إن مانقرأه ونسمعه هذه الأيام حول التهديدات التركية المستمرة بإجتياح
أراضي كردستان العراق، وذلك بذريعة ملاحقة المقاتلين الكرد من كردستان -
تركيا ، إنما هو استمرار لوضعية قديمة - جديدة، أساسها عدم إستعداد الإدارة
التركية بجناحيها المدني والعسكري - وموقف هذا الأخير هو الأكثر حسماً -
على تقبّل فكرة وجود كيان كردي خارج حدودها بأي شكل من الأشكال، وذلك خشية
إنتقال العدوى إلى داخلها؛ وهي خشية قديمة، عبّر عنها مصطفى كمال من قبل
للمقربين به أيام المفاوضات بشأن ولاية الموصل مع الإنكليز، قائلاً ما
معناه: إن أكثر ما أخشاه في حال ذهاب ولاية الموصل منا هو أن يأتي يوم يكون
فيه هذا الجزء خطراً على جهودنا التذويبية بالنسبة إلى الكرد داخل حدودنا.
فهو - مصطفى كمال - لم يكن ينشغل في المقام الأول بالإمكانيات النفطية
لولاية الموصل التي كانت واعدة منذ ذلك الحين، أو المميزات الأخرى، لكن
ذهنه كان متمحوراً حول كيفية الإنتهاء من المسألة الكردية، عبر الإلغاء
النهائي للوجود الكردي، وذلك بإعتماد سلسلة قاسية من آليات التطويع القسري.
وحتى لا نهضم الرجل حقه، فقد كان كمال رجل دولة بعيد النظر، فكّر وعمل
باستمرار من أجل المصالح القومية المحضة للعنصر التركي من دون غيره. لذلك
كان الكرد بالنسبة إليه هو الهاجس الأكبر الذي مثّل وفق منظوره مصدر الخطر
؛ اعتمد معهم كل أساليب الحيلة والمناورة من أجل الإستمالة والإقناع بعدم
المطالبة بكيان مستقل، شأنهم في ذلك شأن سائر الشعوب خاصة العربية منها بعد
الحرب العالمية الأولى.
وتركيا المعاصرة هي ذاتها التي سلّمها كمال إلى ورثته من العسكر، وبصورة
خاصة في الميدان الإيديولوجي القوموي. فهي ما زالت تتصرف وكأن العنصر
التركي هو أساس الحضارة، وسيد الكون. تحاول بكل السبل الإمتداد إلى المحيط
الإقليمي، تارة تحت حماية الأتراك كما فعلت في قبرص وحاولت الإقدام عليه في
العراق؛ وتارة أخرى تحت شعار التواصل مع الأشقاء كما فعلت مع الجمهوريات
الآسيوية السوفياتية سابقاً؛ وتارة ثالثة تستغل الدين، فتسعى إلى تمتين
الأواصر مع المحيط الإقليمي الرسمي المسلم من دون الكرد بطبيعة الحال، وذلك
بهدف تحقيق نوع من الإنفراج الإقتصادي من جهة، وتنسيق الجهود المشتركة بغية
الحد من الخطر الكردي المزعوم من جهة أخرى، خاصة مع إيران وسورية.
وما نشاهده اليوم من تحشدات تركية على الحدود مع إقليم كردستان العراق،
إنما هو جهد متناغم مع التحرّشات الإيرانية التي تمثّلت في قصف مواقع كردية
عراقية، بتسويغات وهمية تمثل غطاء للنوايا الدفينة التي تتحيّن اية فرصة
للإنقضاض على التجربة الوليدة في كردستان العراق على وجه التخصيص، وفي
العراق بأسره على وجه العموم.
إن مواجهة المخططات التركية لم ولن تكون ناجعة بالإدانات والتصريحات، مهما
كانت درجة قوتها وجرأتها؛ بل لابد من اعتماد استراتيجية شاملة بعيدة
المدى.، أساسها مساندة نضال الشعب الكردي في كردستان - تركيا من أجل الحصول
على حقوقه القومية المشروعة. الأمر الذي سيؤدي في حال إنجازه إلى تبدّل
الموازين، والمعادلات لصالح الإستقرار الإقليمي، ولصالح تركيا بالذات التي
تسبح ضد التيار، وتسخّر كل طاقاتها من أجل تغييب مسألة تتعاظم حجماً وأهمية
مع الوقت. فمسألة تخص أكثر من 20 مليون إنسان، تختزن ذاكرتهم البعيدة
والقريبة بمآسي المؤمرات، والدسائس، والتشريد، والتجهيل، والإهمال، لايمكن
إختزالها في حالة إنسانية، أو جملة حقوق ثقافية تكون بمثابة ذر الرماد في
الأعين، هذا على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الدوائر التركية
الأمنية والعسكرية - صاحبة القرار الفعلي - في ميدان قمع النَفَس الكردي،
واعتماد مختلف الوسائل من أجل ضبط الأوضاع، والتحكّم بها وفق ما يتوافق مع
توجهات الايديولوجية القومية التركية، ومصالح أولئك الذين أعلنوا أنفسهم
حراساً لتعاليم مصطفى كمال.
إننا لانذيع سراً هنا إذا قلنا أن الوضع الحالي للشعب الكردي في كردستان
تركيا على وجه العموم، وحركته السياسية على وجه الخصوص لا يرتقي إلى
المستوى المطلوب؛ وذلك نتيجة الضربات الموجعة التي أوقعها النظام التركي
بهذا الشعب في مختلف الميادين على مدار العقود. لذلك فالموضوع يحتاج برمته
إلى دراسة متأنية مسؤولة من قبل القيادة السياسية الكردية في كردستان
العراق التي تسمح لها ظروفها الراهنة بأمر من هذا القبيل. وهي بذلك ستحقق
إنجازين استراتيجيين. ألأول، دعم أبناء شعبها ومساندة سعيهم من أجل التخفيف
من المعاناة، والعمل الجاد بقصد الوصول إلى الحقوق المشروعة، وهذا أمر
مشروع لا غبار عليه. أما الإنجاز الاستراتيجي الآخر، فهو كبح جماح
التهديدات الهمجية التي تطلقها الدولة التركية باستمرار، بمناسبة أو من
دونها؛ وهي تهديدات لن تتوقف بالمجاملات أو الإغراءات. والجدير بالذكر في
هذا المجال، أن مهمة كبيرة وهامة كهذه تستلزم رؤية استراتيجية تسمو فوق
المصالح الحزبية والشخصية. وتنأى بذاتها عن الأوراق المحروقة التي لم يعد
لأصحابها من هم سوى المكاسب الآنية، الضيقة النطاق والأفق. كما ان التوجه
نحو الجيل الشاب، ومخاطبته بلغة متقدمة تتوافق مع عقلية العصر وتحدياته،
يُعد حجر الأساس في جهد مخلص منشود، يبغي تخفيف المحنة، وصيانة المكاسب
التي تحققت بفعل وفضل سيول من الدماء والدموع، والعون اللامحدود من الأشقاء
الذين كانوا على الدوام نموذج الإيثار والتفاني.