1 - هل هناك وجه شبه بين حزب الله ومقاومة هولندا للنازي؟
أثار زعيم الحزب الاشتراكي الهولندي يان مارينسيين ضجة كبيرة في هولندا
عندما قارن ما بين الإرهاب في الشرق الأوسط وبين حركة المقاومة الهولندية
في فترة الحرب العالمية الثانية، وقال أن الحركتين متشابهين إلى حد كبير.
وقد أصيب مارينسيين بالدهشة حيال السخط الكبير الذي أثاره ولكنه ربما كان
يعلم أن الموضوع الإسرائيلي – الفلسطيني ليس بالموضوع الحساس في الشرق
الأوسط فقط ولكن في هولندا أيضا.
" في الحرب العالمية الثانية فجر الهولنديون مباني البلديات (الحكومة
المحلية) لإنقاذ اليهود الذين كانت هذه البلديات تحتفظ بقوائم بأسمائهم. إن
هذا لا يختلف كثيرا عما يحدث في الشرق الأوسط. إن الأصولية الإسلامية هي
الأخرى تعد بمثابة رد فعل على الاحتلال الذي تمارسه إسرائيل، والدعم
الأمريكي للأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط. أنا ضد العنف بالطبع، ولكن
سيكون من الغباء عدم فهم المرء كيفية عمل هذه الألية".
كانت هذه الفقرة، المنقولة من حوار أجرى مع مارينسيين ونشر في مجلة الإثارة
"بينتهاوس، هي التي أثارت النقاش.
فقد قال زعيم إحدى الجماعات التي تمثل المقاومين: "إن ملاحظات مارينسيين
تظهر القليل من الاحترام لهؤلاء الذين حاربوا في صفوف المقاومة."
كما تحدثتا افتتاحيتا صحيفتين هولنديتين عن "الإساءة التي تسبب فيها" “وكان
يجب عليه أن يعرف أفضل".
وتشدد صحيفة تراو على أن هذه المقارنة لا تزال مؤسفة جدا، وفقا للصحيفة فإن
مارينسيين يقول بأن الغاية تبرر الوسيلة في حالة حركة المقاومة، ولكن، وكما
تقول الصحيفة، فإن حركة المقاومة الهولندية لم ترتكب أي فعل عنيف ضد
المدنيين، مثلما تفعل الحركات الإرهابية في الشرق الأوسط، وفي الواقع –
والكلام للصحيفة- فإن مدنيين أبرياء قتلوا على يد قوات الاحتلال الألمانية
كنوع من الانتقام، وهكذا فلا يمكن على الحكم على أفعال المقاومة أو الحرب
أو الإرهاب؛ بناء على الغايات بل على الوسائل وما يسببوه من معاناة.
وتقول صحيفة تراو أن زعيم الحزب الاشتراكي تفاجأ كثيرا بالجدل الذي نتج عن
تعليقاته، ولكن كان يجب ألا يندهش؛ فالموضوع الإسرائيلي – الفلسطيني ليس
بالموضوع الحساس في الدول العربية، وإسرائيل فقط ولكن في هولندا أيضا.
فأي نائب يتحدث عن هذا الموضوع، يمكنه أن يتوقع الكثير من ردود الفعل
والتعليقات؛ ففي الماضي كانت الحكومة الهولندية ترتبط بعلاقات وثيقة مع
نظيرتها الإسرائيلية، كما كان الرأي العام يميل دائما إلى جانب إسرائيل،
وهذا ما تغير في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت وزارة الخارجية
الهولندية تولى الاهتمام للقضية الفلسطينية.
ومنذ ذلك الوقت والنواب والوزراء منقسمون أكثر في وجهات نظرهم في هذا
الموضوع ويعبرون عن هذه الآراء بوضوح وكذلك الشعب الهولندي الذي لا يبدو
اقل انقساما من قادته السياسيين حول الميل للإسرائيليين أو الفلسطينيين.
وقال مارينسيين في تعليق أخير أنه كان يرغب فقط في أن يقول أن الناس الذين
يتعرضون للقمع لسنوات، دون أمل سيختارون المقاومة دائما. كيف ستكون تلك
المقاومة؟ سيظل هذا مختلف دائما. "أني أشمئز من الإرهابيين الذي يسفكون
دماء الأبرياء."
