الذين يرفعون لافتة الإسلام على
الأوضاع والحركات والاتجاهات والأفكار والقيم والتقاليد التي يقيمونها
ويكفلونها لتسحق لهم هذا الدين! إن هذا الدين يغلب دائما عندما يصل الوعي
بحقيقته وحقيقة الجاهلية إلى درجة معينة في نفوس العصبة المؤمنة ـ في أي
زمان وفي أي مكان ـ والخطر الحقيقي على هذا الدين ليس كامنا في أن يكون له
أعداء أقوياء واعون مدربون؛ بقدر ما يكون في أن يكون له أصدقاء سذج
مخدوعون، يتحرجون في غير تحرج؛ ويقبلون أن يتترس أعداؤهم بلافتة خادعة من
الإسلام؛ بينما هم يرمون الإسلام من وراء هذه اللافتة الخادعة! إن الواجب
الأول للدعاة إلى هذا الدين في الأرض أن ينزلوا تلك اللافتات الخادعة
المرفوعة على الأوضاع الجاهلية، والتي تحمي هذه الأوضاع المقامة لسحق جذور
هذا الدين في الأرض جميعا! وإن نقطة البدء في أية حركة إسلامية هي: تعرية
الجاهلية من ردائها الزائف، وإظهارها على حقيقتها.. شركا وكفرا.. ووصف
الناس بالوصف الذي يمثل واقعهم؛ كيما تواجههم الحركة الإسلامية بالطلاقة
الكاملة.. بل كيما ينتبه هؤلاء الناس أنفسهم إلى حقيقة ما انتهى إليه
حالهم، وهي الحقيقة التي انتهى إليها حال أهل الكتاب كما يقررها الحكيم
الخبير[5]."
لم يترك سيد قطب مناسبة إلا ولفت الأنظار إلى قضية ردة المسلمين إلى
الجاهلية، حتى إن بعض إخوانه كانوا يستشيرونه في جواز الأكل من ذبيحة
المسلمين المرتدين أو جواز الزواج منهم أو معاشرتهم، وفي كتابه "العدالة
الإجتماعية في الإسلام" عاد وطرح هذا الموضوع بصراحة وبيان وجرأة أكثر،
ويرى أن الجهر بهذه القضية أمر ضروري لابد منه في سبيل الدعوة إلى الإسلام،
ومحاولة استئناف حياة إسلامية، وهذه بعض الفقرات الهامة التي تتناول هذا
الموضوع:
"نحن ندعو إلى استئناف حياة إسلامية، في مجتمع إسلامي، تحكمه العقيدة
الإسلامية والتصور الإسلام كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي.
ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية ـ على هذا النحو ـ قد توقفت منذ فترة طويلة
في جميع أنحاء الأرض، وأن "وجود" الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك!.
ونحن نجهر بهذه الحقيقة الأخيرة ـ على الرغم مما قد تحدثه من صدمة وذعر
وخيبة أمل للكثيرين ممن لا يزالون يحبون أن يكونوا "مسلمين" ـ ونجهر بها
على هذا النحو في الوقت الذي ندعو فيه إلى استئناف حياة إسلامية، في مجتمع
إسلامي، تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي كما تحكمه الشريعة
الإسلامية والنظام الإسلامي.
ولا نرى أن في رؤية تلك الحقيقة والجهر بها كذلك ما يدعو إلى خيبة الأمل،
أو اليأس من هذه الدعوة ومن هذه المحاولة. على العكس نرى أن الجهر بهذه
الحقيقة المؤلمة ـ حقيقة أن الحياة الإسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في
جميع أنحاء الأرض، وأن "وجود" الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك ـ نرى أن
الجهر بهذه الحقيقة ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الإسلام، ومحاولة استئناف
حياة إسلامية.. ضرورة لا مفر منها."[6].
