مرايا اليقين الكردي
21

بيلَفيلد بثوبها الأسود المضيء

 

ابراهيم محمود

عفرين - نت 01.08.06

التحرك من مدينة أخرى ، كما هو الانتقال المجوَّد من سورة لأخرى، من سفر يُقرُّ بتاريخ ما، أرضي المنشأ، وفي فعل الانتقال يكون فعل الناسخ المكاني والمنسوخ التاريخي، وليس البشر إلا علامات تحول داخل المكان، ليست المدن إلا حروفاً تتتالى أو تترى في قرطاس المكان، برديّه إن شئت، ليكون البشر نقاطها، صمتها أو صوتها، أو هما معاً، وهم الذين أوجدوها في متخيَّلهم وبقدراتهم، ووفق ثقافات خاصة بهم.
كل مدينة تكون لها مفارقاتها المستجدة، طلائع تكوينها أو فواتحها الجمالية، مراصد بث جمالية تعنيها، والبشر هم الذين يدخلون في تركيب هذه العلاقة بالمكان والزمان.
مَن نعرفهم من هؤلاء، من يعنيهم أمرنا، أو بالعكس، يضاهي فعل تحوير وتغيير وتجميل، بنِسبٍ معينة، وتبقى المدن المقصودة والمردودة مرايا تستقبل حجاجها الأرضيين، الدنيويين، ملقية عليهم سلامها العابر، أو السابر، وكلامها بلغتها أو بإيماءة ظاهرة ملء العين، أو المعرفة المسبقة، خارجة من ذاكرة، أو داخلة فيها، بحسب نوعية العلاقة معها، أو بها، ويظل القائمون فيها صدى المرآة، إطلالتها خارج إطارها المعدني، مثلما هم خارج شفافيتها العاكسة لصورة، أو داخل حدودها العميقة أهميةً، كما هي القلوب المرايا، القلوب السرايا، في استقبال أو استغفال أو استعجال رؤية هذا أو ذاك من الداخلين في محراب النظر، ومدار تكوين المدينة.
تلك هي مستلهَمات النظر والسريرة، كلما انطلقنا غالباً بين مدن تتناظر أو تتقاطر في أهبة تضاريسية( ولا أقول انطلقت، لأنه نادراً ما كنت أنطلق من مدينة لأخرى، داخل الدولة الواحدة، أعني من سورة مدينة ذات قامات هندسية، لأخرى، إلا جواً، وقراءة النجوم تتطلب حضور الواحد لمكاشفة ما وراء الفراغ العميق، بينما السفر براً، وخصوصاً في نهب المسافات الباذخة، فيستوجب رفقة أو صحبة، لاستطلاع المكان، والمساءلة حوله كلما كان تقدمٌ من فرسخ لآخر)، ولأكثر من مرة، أكون أنا والودود نواف بما تيسّر من يفاعة البشاشة في ظاهر وجهه، ونحن متضمَّنو القطار الألماني الذي يمتشق الفراغ، ويستنشق الجهات كلها، بدفعات متتابعة، على وتائر عدة، دون أن يلهث من داخله المعدني، غائصاً على طريقته في أوقيانوس المدى المفتوح، تاركاً إيانا داخله، مع المتوارد من المشاعر وأدبيات السفر والمقارنات المكانية دائماً.
ها نحن خارجون من مدينة ذي اللحية الكثة الأنتي دوهرنغي ( أنجلس) ، ابن فوبرتال، وقد انتصف النهار الربيعي في المربع الألماني المشتهى أرضاً وسماء، ووجهتنا بيلفيلد ، هذه المدينة التي ولدت في الذاكرة وتشكلت علامة فارقة باسقة، وقرئت من داخل ما، لأن ثمة من يقيم فيها، من عنونها لنا، من سمَّاها، لنكون داخل الهودج الحديدي عدة ساعات، مستحمّي نظر ٍبمحياها وأبهائها المكانية، وبدءاً من بناية المحطة التي كشفت عن بعض من زينتها: فتنتها الأثرية التليدة، وربما هو شعور نابع من منظر الحجر الأميل إلى الرمادي، مهيّئين أنفسنا لمن لممنا مشاعرنا