وصرح مارينسيين بأنه لا يتفهم أساليب ومناهج حركة حماس وحزب الله : نعم يجب
محاربة حزب الله، ولكن يجب أن نوفر للناس املا وافقا للمستقبل. وهذا هو ما
لا يحدث في الوقت الراهن.
2 - القاعدة تبحث عن موطئ قدم في لبنان
كما كان متوقعا ولج تنظيم القاعدة أرض (الجهاد) اللبنانية من خلال شريط
فيديو للرجل الثاني فيه المصري أيمن الظواهري، بثته أمس قناة الجزيرة
القطرية، يحث فيه المسلمين على الجهاد في فلسطين ولبنان. ويتوعد إسرائيل
وأميركا والحكام العرب، قائلا:" إن تنظيم القاعدة لا يمكن أن يقف مكتوف
الأيدي وهو يرى كل القذائف تصب حممها على أهلنا في فلسطين ولبنان".
كان الكثيرون يتساءلون حول أسباب تأخر تنظيم القاعدة في الاستجابة لما يحدث
في لبنان، ويلمحون إلى ارتباط ذلك بالخلاف المذهبي لـ "القاعدة" السنية
السلفية مع حزب الله الشيعي، لكن بعض المراقبين يرون أن فترة الأسبوعين
التي مضت منذ بدء الحرب في لبنان ليست كثيرة لتسجيل شريط في مخبأ في الحدود
الباكستانية الأفغانية وإرساله إلى قناة الجزيرة في قطر.
وإن كان الظواهري قد لمح إلى عرض تحالف مع حزب الله في لبنان "إقامة تحالف
لكل المستضعفين في الأرض، لمواجهة الظلم والطغيان حتى تُرد الحقوق لأصحابها
ويسقط رمز الظلم في تاريخ بني البشر". لكنه لم يشر للحزب الشيعي بالاسم في
شريطه الأخير، ربما تجنبا لما سيتسبب به من تداعيات في جبهة القاعدة في
العراق التي تحارب وتكفر الحكومة الشيعية، وتشن حربا ضد الشيعة عموما في
العراق. وهو تحالف إن حصل فسيكون مؤقتا، وأشبه بتحالف التنظيم غير المعلن
في العراق قبل عامين مع تيار الصدر الذي لم يذكره الزرقاوي بالاسم في أي
خطاب له طوال السنوات الثلاث التي قضاها في العراق زعيما لتنظيم قاعدة
الجهاد في بلاد الرافدين. وقد كفره فيما بعد وناصبه العداء منذ دخول تيار
الصدر للحكومة العراقية عام 2005 وتوقفه عن مقاتلة الأميركان والقوات
العراقية. لكنه حث أيضا على دعم الجهاد في العراق؛ لأنه " يتميز بميزة قربه
من فلسطين، فيجب على المسلمين دعم مجاهديه من أجل إقامة إمارة إسلامية
مجاهدة فيه، تنقل الجهاد إلى حدود فلسطين". واصفا العراقيين غير المقاتلين
أميركا بالخونة. وهو ما يمكن أن ينطبق على حزب الله الذي يكتفي بمقاتلة
إسرائيل وفقا لما يعلنه قادته.
والقاعدة لم تنس لحسن نصر الله إدانته لتفجيرات11 سبتمبر 2001، وبعدها
إدانته لعمليات ذبح الأجانب، خاصة شجبه نحر الرهينة الأميركية نيكولاس بيرج
عام 2004، تلك الإدانات التي رد بعدها الزرقاوي واصفا حزب الله بحزب
الشيطان. وسيكون أي مديح لاسم حزب الله أو نصر الله في خطابات القاعدة دحضا
لتكفيره من قبل أميرها السابق في العراق أبو مصعب الزرقاوي وإرباكا
للتبليغات السلفية التي تصف الشيعة روافضا (أشد خطرا على الإسلام من اليهود
والصليبيين).
