تركيا و الكورد..خيار المواجهة أم الإستسلام؟
 

نزار جاف

nezarjaff@gmail.com
عفرين – نت 05.08.06

الزيارتين المتزامتين للسيد برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي و السيد محمد إحسان وزير حقوق الانسان في حكومة إقليم كوردستان لتركيا، وتصريح السيد هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي من هناك بأن العراق سوف يغلق مقرات حزب العمال الكوردستاني، أعطت إنطباعا أوليا للمراقبين السياسيين من أن هناك ثمة نتائج واضحة لتلك الضغوط العسكرية و السياسية التي مارستها الحكومة التركية على أصعدة شتى.
لكن نظرة متفحصة للظروف الذاتية و الموضوعية التي تمر بها المنطقة و العراق على وجه الخصوص، والموقف الامريكي الذي بات بات صعبا بعض الشئ، كل ذلك ساهم في حصول الاتراك على حصيلة إيجابية من"رزم"تهديداتهم العسكرية و السياسية ضد الشعب الكوردي بشكل عام.
الدولة التركية التي نشأت على أنقاض الدولة العثمانية التي أذاقت الامرين لكل شعوب المنطقة و كانت أسوأ نموذج للإستبداد و الاستغلال، سعى مصطفى كمال أتاتورك لكي يبني دولة علمانية شبيهة بالدول الاوربية إلا أن النزعة القومية الشوفينية التي كانت تستعر في أعماقه، جعلت من علمانية تركيا مسخا غريبا لايوجد شبيه له في الآفاق، ومثلما كانت النزعة القومية في الدولة العثمانية من القوة بحيث إنها غطت على الصبغة الاسلامية للدولة، فذات الامر قد إنسحب على دولة أتاتورك ومن هنا فإن تلك الخطوط الحمراء التي رسمها مؤسس تركيا الحديثة لمن بعده هي من أساسها خطوط عرقية تغذيها شوفينية سوداء لاتكاد ترى عرقا في طول البلاد و عرضها سوى الاتراك وحتى أن السياسة الاقتصادية للدولة التركية هذه خضعت أيضا للمعايير الشوفينية التي حددها مؤسس الدولة.
ولم يكن وصول حزب الرفاه الاسلامي للسلطة ومن بعده حزب العدالة و التنمية بذلك المؤشر القوي على تغيير البنى الاساسية للمفاهيم التي تتعامل بها الدولة التركية، بل وأن السيد رجب طيب أردوغان قد ظهر في كثير من الاحيان أكثر ملكية من الملك نفس! وإذا ماكانت البعض من الدوائر السياسية في المنطقة قد إستبشرت خيرا بمجئ"حزب إسلامي"للسلطة في تركيا وظنت من أن العلاقات السياسية لتركيا سوف يتم تحديدها في ضوء هذا الحزب، فإن الزيارات المتكررة لأهم أقطاب العدالة و التنمية لإسرائيل و سعيهم للعب دور الوسيط بين الدولة العبرية و الفلسطينيين، قد أعطت الإنطباع الواضح بتمسك هذا الحزب بعلاقاته الاستراتيجية مع إسرائيل وعدم إستعداده للتخلي عنها تحت أي ظرف كان.
وقد حاول الاسلاميون الاتراك بسياسة براغماتية خبيثة من كسب الشارع الكوردي في تركيا من خلال جملة وعود تتسم بالضبابية قبل كل شئ، وحتى تلك التصريحات التي أطلقتها أقطاب من الحكومة التركية بشأن منح حقوق ثقافية "محددة"للشعب الكوردي، عاد السيد أردوغان بنفسه ليشيح بوجهه عنها و حتى يعطي يقينا للمراقبين بعدم نيته منح أية حقوق للكورد سوى"الكلام"، فقد عين شخصية عسكرية في منصب رئيس الاركان وهو معروف بتشدده من الكورد و تلك الاصلاحات التي يطلبها الاتحاد الاوربي من تركيا، والغريب في الامر أن تعيين هذه الشخصية قد جاء متناغما و متزامنا مع حملة التهديدات العسكرية و السياسية بل وأنها كانت متزامنة أكثر مع زيارة الوفدين"العراقي" و"الكوردي".
واشنطن التي حاولت لسنين خلت مراوغة الاتراك و عدم مسايرتهم في الملف الكوردي، وصلت الى نقطة حساسة كان لابد لها من إتخاذ موقف واضح خلاله، وهي كي تتخلص من التبعات الاخلاقية المستقبلية لأي موقف مباشر لها بشأن الشعب الكوردي، ألقت الكرة في الملعبين العراقي و الكوردي ساعية للتفرغ للأزمة المستعرة في جنوب لبنان و الاراضي الفلسطينية.