وفي لفتة زكية ومهمة،لاينسى سيد قطب أن يتطرق إلى خطورة موضوعه، ويذكر أنه
يعي تماماً لخطورة المسألة في الحكم على مئات الملايين المسلمين بالردة
والكفر والجاهلية،من خلال تفسيره لآيات القرآن، لذلك يحيل الأمر إلى النص
الديني ويأتي ببعض الآيات المحكمات التي لاتقبل التأويل أو التفسير بأكثر
من وجه،باطنها يدل على ظاهرها وظاهرها يدل على باطنها، وبأن الله هو الوحيد
المخول بهذا الأمر من خلال ماأنزله، فيضيف قائلاً:
"ونحن لا نحدد مدلول "الدين" ولا مفهوم "الإسلام" على هذا النحو من عند
أنفسنا. ففي مثل هذا الأمر الخطير الذي يترتب عليه تقرير مفهوم لدين الله؛
كما يترتب عليه الحكم بتوقف "وجود" الإسلام في الأرض اليوم؛ وإعادة النظر
في دعوى مئات الملايين من الناس أنهم "مسلمون".. في مثل هذا الأمر لا يجوز
أن يفتي الإنسان فيما يقصم الظهر في الدنيا والآخرة جميعا.
إنما الذي يحدد مدلول "الدين" على هذا النحو، ومفهوم "الإسلام" هو الله
سبحانه إله هذا الدين ورب هذا الإسلام.. وذلك في نصوص قاطعة لا سبيل إلى
تأويلها ولا الاحتيال عليها:
"إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" يوسف: 40.
"وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ
اللهُ إِلَيْكَ". المائدة: 49.
"وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ". المائدة: 45.
"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا". النساء:65.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً". النساء:59.
وكلها تقرر حقيقة واحدة؛ أنه لا إسلام.. لا إيمان بغير الإقرار بالحاكمية
لله وحده؛ والرجوع إليه فيما يقع عليه التنازع مما لم يرد به نص، إذ لا رأي
مع النص ولا نزاع، والحكم بما أنزل دون سواه في كل شئون الحياة، والرضا
بهذا الحكم رضا قلبي بعد الاستسلام له عمليا.. وأن هذا هو "الدين القيم"..
وهذا هو "الإسلام" الذي أراده الله من الناس.
وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم ـ على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم
الدين والإسلام ـ نرى لهذا الدين "وجودا". إن هذا الوجود قد توقف منذ أن
تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة
البشر، وذلك يوم أن تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شئون الحياة.
ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة، وأن نجهر بها، وألا نخشى خيبة الأمل
التي تحدثها في قلوب الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين". فهؤلاء من
حقهم أن يستيقنوا: كيف يكونون مسلمين.
إن أعداء هذا الدين بذلوا طوال قرون كثيرة وما يزالون يبذلون جهودا ضخمة
ماكرة خبيثة، ليستغلوا إشفاق الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا مسلمين، من
وقع هذه الحقيقة المريرة، ومن مواجهتها في النور! وتحرجهم كذلك من إعلان أن
"وجود" هذا الدين قد توقف، منذ أن تخلت آخر مجموعة مسلمة في الأرض عن تحكيم
شريعة الله في أمرها كله؛ فتخلت بذلك عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية أو
بالألوهية، فهذه مرادفة لتلك، أو لازمة لها لا تتخلف.
هؤلاء الأعداء الماكرون الخبثاء يستغلون ذلك الإشفاق وهذا التحرج لتخدير
مشاعر الكثيرين في الأرض، الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين" وإيهامهم أنهم ما
يزالون "مسلمين" فعلا! وأن "الإسلام بخير"! وأن الناس يمكن أن يكونوا
"مسلمين" دون أن تحكمهم شريعة هذا الدين، بل دون أن يعتقدوا أن الحاكمية
لله وحده، من ادعاها لنفسه فقد ادعى الألوهية، وكفر، وخرج من هذا الدين.
