آفاق التغيير الديمقراطي في سوريا
القضية الكردية انموذجاً
علي الجزيري
عفرين - نت 27.07.06
من المفيد قوله بداية ، ان وسا ئل الاعلام الرسمية في سوريا ، با تت
تصّعد في الآونة الأخيرة من وتيرة التشدق بمقوله الوحدة الوطنية ، حتى وصل
الأمر ببعض مدبجيه الى القول بأن سوريا رائدة على هذا الصعيد ... !
هذا من جانب ، ومن جانب آخر راح منظرو هذه المقولة ـ حين تحاججهم بالأدلة
الدامغة ـ يؤكدون على الطالع والنازل ، بأن سوريا تمر بظروف استثنائية
(....!) وتتعرض لضغوض داخلية وخارجية شتى ، بغية النيل من مواقفها ، ناهيك
عن التحديات المصيرية ؛ التي تتطلب من الجميع ـ على اختلاف مللهم و نحللهم
ـ تأجيل قضاياهم ، ريثما تتوفر الظروف المناسبة لطرحها على بساط البحث
وإيجاد الحلول المناسبة لها ...!
وفق هذا المنطق الذرائعي ، يستبعد النظام مشاركة الكرد منذ تسلمه السلطة
عام 1963م ، ويماطل في التخلي عن السياسات التمييزية والمشاريع الاستثنائية
ورفع الظلم عن كاهلهم . ومما يثير السخرية حقاً ، ان مهندسي سياسته هذه ،
مازالوا يتأملون من (الرعية / الضحية ) مزيداً من الانتظار والتريث ، وإلا
أتهمت بالولاء لجهات خارجية متربصة بسوريا ، تساوقاً مع نظرية المؤامرة
التي يُروج لها أبواقه بين الفينة والأخرى .
ومما زاد الطين بلة ان معظم المثقفين والسياسيين المخدوعين ، داخل الجبهة
وخارجها ، والذين تشكل ثقافتهم إجتراراً أو إعادة إنتاج لهذه الثقافة
المضللة ، باتوا يرقصون على أنغام هذه السمفونية ، التي تخوِّن الآخر وتقلل
من شأنه ؛ ولا يحركون ساكناً إزاء السياسة العرجاء هذه ، التي خلقت لدى
الكردي شعوراً عميقاً بالاغتراب من جهة ، وألحقت ضرراً بالغاً بمفهوم
الوحدة الوطنية و بسمعة سوريا من جهة أخرى .
فالاخفاق في تشييد وصيانة بنيان الوحدة الوطنية وسبل تعزيزها على أرض
الواقع ، سببه أولاً وأخيراً سياسات التشويه والتسطيح الشوفينية ، التي
طالت مفهوم الوحدة الوطنية ، حتى غدا مصطلحاً مبتسراً ، مثله في ذلك كمثل
كل المفاهيم التي نخرت من الداخل بعد ان مُرِّرت على فلترة التبعيث ...
ومن الطبيعي أن نتساءل : وما العمل ؟ فيقال : ان الحل السحري يكمن في
الديمقراطية وما عليكم سوى الانتظار من جديد !.
وبالمناسبة ، فإن هذه المعزوفة الدارجة هذه الأيام ، على غرار معزوفة
الوحدة الوطنية السالفة الذكر للبعث أو معزوفة الشيوعيين المتمثلة في
النضال من أجل الاشتراكية أو معزوفة إقامة دولة الحق للاسلامويين ؛ والتي
ساقتها شتى التيارات السياسية واعتبرتها قضايا أساسية تقتضي الضرورة تأجيل
القضية الكردية إكراماً لها .
لا مناص من القول بضرورة التغيير الديمقراطي ، الذي يستوجب بداية إعادة
النظر في بنية الذهنية السائدة وآلياتها ، وهذا بدوره يتطلب نبذ الرؤى
الايديولوجية المروجة لثقافة إقصاء الآخر وتبخيسه ، والساعية لخلق فتنة ،
من خلال إستعداء العرب على إخوتهم الكرد أولاً ، واشاعة ثقافة الاعتراف
بالآخر والاقرار بحقوق الكرد دستورياً كثاني قومية في البلاد ثانياً ؛ فقد
آن الأوان لتحكيم العقل وقراءة الواقع العياني قراءة متأنية ، تنطلق من
التعددية السياسية والقومية ، وتسعى لترميم أواصرالصلة بين جميع أبناء
سوريا ، على إختلاف مشاربهم .
