عندما يتناهى إلى سمع أحدنا لفظة "الربيع"على الفور تتملكه – لا شعوريا
ً – حالة من الفرحة وجملة من الأحاسيس والمشاعر الجميلة ، كون الربيع يختزل
كلّ القيم الجمالية ، يحمل بين ثناياه العذوبة والاخضرار ، والرقة .
رغم طبيعة كردستان التي تشبه ربيعا ً دائما ً، ورغم أزلية العلاقة بين
الكرد و الربيع وحميمية تلك العلاقة فأغلب مناسبات الكرد يحتضنها الربيع ،
رغم كل هذا وذاك ما زال الربيع غائبا ً عن الواقع الكردي ، وإن هلّت
تباشيره الأولى على جزء من كردستان ، لكن تبقى بقية الأجزاء في حالة خصام
مع الربيع ، ليبقى الفرح الكردي غائبا ً مهاجرا ً بينما الحزن الكردي
يتمايل ألما ً يقود دفة المشاعر الكردية ، هل نلوم القدر ونحمّله المسؤولية
بأنه هو الذي وهب الكردي إلى الدنيا، ولم يهب الدنيا له !؟ ، أم أن الكردي
يتحمل مسؤولية واقعه الأليم ؟.
دعونا نلقي نظرة موضوعية على الواقع الكردي .
يصف الكاتب الأرمني " أبوفيان " الكرد بأنهم فرسان الشرق ، وهذا الوصف فيه
كل ّ الحقيقة .حيث يمتلك الكردي كل صفات الفروسيّة والشجاعة والإباء وعزّة
النفس والتضحية . لكن في الغالب كان الكردي يستخدم هذه الفروسية في الدفاع
عن قضية ليست قضيته ، كان يرتضي لنفسه أن يلعب دور الأداة بيد الآخرين ،
هؤلاء الآخرين كانوا على الدوام خصومهم ، بدلا ّ أن يكون صانعا ً للتاريخ ،
ليبقى منخرطا ً في علاقة تبعية مع الدول المحيطة بكردستان .
ربما يقول القائل أن هذه الدول كانت مسيطرة على كردستان وكانت من الدول
القويّة في المنطقة في ذلك الوقت ، هذا الكلام فيه جزء من الحقيقة ، كون
سيطرة هذه الدول اسمية ، ذلك لصعوبة جغرافية كردستان الجبلية ، ولوعورة
تضاريسها ، التي كانت قادرة على هزيمة أعتى العتاة ، ورد أقوى الجيوش .
لكن من أهم الأسباب الذي جعل الكرد يعيشون على هامش التاريخ وخارجه هي
العوامل الذاتية . مع عدم انكار دور العوامل الموضوعية وأهميتها القصوى
.سيقتصر التر كيز في هذه المقالة على العقلية الكردية العشائرية التي ساهمت
في ترسيخ النزعة الفردية في العلاقات الاجتماعية بين الكرد أنفسهم . هذا
يعود إلى تركيب العشيرة الكردية حيث كانت غالبية العشائر الكردية تقوم على
وحدة المكان والقليل منها تقوم على وحدة النسب ، ويتضح ذلك في بنية العشيرة
الكردية في القرن الماضي والقرن الذي سبقه .
كانت العشيرة الكردية تتكون من فئتين متمايزتين ، لا ترتبطان برابطة النسب
، هما :
1- فئة الرؤساء " طبقة المحاربين"
2- فئة أفراد العشيرة " الطبقة العامة "
كانت العلاقة بين هاتين الفئتين علاقة تحكمها منطق القوة ، حيث كان رئيس
العشيرة له السلطة المطلقة ، يقول مينورسكي أنه في كثير من مناطق كردستان
ينظر إلى الآغا الرئيس كأنه الغازي المنتصر ، وإلى الرعية كأنها من جنس آخر
.
أما ملنجن فقد وصف سلطة الرئيس العشائري بقوله : أن رئيس العشائري الكردي
هو دكتاتور مطلق ، لا حد لسلطانه وبوسعه أن يصادر ممتلكات أي فرد عشائري ،
وان يأمر بقتله متى ما وجد ذلك مناسبا ً.