الظواهري انتظر أسبوعين ليرسل شريطه حول لبنان للجزيرة، بعد أن ظهر له مدى
الشهرة التي نالها حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله من خلال ظهوره في
شاشات التلفزة العربية، خاصة الجزيرة متحديا إسرائيل وأميركا والعرب
ولم يكن من المتوقع أن تترك القاعدة هذه الفرصة لتفلت منها، هي التي تدرك
أكثر من غيرها خطورة واهمية الإعلام ولجت المشهد اللبناني بخطاب الظواهري
تمهيدا لخطاب أشمل يجهزه على الأغلب زعيم التنظيم أسامة بن لادن. إذ يعتبر
التنظيم نفسه مسؤولا عن شؤون المسلمين جميعا. ولابد أن يدلي بدلوه في كل ما
يحدث في بلاد المسلمين، ولن يدع شخصا مخالفا كنصر الله يحوز كل هذه الأهمية
والإعجاب من عوام المسلمين الذين هم هدف خطابات تنظيم القاعدة. شكلت الفتوى
الوهابية للشيخ السعودي عبد الله بن جبرين الأسبوع الماضي والتي كفر فيها
حزب الله إرباكا لعوام المسلمين، خاصة بعد رفض جماعة "الإخوان المسلمين" في
مصر لها من خلال نائب المرشد العام للإخوان المسلمين محمد حبيب الذي
اعتبرها في غير أوانها قائلا: "هذه الفتوى في الواقع ليس هذا أوانها وليس
هذا وقتها وظرفها"، وإن حزب الله يدافع عن لبنان ويصد عنها الإسرائيليين.
لبنان هي المعني بخطاب الظواهري أكثر من غيرها، ويرى العديد من المراقبين
أن حشر اسم فلسطين فيه استهدف الإيحاء بشمولية الخطاب القاعدي واهتمامه
بالشأن الفلسطيني؛ لأنه لم يبد اهتماما كبيرا بما يحدث في غزة.
وبالرغم من وجود خلايا لتنظيم القاعدة في غزة ـ وفقا للرئيس الفلسطيني
محمود عباس ـ إلا أنه من المستبعد أن تحصل على قاعدة تأييد واضحة في مجتمع
معبأ ومسيس ومتوتر أصلا، ولا يمكن أن تجد موطئ قدم تزدهر فيه إلا إذا حدثت
فوضى شبيهة بتلك التي تسود في العراق وبشكل أقل في أفغانستان.
وليست للقاعدة فرصة كبيرة في لبنان حيث يتوطد النفوذ السوري وسط المسلمين
السنة، ولسوريا أسباب أكثر من كافية للتوجس من القاعدة، بالرغم من تغاضيها
بعض الأحيان عن أنشطة سلفيين متطرفين في طريقهم للعراق كيدا للأميركان
هناك.
لكن تدهور الأوضاع الأمنية وفقدان الحكومية المركزية لسيطرتها في لبنان،
إذا حدث، قد يسمح لبعض القاعديين أن يمدوا جهادهم من العراق إلى لبنان،
وقوفا على تخوم " أرض فلسطين"، كما جاء في خطاب الظواهري.
ومن المدهش في خطاب الظواهري دعوته إلي استرداد الأراضي التي كانت للمسلمين
في يوم ما، وإشارته تحديدا إلى الأندلس (في أسبانيا الحالية ) مما أضفى على
خطابه طابعا سورياليا ضاعف من غموض شخصه وتنظيمه.
3 - يوسف لبيد: بيروت لا تتحمل مسئولياتها
يشير السيد لبيد إلى أن بلاده تدفعها الحاجة لحماية نفسها. كما يرى السيد
لبيد الأمر، فإن السبيل الوحيد لوضع نهاية واحدة وأبدية للهجمات على
المدنيين الإسرائيليين هو تدمير ميليشيات حزب الله وأسلحتها وتجهيزاتها.
ويعتقد الوزير الإسرائيلي السابق أنه لا يوجد طرف غير إسرائيل مستعد
لمحاولة وضع حد لعدوان حزب الله. كما يشير إلى أن الحكومة اللبنانية في
بيروت فشلت وتفشل في الاضطلاع بمسئوليتها من خلال هذا السياق؛ فيقول: "نحن
نرغب – ومن الغريب فعلا أنه يجب علينا أن نطلب هذا – في ضرورة تحكم الحكومة
اللبنانية ببلادها؛ فلا يمكن أن تدع هذه الحكومة حزب الله يقصف المدن
الإسرائيلية، ثم تعلن أنها لا تستطيع أن تكبح جماحه؛ فلو تعرضت أمستردام أو
لاهاي لقصف من قبل بروكسل ثم أعلن رئيس الوزراء البلجيكي أنه غير قادر على
وضع نهاية للأمر، ألن يكون عندكم وقتها مشكلة مع هذا الأمر".
