مبدأ سيادة القانون ومُفترضها الأساس
 

باوار كرداغي

عفرين - ت 30.07.06

عند التحدث عن مبادئ أولية للمجتمع والدولة، يتبادر إلى الذهن والإدراك مفاهيم عدة منها الديمقراطية وحقوق المواطن والعدالة الاجتماعية والمساواة بين أفراد الوطن الواحد وممارستهم لسلطة الحكم وعدم الإقصاء واحترام الرأي الأخر..إلا أن من أولويات هذه المفاهيم والمبادئ وأشدها تعقيداً هو مبدأ سيادة القانون في الدولة كمُفترض أساسي والمعايير في تصنيف المجتمعات والدول والحكومات، فما هو المقصود به وعنصريه ومُفترضه...

المقصود بسيادة القانون: هي مجموعة من القواعد القانونية الآمرة والناهية، والنظم الأساسية التي تُنظم العلاقات في المجتمع ضمن الدولة، ومدى ترابط هذه العلاقة بين تمتع وحماية الأفراد بالحقوق الفردية والعامة في مواجهة تحديات وقمع ممارسات السلطة السياسية في الدولة -وبالواقع- تُهدر كرامة وحقوق وحريات المواطنين الفردية من خلال تبريرات وضرورات ممارسة السلطة بالقوة والتعسف في استعمالها.

ويعتمد مبدأ سيادة القانون على عنصرين هما:

أوله: هو إن كل سلطة في الدولة هي نتاج القانون، وتعمل وفقاً للقانون.
وثانيه: هو أنه يُفترض أن يحترم القانون حقوق الفرد الإنسانية وحمايتها وعدم التعسف في استعمال القوة السلطوية تبريراً لقمع النشاطات والحريات الفردية استناداً لنظرية الأمن والاستقرار الوطني.

عناصر قيام دولة القانون: للعمل بمبدأ سيادة القانون ضمن الدولة، هناك مُفترضات وأساسيات يجب على السلطة أن تضمنها لحماية حقوق مواطنيها الذين منحوها الحق في ممارسة حكم الدولة بعقد اجتماعي (مؤخراً يُُزور) من خلال:
1. توفير نظام قضائي قادر على حماية وصيانة الحقوق والحريات العامة الأساسية للمواطنين...
2. التأكيد على حق المواطنين المشاركة بإدارة الشؤون العامة للبلاد دون تمييز حزبي أو طائفي أو ديني أو قومي...

- والجدير بالإشارة هو أن المُؤشر القانوني لخضوع الدولة لمبدأ سيادة القانون هو مزاولة الحكام وأزلامهم لاختصاصاتهم ومهامهم الوظيفية لحكم القانون بسلطاته الثلاث، ترافقاً مع فصل بين وظائفها واستقلالهم في ممارستهم لها دون تدخل.. ذلك من خلال أداء السلطة القضائية لوظائفها بتطبيق حكم القانون، وإن إصدار أحكام قضائية ذات شرعية قانونية ودستورية هي المُفترض والأساس لمبدأ سيادة القانون في الدولة، لذا يُمكن اعتبار استقلال السلطة القضائية في الدولة بما لها حجية قانونية على حماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين هي من أهم الأساسيات والمُفترضات لمبدأ سيادة القانون ( دولة القانون ).