وحتى أن الحكومة العراقية هي الاخرى سعت للتخلص من التبعات و الإشكالات المستقبلية التي قد تواجهها مستقبليا في هذا الخصوص ورمت هي الاخرى بالكرة في الملعب الكوردي إذ أنها بعثت بالسيدين برهم صالح و هوشيار زيباري وكلاهما كوردي لكي يبحثا الامر مع القادة الاتراك، حتى بدت الصورة واضحة تماما إذ هناك مفاوضون كورد و ترك فقط لبحث المسألة لكن هذه الصورة المدلهمة المدافة بالكثير من الضبابية يبدو أن المفاوضون الكورد لم يجدوها مريحة لهم كي يناقشوا هكذا مسألة حيوية و حساسة تهم الجزء الاكبر من الامة الكوردية في شمال كوردستان والتي تعاني الامرين من سياسة شوفينية هوجاء دأبت عليها كل الحكومات التركية"من أقصى اليمين الى أقصى اليسار ومرورا بالاسلامية منها أيضا"، ولذلك فإنهم لم يبدوا تحمسا لتلك المقترحات المعدة أصلا في الدوائر الامنية و العسكرية التركية وقد تمت صياغتها بشكل يلائم إحكام الطوق على التجربة الكوردية في إقليم كوردستان العراق.
وعلى الرغم من أن هناك إجتماعا ثلاثيا"عراق ـ أمريكا ـ تركيا"مرتقبا بخصوص البحث في موضوع حزب العمال الكوردستاني وهي الذريعة التي يتشبث بها الاتراك دوما للقفز على أصل القضية الكوردية المستفحلة في بلادهم، فإن التقارير الاولية تفيد بأن واشنطن ليست تشعر بنفس الحماس الذي كان ينتابها قبل بضعة سنين وهي لاتحبذ هكذا تهافت تركي محموم على إنهاء و تصفية الملف الكوردستاني، سيما وأن البرلمان الاوربي قد يتخذ موقفا محرجا للولايات المتحدة الامريكية في الاشهر القادمة فيما إذا ذهبت بعيدا في تعاملها مع الاتراك فيما يخص الملف الكوردي. هذا بالاضافة الى أن واشنطن قد أدركت بوضوح أنها قد كسبت صداقة الشعب الكوردي وهي تجد نفسها في وضع غير مريح فيما لو خطت خطوات سلبية أخرى ضد الشعب الكوردي تعيد للأذهان موقفها الشائن من الحركة الكوردية عام1975 وكذلك موقفها اللااخلاقي في المساعدة على إلقاء القبض على الزعيم الكوردي عبدالله اوجلان. وأن الولايات المتحدة التي تسعى لإحكام الطوق على أكثر نظامين إستبداديين في المنطقة من خلال التعاون مع قوى سياسية كوردية، سوف يكون موقفها حرجا لو إستمرت في وضع حزب العمال الكوردستاني في خانة القوى الارهابية وهي تعلم قبل غيرها أن هذا الحزب هو أبعد مايكون عن الارهاب بل هو بنفسه ضحية لإرهاب تركي رسمي منظم وأن الانباء المتسربة من شمال كوردستان تحكي عن تصاعد غير عادي في وعي الشعب الكوردي و عدم إستعدادهم للمزيد من الخضوع و الخنوع للقمع و الاستبداد التركيين و تطلعهم الى موقف دولي مؤازر لهم وهه يرنون بإبصارهم أكثر صوب واشنطن التي يجب أن تدرك أن هذه العيون التي ترنو إليها كمنقذة لهم هي غير"ملايين"العيون التي تحدق فيها بكره في غالبية المدن التركية.
وفي كل الاحوال، فإن حكومة إقليم كوردستان يجب أن لا تلين أمام الإبتزازات التركية المتتالية و أن لا تدير ظهر المجن لحزب يمتلك قاعدة جماهيرية عريضة لا في شمال كوردستان و إنما في كل أرجاء كوردستان و العالم و أن التمهيد للقضاء على هكذا قوة سياسية رائدة سوف يكون من شأنه إضعاف الموقف الكوردي بشكل عام وليس تقويته. وإن سياسة الشد التركية هذه تهدف في حقيقتها الى إستسلام ضمني للإقليم الكوردي لسياستها تمهيدا لتحجيمه و حصره في أضيق زاوية. إن المجابهة السياسية للصفاقة السياسية التركية ضد الكورد لن تتم إلا برفض كل مطالبهم المشبوهة والتي ترمي فيما ترمي الى معادات الشعب الكوردي ذاته، وإن أنقرة مهما تبجحت و سدرت في غيها فإنها وفي خاتمة أمرها لابد لها من الاقرار بحقوق أكثر من عشرين مليون كوردي.
أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]