دولة داخل دولة
ووفقا لرؤية السيد لبيد، فإن هذا هو السبب الذي يجب عليه أن تساعد إسرائيل
حكومة بيروت لكي تحكم الأخيرة قبضتها بصورة أفضل على أراضيها؛ فهناك حاجة
لحكومة أكثر قوة؛ لأنها – الحكومة الأقوى – ستكون قادرة على نزع سلاح حزب
الله، الذي يعتبره العديد – سواء في داخل لبنان أو خارجه ـ أنه يعمل كدولة
داخل دولة.
ومع ذلك فإن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ـ على سبيل المثال ـ
يعتقد أن هناك سبلا أخرى لوقف القتال؛ فلعدة أيام طالب عنان والعديد من
زعماء الحكومات الأخرى بجانب شخصيات بارزة بنشر قوات حفظ سلام على الحدود
بين إسرائيل ولبنان.
وعلى الرغم من أن السيد لبيد يعتبر هذا الحل لفتة حسنة النية؛ إلا أنه لا
يوافق على الإطلاق عليه؛ لأنه يعتقد أن هذا الحل لن يجدي. وهو ما يشرحه
قائلا: "إن هذا الحل سيدع حزب الله يستمر في إطلاق صواريخ الكاتيوشا من فوق
هذه المهمة الدولية، ولكنه سيمنع إسرائيل من الرد؛ لأن إسرائيل تلتزم
بقرارات الأمم المتحدة. وهكذا فإن هذا الطرح سيكون بمثابة حل من جانب واحد؛
حيث ستدافع القوة الدولية عن لبنان، ولكنها لن تدافع عن إسرائيل".
دون تمييز
وتتعرض بيروت حاليا للقصف منذ عشرة أيام؛ فقد أدت الهجمات الجوية
الإسرائيلية إلى ترحيل الأجانب ونزوح عدد كبير من اللاجئين اللبنانيين من
العاصمة بيروت إلى أمكان أخرى في لبنان أو الدول المحيطة بها. وقد أصابت
الصواريخ والقذائف الأحياء التي يسكنها شيعة ومسيحيون على السواء. ويتعرض
سلاح الجو الإسرائيلي لانتقادات من عدة جهات مختلفة؛ بسب ممارسته للقصف دون
تمييز، وهو ما ينفيه لبيد إن هؤلاء المنتقدين يمارسون التفرقةبشكل كبير؛
فما يحدث هو أن قواتنا الجوية تقصف الشاحنات العملاقة التي تجلب الذخيرة
إلى حزب الله من سوريا؛ فهذه الشاحنات التي تجلب الذخيرة من إيران إلى دمشق
إلى حزب الله يتم إبقاؤها في الأحياء المسيحية، على افتراض أن إسرائيل لن
تضربها؛ فلو قصفت إسرائيل هذه الأحياء فإن هذا سيدفع المسيحيين في مواجهة
إسرائيل. إن الأمر ببساطة هو مناورة يقوم بها حزب الله".
يبدو أن الصراع مع حزب الله الآن بدأ في التوسع على نطاق بري واسع؛ فقد
استدعى الاحتياط الإسرائيلي، وتلقى المواطنون اللبنانيون الذين يعيشون
بالقرب من الحدود مع إسرائيل منشورات عاجلة من إسرائيل تدعوهم إلى مغادرة
المناطق. ويعترف الوزير السابق بأن حزب الله لن يدمر كليًّا، ولا يوجد حل
عسكري لهذا. ولكن لا تبدو نهاية هذه الحرب في الأفق القريب.
4 - الشرق الأوسط على شفا حرب جديدة
أزمة جديدة تفجرت في الشرق الأوسط، يعرف الجميع كيف بدأت ولكن لا يعرف أحد
إلى أين تنتهي.