ذات الانتماء المكاني المختلف، لمن هو مشابهنا في الحالة تلك، من وراء أميال مضاعفة نأياً: العزيز قبل أن تراه العين المجردة، كما همو الذين شكلوا أمة صحابة السفر والشتات الصلات: هوشنك بروكا، وليأتينا هذا اللالشي الببلفيلدي الإقامة، بعد حين مستثقل، رغم قصر الوقت، حيث كل أخت من أخوات الوقت الزمانية: الثانية والدقيقة والساعة، لها قيمتها، وخصوصاً حين يريد المسافر الفضولي اغتراف هذا الوقت بثوانيه ، ويكون العناق استطلاعاً لمقام المكان المحنون إليه، ببقاياه الترابية والمتبقي من أوابده المنكفئة على ذواتها المنفطرة من الداخل.
في التو، يغادرنا المجبول بالتعب الوديع نواف، رغم اصرارنا، إصرار هوشنك على بقائه، لأن ثمة ليلة أنس في بيلفيلد، ولكنه مأخوذ بروزنامته اليومية في همومه الكردية التي يعيشها بطريقته، كما همو الآخرون من منظور آخر، ندعه الوديعَ ، وندير له ظهرنا بعد وداع معلَّم بلقاء قريب لاحقاً، لتقلنا سيارة هوشنك، وكأنها توسعت قلباً، وشهقت رؤيا كردية المسرى، منتقلة من شارع لآخر، والشمس تغمض عينيها بتؤدة، وهي تغطس شعرها اللهبي الولهان، والمتسربل على كلّيتها في مدى مفتوح من عتمة غير مرئية يجلوها المكان نفسَاً، وكأنه ينبت صاعداً حتى السماء، لنصل المكان المعتبَر: المطعم الذي يخصه، ويديره هو ورفيقة دربه اللالشية أم رويار، ومن بقية اللالشيين الطيبين في المربع الألماني الفسيح ذاك: أديبة ومانييل وفوزي، وليكون داخل المطعم المجاور للطريق المغري بالنظر، حيث غناء كردي كان محمد شيخوياً، يقلب كينونة المكان، رغم كل الكلمات التي تعرّف بألمانيته أو جرمانيته.
لحظات، ويغيب هوشنك الكاتب والشاعر، لحظات ويحضر هوشنك وفي رفقته، أو معه ذو الشعر الفائض على الهامة، والذقن : العثنون ، عشية التكوين، والنظارة التي تخفي عينين قناصتان من وراء حجاب بللوري شفاف، ليكون للمكان المزيد مما هو مشتهى.
يستعد المطعم لنا، لا يعود أحد ، إلانا، يعلن الليل أوله المنير، إلى آخره النمير، تغيب في المكان ألمانيا، لحظة البدء بالتواصل معاً، بحثاً عن أشواق شتاتية، كل من موقع مستكمَل بالآخر، حيث الداخل فاض بدفيء الطعام، ووضيء المستطعم، ورحب اللغة، التي ظننتها في عفوية بثها الليلية، حاضرة المكان منذ طويل الزمن.
لا أتحدث عن مفاضلات القول، أو بدائع المأكول، فأنا على يقين، في أن كل التقيت به، ممن أعرفهم، أو يعرفونني، كان يتقدم هو ومن معه: رفيقة درب، أو شقائق روح، أو صحابة مصير....الخ، هذا الذي يمارس تفكيك الغربة وتأهيلها بجماليات روح كردية ما، هنا، بقدر ما أتحدث عن شهوة المختلف الأنسية، عن الباع الطويل لكل منهم، في الإحاطة بالمكان، وكيف تستحيل الوحشة مداداً مؤمّّماً بما هو منتظر، تخفيفاً للروح من عناء لا يحاط به تأويلاً.
ربما كان الفنان زبير يوسف، عاشق النحت والصور، أو الصورة والصوت، هو المستثنى في خانة الاختلاف الجدير بالتذكير، ومن خلال انسياب الصوت الذي نُحت من روح حلقت في المكان، وألبستني الكثير من يخضورها المتماوج، وهو يتداخل مع صادر حي، مؤكداً طبعاً مِن فيه هوشنك وعائلته الموقرة المقدرة، ومن يحيطون بهم، كما همو الخارجون مما هو مادي أرواحاً تكتشف صورها، وهي تثب في المكان.