وكذلك ينبغي أن نجهر نحن بالحقيقة المقابلة التي قد يشفق منها الكثيرون ممن
يحبون أن يكونوا مسلمين، وممن يتحرجون أن يعلنوا أن وجود هذا الدين قد
توقف.. لنبطل مفعول "المخدر" الخبيث الذي يخدر به أعداء هذا الدين محبي هذا
الدين!!.
الإسلام إذن غير موجود اليوم على الأرض، والمسلمون غير موجودين، وإن كان
الكثيرون منهم يحبون أن يكونوا مسلمين، ولكن يجب أن نصارحهم بالحقيقة المرة
ـ وإن كانت مؤلمة ـ أنهم ليسوا مسلمين، هم إذن كفار ومشركون، ويجب أن
يدخلوا في الإسلام من جديد، على أساس جديد."[7]
ويواصل المفكر الإسلامي سيد قطب تعريته لحقيقة المجتمعات الإسلامية، التي
يتغاضى عنها كثير من رجال الدين والفكر، فيقول:
"إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم ، وإذا أردنا التحديد
الموضوعي قلنا : إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده .. متمثلة هذه
العبودية في التصور الاعتقادي ، وفي الشعائر التعبدية ، وفي الشرائع
القانونية .. وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار " المجتمع الجاهلي."[8]
وبناءً على هذا يقرر سيد قطب أن: " جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض
فعلا هي مجتمعات جاهلية." ثم يذكر هذه المجتمعات مضيفاً إليها المجتمعات
الإسلامية قائلاً:
" تدخل فيه المجتمعات الشيوعية وتدخل فيه المجتمعات الوثنية ، وهي ما تزال
قائمة في الهند واليابان والفلبين وأفريقية ،وتدخل فيه المجتمعات اليهودية
والنصرانية في أرجاء الأرض جميعا، وأخيرا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك
المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها " مسلمة.""[9]
ثم يلخص سيد قطب موقفه بتجهيل أو تكفير المجتمعات الإسلامية في جملتين
قائلاً:
"إن موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة:
إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره."
ثم يضيف سيد قطب معللاً سبب هذه المجتمعات الجاهلية قائلاً:
"إن الإسلام لا ينظر إلى العنوانات واللافتات والشارات التي تحملها هذه
المجتمعات على اختلافها ، إنها كلها تلتقي في حقيقة واحدة ، وهي أن الحياة
فيها لا تقوم على العبودية الكاملة لله وحده . وهي من ثم تلتقي مع سائر
المجتمعات الأخرى في صفة واحدة .. صفة " الجاهلية.""[10]
ثم يبيّن سيد قطب طريق العودة إلى الإسلام للمجتمعات الإسلامية المرتدة عن
الإسلام في قوله:
" أنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل الأرض من أن يقع عليها العذاب، إلا بأن
تنفصل عقيديا وشعوريا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله
بقيام دار إسلام تعتصم بها وإلا تشعر شعورا كاملا بأنها هي الأمة المسلمة
وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت، في جاهلية."[11]
وفي سياق حديث سيد قطب عن الحركات الإسلامية وفي مواضع عدة من كتاباته يتهم
المسلمين غير الصالحين وهم الأغلبية الساحقة من المسلمين بالشرك والإجرام
لخضوعهم للطواغيد والعلمانيين، ويصارح بصعوبة خلاصهم من الغي فيقول:
"إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح .
واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات . ذلك أن أي
غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشا وشبهة في موقف المؤمنين
وفي سبيلهم . فهما صفحتان متقابلتان , وطريقان مفترقتان .ولا بد من وضوح
الألوان والخطوط.
ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين
. يجب إن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين وتعريف سبيل المجرمين ; ووضع العنوان
المميز للمؤمنين . والعنوان المميز للمجرمين , في عالم الواقع لا في عالم
النظريات . فيعرف أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون
ممن حولهم ومن هم المجرمون . بعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم ,
وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم . بحيث لا يختلط السبيلان ولا
يتشابه العنوانان , ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين.
وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء
الأقوام !
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا
إله إلا الله , ومدلول الإسلام في جانب ; وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية
في الجانب الآخر.
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين، وطريق
المشركين المجرمين، واختلاط الشارات والعناوين، والتباس الأسماء والصفات،
والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق." ويعرف أعداء الحركات الإسلامية
هذه الثغرة . فيعكفون عليها توسيعا وتمييعا وتلبيسا وتخليطا . حتى
يصبحالجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام ! . . تهمة تكفير
"المسلمين" !!! ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف
الناس واصطلاحهم , لا إلى قول الله ولا إلى قول رسول الله ! هذه هي المشقة
الكبرى . . وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة
إلى الله في كل جيل!"[12]
هنا يصارح المفكر والشيخ سيد قطب المجتمعات الإسلامية بالحقيقة المؤلمة
والفاجعة النفسية والروحية الكبيرة التي يتغافلون عنها أو يتجاهلونها وهي
بعدهم عن العقيدة الإسلامية وعدم إلتزامهم بها، وبالتالي ضعف إيمانهم بهذا
الدين أو حتى رغبتهم في أن يساير هذا الدين نظرياتهم ورؤاهم الإنسانية، أي
أن يخضعوا الدين السماوي لعقولهم.
وفي الجملة فإن سيد قطب يعتبر أن المجتمعات الإسلامية مجتمعات جاهلية. وهذا
يؤكد ماذهبت إليه سابقاً من أن أغلب المجتمعات الإسلامية في إرتداد مستتر
عن الدين، أي أنهم مشركون بمفهوم الإسلام كما ذكر سيد قطب. أي أن الأغلبية
هنا لاتحبذ الدين الإسلامي كما هو في حقيقته ،بدليل أنها غير متمسكة به
وغير ملتزمة به إلا جزئياً، ومع ذلك فإنها تدعي أنها مسلمة، أي أن
المحتمعات الإسلامية واقعة في بحر من التناقض أو في برزخ حرج يحده من طرف
البيان القرآني الواضح في تعاليمه وأوامره ونواهيه،ومن طرف آخر الحضارة
المعاصرة التي لاغنى للمسلمين عنها. أي أنها في مأزق رهيب جداً، فهي من
ناحية ترنوا وتلهف إلى اللحاق بالحضارة الحديثة ومن ناحية أخرى لاترغب
كلياً بالتخلي عن عقيدتها ودينها، هنا يأتي التأريض الديني محاولاً لفت
الأنظار إلى إمكانية الوصول إلى حل للخروج من هذا البرزخ أو المأزق المحير
والمتعب. وهو نزع القداسة عن النص القرآني وذلك باعمال العقل في آياته
ونصوصه والأخذ بما يناسب العقل والمنطق والزمن المعاصر، مع البقاء على
إحترام النص القرآني لإشباع الحاجات الروحية عند المسلمين كما ذكرت
سابقاً.إذ إن بقاء المسلمين في حالة الإرتداد المستتر ـ كالمريض الذي يتستر
على مرضه النفسي خوفاً من تهمة الجنون ـ يقصيهم من ناحية عن الزخم الروحي
الديني ومن ناحية أخرى يمنعهم من الإبداع والخلق الإنساني. مما يدل أنهم في
حالة ضياع حقيقي وإزدواجية صارخة، ألمحت إلى بعض ظواهرها فيما سبق.
وأعتقد بقوة أن مسألة الإقرار بإرتداد المسلمين المستتر عن دينهم واستيعاب
مفهوم التأريض الديني وإعتبار العقل فوق النص الديني في أموره الدنوية
والأخذ بها مسألة وقت ليس إلا، لعدة أسباب، منها:
أولاً:أن النظام الديني السياسي الذي جاء به محمد في القرن السادس الميلادي
لم يكن نظاماً سياسياً واضح المعالم ومتكامل في أ | |