مرد هذه العلاقة السلبية بين رئيس العشيرة وبقية الأفراد عائد إلى أن جميع
أفراد العشيرة لم يكونوا من نسب ٍ واحد .مما أدى إلى فقدان الروابط
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وانعدام الالتزامات العشائرية أو ندرتها
في حال وجدت .
لذك لم تستطع العشيرة الكردية القيام بوظيفتها كوحدة سياسية واجتماعية
وفشلت في إيجاد قيم وتقاليد راسخة كانت ضرورية في ذلك الوقت مثل الدفاع
العام عند الخطر ودفع الديّة من قبل جميع أفراد العشيرة ....الخ
بالتالي لم تستطع العشيرة الكردية خلق روح الجماعة والتعاون بين أفرادها ،
عكس عشائر الشعوب الأخرى في منطقتنا بل ساهمت العشيرة الكردية في رسوخ الـ
أنا والنزعة الفردية لدى الإنسان الكردي وليفتقد هذا الإنسان إلى المثل
والقيم العليا التي كان من المفروض أن يؤمن بها ويدافع عنها حتى النهاية .
رغم اضمحلال دور العشيرة ككيان اجتماعي في الوقت الراهن مازالت العقلية
العشائرية تتطفل على المخيال الثقافي الكردي ، تحاول أن تعيد نفسها وفق
مسميات جديدة وما زالت تلك العقلية الماضوية والثقافة التغالبية والتفكير
والسلوك الفردي وليس الجمعي تلقي بظلالها على شخصية الإنسان الكردي ، مما
جعل الإنسان الكردي يعاني من حالة ازدواجية في الشخصية ، فهو من جهة ما زال
أسيرا ً لتلك العقلية الماضوية العشائرية ومن جهة أخرى يحاول أن يتمثل
القيم الحضارية وقيم المجتمع المدني . من ناحية ، يطالب بالحقوق القومية
لشعبه . من ناحية أخرى ، غير مستعد للمعاناة والبذل والتضحية ، يعود ذلك
كما يرى المفكر العراقي " علي الوردي " إلى التنشئة الاجتماعية التقليدية
والاندفاع العاطفي وراء الشعارات الفارغة التي تختفي وراءها شخصية زقاقية
لا تكاد تمس بعض أوتارها الحساسة حتى تتحول إلى شخصية مغايرة تماما للشخصية
الأولى .
أكثر ما تظهر العقلية العشائرية الماضوية عند النخب السياسية و الثقافية
والاجتماعية الكردية حيث ما زالت تعشعش في أذهانها تلك الرواسب العشائرية
لتبقى هذه النخب فاقدة للهدف البعيد ، لا تملك منظومة فكرية تعمل وفقها
مشغولة بالصراعات الجانبية والخلافات الشخصية ، غير قادرة حتى الآن أن تكون
أداة تطوير وتوحيد للمجتمع الكردي ، همها الحفاظ على مواقعها الوهمية،
المحرك الأساسي لفعلها الأخلاقي المصلحة الذاتية ،عاجزة عن قيادة المجتمع
الكردي لأنهم يكررون أفكارهم وذاتهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء مراجعة
نقدية تساهم في إحداث تغيير في الأفكار والرؤى . لكن أحداث التاريخ تثبت
دائما ً أن من يتقاعس عن طلب المستحيل لن يتوصل حتى إلى الممكن .
القوى الصاعدة في المجتمع الكردي لن ترضى لهذا الواقع وهي تملك من الإرادة
والوعي والعزيمة والتصميم مما يمكّنها من إحداث نقلة نوعيّة في الواقع
الكردي ، وكسر القيود التي تعطّل انطلاقتها من خلال أعطاء الأولوية لقيم
الحوار الهادف والنقد الذاتي البناء والعمل الجماعي لروح الفريق الواحد
انطلاقاً من مصلحة المجتمع الكردي أولا ً وأخيرا ً .