وهذا يتطلب في الوقت نفسه من الحركة الكردية ، رغم ظروف العزلة المفروضة
عليها منذ تأسيس أول تنظيم كردي عام 1957 ، أن تضع حداً لتشرذمها غير
المبرر، ونبذ أجواء المهاترات والانفعال وردود الأفعال اللاديمقراطية بين
فصائلها ، والسعي لتجسيرالهوة بين القول والفعل ، للوصول الى مرجعية كردية
تجسد إرادة شعبنا وكل قواه السياسية وفعالياته ونخبه الثقافية والاجتماعية
الحية ، والمضي قدماً للارتقاء بوعي الجماهير الكردية وتعزيز أساليب النضال
السلمي لنيل الحقوق القومية المشروعة لشعبنا الكردي في سوريا .
ولعلنا لانجانب الصواب ان قلنا بأن المعضلة التي تواجهها سوريا اليوم ،
تكمن في صعوبة تلمس الطريق نحو الديمقراطية التي تتطلب مشاركة سياسية واسعة
لصنع القرار، عبر آليات معاصرة ، تقتضي ـ بالضرورة ـ المثول لمنطق الحوار.
لكن ، عملية الانتقال العسيرة هذه نحو الديمقراطية ، تطرح ـ بداية ـ
الاحتمالات التالية :
الاحتمال الأول ـ هو أن يبادر حزب البعث ـ كونه قائد الدولة والمجتمع
وفق المادة الثامنة من الدستور ـ الى دفع البلد للانخراط في هذه العملية ؛
لكن خطوة من هذا القبيل مرهونة بتقديم المزيد من التنازلات والتخلي عن كثير
من الامتيازات بما فيها المادة الثامنة السالفة الذكر ، ثم الاعداد لعقد
مؤتمر وطني عام ، تحضره كل القوى الممثلة للمجتمع بكافة فئاته وشرائحه
واثنياته . الا ان هذا الاحتمال يبدو بعيد المنال ، بسبب طبيعة النظام
البنيوية ، التي ظلت بمنأى عن التحولات النوعية رغم التغييرات العاصفة
الاقليمية والدولية ، والله ـ كما جاء في الذكر الحكيم ـ لايغير ما بقوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم . لذا ، نجده يتذرع تارة بالتعددية السياسية
المتمثلة بما تسمى ( الجبهة الوطنية التقدمية ) ، وهي بالمناسبة جبهة
مناسبات ، لا حول لها ولا قوة ؛ وتارة أخرى بادعائه من أن : ( الديمقراطية
تحتاج الى نضج الشعب ، حتى لاتنقلب الى فوضى ، وانه بالتالي من الضروري
تأجيلها الى أن يتحقق هذا النضج ، فهو قول يمكن دفعه والرد عليه بأن نضج
الشعب للديمقراطية لايمكن أن يتحقق إلا من خلال ممارسة الديمقراطية ،
تماماً مثلما أن الطفل لا يتعلم المشي إلا من خلال ممارسة المشي ) ( د .
محمد عابد الجابري ـ الديمقراطية وحقوق الانسان ).