مصدر الأزمة ثلاثة جنود إسرائيليين خطفوا، الأول في غزة الفلسطينية،
وأعقبهم بأيام اثنان آخران في الجنوب اللبناني، تواجه الحكومة الإسرائيلية
على إثر ذلك مأزقا حادا، وإحراجا غير مسبوق لقيادتها، خاصة وأن تكرار خطف
الجنود خلال فترة قصيرة أدى إلى إشاعة حالة من عدم التوازن داخل مؤسسات
الدولة العبرية.
لذلك كان رد الفعل الإسرائيلي، في الناحيتين الفلسطينية واللبنانية مفرطا
في القوة والانفعال في الوقت نفسه، استهدفت خلاله البنية التحتية
الفلسطينية واللبنانية واستهدفت مدنيين، تحت تفسيرات مختلفة، ورغم هذه
القوة المفرطة لم تحقق العسكرية الإسرائيلية هدفها النهائي المعلن، وهو
تحرير جنودها على الجبهتين، بل إنها فقدت جنودا ومدنيين آخرين بين قتيل
وجريح، نتيجة قصف حزب الله لمناطق في شمال إسرائيل، وكذلك قصف بارجة حربية
إسرائيلية، قبالة سواحل لبنان بصواريخ الحزب، كانت حصيلتها المبدئية فقد 4
جنود، أعلنت إسرائيل مؤخرا، العثور على جثة أحدهم.
هذا الاستخدام الإسرائيلي المفرط للقوة العسكرية، قوبل في بعض الأحيان
بتفهم دولي، وفي أحيان أخرى باستهجان وتساؤل عن المبرر من استهداف منشآت
مدنية وبنى تحتية، كمحطات الكهرباء والجسور والمطارات الدولية، وهو
الانتقاد الذي مثله دوليا الرئيس الفرنسي "جاك شيراك" الذي تساءل عما إذا
كانت هناك نوايا لتدمير لبنان، معتبرا أن الصراع بين إسرائيل وحزب الله غير
متكافئ؛ فالعمليات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي تبدو وكأنها عمليات عقاب
جماعية، تتعمّـد استهداف المدنيين، بصرف النظر عن النتائج طويلة المدى،
المتعلقة بإمكانية التعايش في المستقبل.
كذلك جاء الموقف الروسي، الذي أكد على لسان الرئيس "فلاديمير بوتين" أنه
"لا يمكن تبرير التدمير المستمر من جانب إسرائيل للبنية التحتية المدنية في
لبنان والأراضي الفلسطينية، باستخدام القوة المفرطة التي يقابلها معاناة
المدنيين".
أما واشنطن فسارعت لمساندة الدولة العبرية، معتبرة أن من حقها هنا الدفاع
عن نفسها، في مواجهة ما وصفه الرئيس الأميركي "جورج بوش" بـ "مجموعات
إرهابية لا تريد أن يحل السلام"، لكنه أشار إلى أن عليها ألا تضعف الحكومة
اللبنانية.
الرئيس الأميركي بموقفه هذا وبرغم دعوته لضبط النفس، إلا أنه منح إسرائيل
ضوءا أخضرا لشن الحرب، وإلى أجل غير مسمى، مطالبا سوريا بالضغط على حزب
الله لإطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين، معتبرا أن ذلك سيحدد ما إذا كانت
لديها نية حقيقية في تحقيق السلام.
سوريا التي تواجه ضغوطا دولية واتهامات أميركية وإسرائيلية بمساندة حزب
الله وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" ـ طرفي المواجهة الحالية مع إسرائيل
ـ أكدت على لسان سفيرها في لندن "سامي الخيامي" على وجود اتصالات مع حزب
الله؛ للتوصل إلى تهدئة للموقف، غير أنه أشار في الوقت نفسه إلى تطلعات
الحزب "التي يجب احترامها ـ على حد قوله؛ داعيا الجانب الإسرائيلي بوقف
"إرهاب الدولة" والعودة لمائدة المفاوضات للإفراج عن المحتجزين من
الجانبين.