استقلال السلطة القضائية كمفترض وأساس أولي لمبدأ سيادة القانون:
تُعتبر استقلال السلطة القضائية في أداء مهامها الوظيفية بأمان وحيادية نتيجةً من نتائج مبدأي الفصل بين السلطات وسيادة القانون، لأنه من المُفترض أن تُمارس عملها باستقلال وحيادية، وإن أي مُساس أو تأثير أو تدخل في شأنها يدل على العبث بجلالة القضاء وإخلال بميزان العدل والإنصاف وتقويض لدعائم الحكم.
إلا أنه لا بد من توفر مُقومات أساسية لتوفر مفهم استقلال القضاء في الدولة:
1. أن يكون القضاء سلطة وليس مجرد وظيفة: أي يُمارس القضاء سلطة حيادية، يضمن استقلالها من الضغوط السياسية، وضرورة وجود نصوص دستورية وقانونية تُرصد لتأمين استقلالها في أداء القضاة لوظائفهم، وليس بتخصيص مواد قانونية ودستورية تربط مصير القضاء بحزب حاكم وأوحد وأشمل في الدولة... فأي استقلال قضائي يُمارس فيها القضاة وظيفة وبضغوط متعددة وليس ممارسة سلطة...
2. أن يكون القضاء سلطة مستقلة: أي أن تقف السلطة القضائية على قدم المساواة مع السلطات الأخرى في الدولة، وعدم تمكين السلطات الأخرى التدخل في شؤونها، بعيداً عن أقلام وفرمانات السلطة الأمنية التي تحكم الدولة والمجتمع بموجب نص دستوري غير شرعي وغير قانوني...
3. أن يكون القضاء جهة متخصصة: إذ أن التخصص في العمل القضائي المهني هو أولى الأولويات لأداء القضاة لوظائفهم بجدارة وحيادية ومهنية صادقة مُنصفة وعادلة، ذلك احتراماً للمهنة البشرية الأكثر رُقياً، كونهم يُصدرون أحكام حسب قناعاتهم وضمائرهم الشخصية ضمن آليات قواعد ونصوص معينة، ولأن القضاء مؤسسة ذات طبيعة خاصة فهي أولى لممارسة عملها بمبدأ التخصص...
4. أن يكون القضاء محايداً: أي يصدروا أحكامهم بغض النظر عن الأطراف المتخاصمة والمتنازعة دون انحياز، بهدف تحقيق العدالة والإنصاف، حيث تحرص الأنظمة ذات طبيعة -دولة القانون- على تحقيق الظروف الملائمة لعمل القضاء بحيادية مُتميزة، فيُحظر على القضاة الانتماء إلى أي حزب سياسي أو طائفي... ذلك لأن الانتماء يُعني الخضوع لهذه المؤثرات والتوجه نهو الفساد و... أما ما هو المعنى من ربط واشتراط مصير تعيين القضاة بحزب سياسي حاكم وبموافقات أمنية...

- ونظراً لأن الدولة ذات السلطة الأمنية، تعتمد على تدخل الجهاز الأمني والسياسي و الحزبي الوحيد في شؤون القضاء، فلا هناك من معنى لاستقلال السلطة القضائية كمُفترض وأساس لمبدأ سيادة القانون في دولة القانون، ولا وجود لضمانات من حماية وصيانة حقوق وحريات المواطنين من عبث أقدام هؤلاء المُنتفعين في دولة الحزب الحاكم الواحد الُمُصان حقوقه الأبدية بسياج دستوري لا يُعرف متى تقطع أسلاكها الشائكة...

- فما المُلاحقات والاعتقالات الكيفية والعشوائية في ظل الأحكام العرفية وقانون الطوارئ ذات الطابع الأمني-العسكري، وإصدار أحكام قضائية تعسفية ولا قانونية بحق الناشطين السياسيين والقوميين والوطنيين نتيجة ضغوط وقرارات سياسية-أمنية (من مؤسسة مُفترض أنها مؤسسة عدل وإنصاف) والتعدي على حقوق وحريات المواطنين، وسياسة الازدواج باتجاه القوميات والأقليات في وطن يظل فيه المواطنون غرباء في ظل حكم فردي استبدادي مُمتلك للبعث الحاكم لا يعرف ولم يتعلم يوماً أنه يحق للغير المُشاركة في إدارة شؤون البلاد بسلم وأمان، إلا دليلاً على عدم استقلال القضاء وعدم الخضوع لمبدأ سيادة القانون في دولة اللا قانون.

- وهذا يتطلب إجراء تعديل جذري وحقيقي للنظام التشريعي لعمل السلطة القضائية بالأساس، إذ من المفروض أن يقف القضاء بين المواطن والدولة كدعامة ضد الإفراط في سوء الاستعمال أو الاستعمال الخاطئ للسلطة أو تجاوز الحدود الدستورية أو القانونية من قبل السلطتين التنفيذية و التشريعية و... وسّن دستور وقوانين يمنع من التدخل في شؤونها والحفاظ على استقلالها لممارسة مهامها بحيادية واستقلال وتخصص وسلطة، من خلال إرساء جديد لمبادئ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وسيادة القانون، بعيداً عن احتكار كل شيء وإقصاء الغير، وذلك للنهوض من جديد بسلطة دولة تحترم مبادئ دستورية وقعت عليها من أجل الحفاظ على موالاة مواطنيها لسلطة حكامها، والذين أكلوا ويأكلون الأخضر واليابس ولم ولن يشبعوا أبداً وللأبد...
أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]