الاحتمال الثاني ـ كأن يضطر البعث للولوج في عملية الدمقرطة نتيجة
للضغوط الداخلية والخارجية على السواء ؛ وهذا بدوره يفترض وجود معارضة
ديمقراطية وفعالة ، تحول دون اعادة انتاج نظام شمولي بديل ، وتؤمنُ
بالتداول السلمي للسلطة وتمتثل لنتائج صناديق الاقتراع ، وتسعى قدماً
لمأسسة قوى المجتمع المدني ، كي تمارس حريتها على قدم المساواة . لكن ،
ولسوء الأسف ، لاتبدو في الآفاق بشائر للتعويل على هذا الأمر أيضاً ، رغم
ارتفاع أصوات هنا وهناك وفي هذا الظرف أو ذاك تطالب بالديمقراطية ، لأنها
في الغالب الأعم : ( منبعثة من صفوف النخبات القديمة المزاحة عن السلطة أو
من فروعها وامتداداتها التي لم تنل بعد نصيبها منها ـ عبد الحليم خدام /
مني ـ الى جانب أصوات أوسع مدى وأقوى دوياً ، في الوقت الراهن ، وفي
مقدمتها جماعات ترفع شعار الاسلام هو الحل ـ الاخوان المسلمين / مني ) ( د.
محمد عابد الجابري ـ نفس المصدر ).
وهاهنا ، يحق لنا أن نتساءل إنطلاقاً من تجربة المعارضة العراقية التي
أقسمت باليمين وأحنثت بالشمال ، فيما اذا كانت هذه القوى ترفع شعار
الديمقراطية وهي في المعارضة فقط أو تؤمن بها حقاً بعد وصولها الى السلطة ؟
فاذا كانت تؤمن بها ، فلا بد أن يتجسد ذلك في ممارساتها الداخلية وعلاقاتها
بالحركة الكردية على حد سواء وبرامجها لحل القضايا الوطنية العالقة بما
فيها القضية الكردية في سوريا ، وإلا إنتفت مصداقية دعاواها .
الاحتمال الثالث ـ وأعني به الفرج القادم من الخارج . وقد خبرَ
شعبنا النموذج السوفييتي ، الذي شابته البيروقراطية والجمود العقائدي
واستشرى فيه الفساد والاستبداد ، ومارس الترويس في حق الشعوب التي كانت تحت
مظلته ، ناهيك أنه كان يشكل ظهيراً لأعتى النظم الدكتاتورية ، في الوقت
الذي كان يتهرب فيه من مناصرة قضية شعبنا العادلة ؛ أما النموذج الغربي ،
فبالرغم من أن ديمقراطيته السياسية قد حققت بعض المكاسب على الصعيد
الاجتماعي ، الا أنه ما زال بعيداً عن تحقيق العدالة الاجتماعية المتوخاة ،
ومازالت القضايا القومية تنتظر الحل في العديد من الدول التي تندرج تحت
منظومته ، فضلاً عن مسؤولية الغرب التاريخية في تجزئة أرضنا وفقاً لخارطته
الجيوسياسية تبعاً لتوازن القوى التي كانت لاتبتغي سوى جني المغانم على
حساب الجماجم ليس إلا ؛ وبالمحصلة ، لانجانب الحقيقة ان قلنا من الصعوبة
بمكان عقد الآمال على الخارج المتهافت وراء مصالحه .
نخلص مما تقدم ، أن آفاق التغيير الديمقراطي مازالت بعيدة المنال نسبياً في
سوريا ، بسبب الظروف الذاتية والموضوعية في آن . إذاً ، فالتريث ـ الذي
سئمناه ـ تحت حجة أولوية النضال في سبيل الديمقراطية ، تلك المعزوفة التي
تُطرب اليوم قوى المعارضة في الداخل والخارج وبعض الأوساط الكردية ، أثبتت
التجارب المُرة لشعبنا ولبقية الشعوب بطلانها ، لأن القضية القومية مازالت
تنتظر الحل ـ كما أسلفنا ـ في بلدان ديمقراطية عريقة ( المسألة الايرلندية
وقضية الباسك) ؛ وهذا لاينفي القول ، من أن الديمقراطية ستسهل سبل حل
المسألة القومية بكل تأكيد .
فالقضية الكردية ، كما يقول الأخ ( مسعود البارزاني ) ، رئيس اقليم كردستان
العراق : [ ليست قضية مواطنة فحسب ، كي تعالج في جو ديمقراطي ، بل ان قضية
الكرد ، هي مسألة سياسية ووطنية وقومية ] ، لاتحتمل التأجيل أو الانتظار ،
تحت أية ذريعة مهما بلغ شأنها .