لا أتحدث عن هوشنك الذي تبصرته مديداً، قبل أن أبصره، من خلال كتاباته النثرية والشعرية ، بالعربية قليلاً( بصدد الجانب النثري)، وبالكردية كثيراً، وكأنه استثناء مكاني، إن كل من التقيته، يملك صورة خاصة عن المكان، كلٌّ لديه دفتر أحواله: أقوالاً وأفعالاً، مازلت مصراً على المختلف، وعنفوانيته المقدامة طبعاً.
في الليلة تلك الخارجة عن طورها، من خلال المطوَّر فيها، حضر الكثير مما كان معاشاً خارج دفة الألمانية، إنما دون أن تغيب الألمانية بمظلتها الظليلة، كان هوشنك يفيض حديثاًعما هو كبير في المكان، في الانسان، في الزمكان، عن الكردي مثالاً، هذا الذي يصلح لأن يكون مادة للنظر في أكثر من مجال، الكردي المتحوَّل ألمانياً، بلجيكياً، سويدياً، فرنسياً، دانمركياً، نرويجياً، نمساوياً... أيا كان، لأنه الخارج قهراً، أو هدراً من المكان الذي يحفظ عليه كرديته، وهو موسوم به، ليلفظ فيه كرديته، أوكينونته، لأنه ملغوم فيه، فتتنوع أمكنة المكان، أمكنة الكردي الذي يجد نفسه طواعية كل من ذكرناهم، وإن يستثقلوا عليه سهولة التحول، دون أن يدركوا مأسويته.
يشدد هو على المكان الذي آواه، إلى إشعار آخر، ليكون للوطن بعد وجداني مختلف، وتزكية للقيمة الأخلاقية الخلافية للوطن هذا، ومتى يمكن للوطن أن يشد على الوطني فيه، وكيف يراهن على المكان الذي تلمس فيه الكثير مما هو انساني فيه.
يلوح زبير فيض صوت ، في هيئة نحات قول، أو وهَّب صوت لـه منحنياته في تلوين الفراغ المكاني، ربما بتأثير من وجع، أو تدبير من خصلة روحية، وعبر العود الرخيم والمتجاوب مع الكردي المنفي داخله، دون نسيان المشروب الذي خلط الوعي باللاوعي، وحرر الزمان من حدوده، ليتسنى للروح المعذبة، أن تجلو بعضاً من حضورها الطليق، حيث يتهادى مقام الجليلة بقدرها أم رويار، والعذبان بروحيهما: مانييل وأديبة، في انسيابية الصوت دفق رواء ٍ، وفراهة تجاذب أطراف الحديث حتى مطلع الفجر.
بشر بأمكنتهم، وأمكنة تتحدث بأصوات بشرها، وحدود تختلط، وتنفرد بمواقعها أصولاً في أصول، وتتفرع الطرق لتوحد ما بين الفصول هذه، كما هو المكان الذي ينفتح على مختلَفاته : يابسة وماء، منبسطاً ومرتقىٍ، وفي الكل يجد الكردي نفسه، كغيره من رحالة المسافات الطويلة، في زحمة الرؤى، في منعطف المشاعر المتداخلة، كلما اتكأ إلى مدينة، ومد روحه المكانية إلى مدينة في مغرب أو مشرق منها، وعلى مسافة يقدرها القلب وهوى الأحبة ممن هم أليفو الصوت والصورة مسبقاً، أو بعد حين يسير من الزمن، ولتغتني الحروف بنقاطها في سفر الأمكنة، ونحن نيمم شطر إيسن، حيث صحبنا المؤتلقون هناك : مروان ومحمد بداية، في انتظارنا، ويكون الطريق الذي تطويه سيارة هوشنك طياً، بحضور شجي الصوت زبير وبهية الروح أم رويار، فاصلة من الفواصل الكبيرة في موسوعة الوجوه الكبرى ممن تناثرت أسماؤهم هنا وهناك .
أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]