أما الموقف الأوروبي فكان متفقا مع بعض المواقف الدولية التي أعربت عن
القلق البالغ للاستخدام المفرط للقوة من جانب إسرائيل في لبنان، داعيا كافة
الأطراف إلى بذل الجهود لوقف العنف والوضع المتدهور في المنطقة، كما جاء
التحرك الأوروبي على الأرض أيضا، من خلال إيفاد المنسق العام للسياسة
الخارجية الأوروبية "خافيير سولانا" إلى منطقة الشرق الأوسط في محاولة
للتوصل لتهدئة بين الأطراف المتنازعة.
عربيا، جاء الموقف متباين ومختلف في بعض الأحيان، إلا أن جميعها رفض
الإفراط الإسرائيلي في استخدام القوة، وإن كان هناك بعض اللوم لحزب الله
وحركة "حماس" باعتبارهما الجانبين اللذان بدأ هذه الأزمة باختطاف جنود
إسرائيليين.
الموقف السعودي كان مفاجأة للبعض في الأوساط العربية، عندما اعتبر ما حدث
مغامرة غير محسوبة من قبل حزب الله، وأن الوقت قد حان لأن يتحمل الحزب وحده
المسؤولية الكاملة عن التصرّفات غير المسئولة، وإنهاء الأزمة التي أوجدها.
ولم يختلف موقف مصر والأردن كثيرا عن الموقف السعودي؛ حيث حذر الرئيس
المصري والعاهل الأردني من "القيام بأعمال تصعيدية غير مسئولة، تستهدف جر
المنطقة إلى أوضاع خطيرة وتورطها في مواجهات غير محسوبة، تتحمل تبعاتها دول
المنطقة وشعوبها"، غير أنهما أدانا العمليات العسكرية الواسعة للقوات
الإسرائيلية وطالبا بوقف التعرض للمدنيين واستهداف المنشآت والمرافق
الحيوية اللبنانية والفلسطينية، مشيرين إلى تناقض ذلك وقواعد الشرعية
الدولية ومبادئ القانون الدولي الإنساني.
وينتظر أن يصدر اليوم بيان عن اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد حاليا
بمقر الجامعة العربية بالقاهرة؛ لمناقشة كيفية احتواء الأزمة، وبرغم
التباين في الموقف والقلق الذي ينتاب بعض هذه الدول من الدور المتنامي
لإيران في المنطقة ـ من خلال حزب الله ـ إلا أن المتوقع أن يطالب الوزراء
بوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ووقف استهداف المدنيين وإنهاء هذا
الوضع المأساوي الذي تمر به المنطقة.
التصعيد الإسرائيلي والإعلان الذي صدر في المقابل عن حزب الله على لسان
أمينه العام "حسن نصر الله" بالدخول في حرب مفتوحة مع إسرائيل، قد يعني أن
الأمر تجاوز مسألة استعادة الأسرى بين الجانبين، وقد يفتح الطريق أمام
احتمالات أكثر سخونة من المحتمل أن يأتي الدخول الإيراني ـ السوري على خط
الأزمة أحدها.
ولكن النتيجة النهائية في حال فشل الوساطات الدولية لن تكون سوى حلقة أخرى
من حلقات الصراع والحرب في المنطقة، قد لا تضع أوزارها، إلا إذا ما نجحت
هذه التدخلات في التوصل إلى تفاهمات مرضية.
السيناريوهات المطروحة إذن تدور حول دور ما لمجلس الأمن الدولي من خلال
الضغط لتطبيق القرار 1559 الخاص بتجريد حزب الله من سلاحه، مقابل العمل على
وقف الحرب، كذلك هناك جانب مطروح لدور فرنسي روسي أوروبي ليتولى مسئوليته
الدولية، قد يتوصل خلالها لإبرام صفقة ما حول تبادل الأسرى بين الجانبين.
أما إذا دخلت سوريا على خط الأزمة، فسيكون موقفها في صراع، من رغبتها في
تعزيز علاقاتها مع واشنطن، وهو ما يتطلب بدوره تنازلات من "حزب الله"، وبين
استفادتها الجيوسياسية من استمرار وجود "حزب الله" كشوكة في حلق إسرائيل،
ودعمها لمطالبه الخاصة بالإفراج عن الأسرى اللبنانيين.