بين ساربروكن الألمانية على الحدود
الفرنسية، وبون مسافة، تقطَع بسيارة يغريها الطريق بتنامي سرعتها، مقدَّرة
بثلاث ساعات ونيف،وقد خضناها ذات نهار جميل، حيث كنا الثلاثة ابن عمتي الساربروكني
الإقامة، والعزيز نواف. متعة السفر هي المقارنة بين ما يمتد أمام ناظريك :
من بساط طبيعي، وما يتخلل البساط هذا من روائع الموهبة الطبيعية: من شجر
ومياه وورد وعشب، وتناثر بيوت ، كما لو أنها تثب في فراغات الأمكنة، وتستقر
في أماكن تبدو وكأنها تتماوج حيث تكون، وتكون السماء المظلة المتناهية
تتنفس أزرقها المتعدد الأطياف، ووسط البوح الطبيعي الأوركسترالي، وما تحتفظ
به ذاكرتك بصدد أمكنة أخرى، وفجائعياتها المكانية، وفاجعة الأمكنة هذه بمن
يتولى أمرها، يأخذ الحديث الإنسي مداه اللامتناهي، لتحضر دول وبشر ووجوه
وثقافات وأنظمة وتواريخ تترى في الطريق الطويل، في عمق كولن، أو بافاريا،
ليكون الكلام كما هو أخضر المترامي الأنفاس صُعدَاً إلى سماء إله حنون تارك
أمر كرته الأرضية لمن يجملونها في عينيه، مركزاً على أكوان أخرى، وليكون
الطبيعي نفث اللغة الأرضية وحركاتها الموشية لها.
نصل بون المشتهاة، ونحن على شوق لراحة، بينما وجه السماء تلبَّس زرقة داكنة
، ولفح هواء ما كان يخفي برودته، ونحن نمعن النظر في هيئة بون البادية
الانبساط.
جاءنا العزيز بقامته ومقامه حسين حبش، وبعد عناق أودعنا هدأة المكان،
انتقلنا إلى بيته، لتكون رفيقة دربه في الحياة أم سيبان بانتظارنا، كما لو
أن سنوات ود محلي عفريني جزراوي كردي هو علامتنا المشتركة، ويكون لحضور
العزيز الآخر عارف جابو، ثراء اللقاء، وحيوية المثار، إنما بعد عدة ساعات.
كان للغداء المعد بنكهة كردية قلبٌ لقواعد الطبخ المكانية، كل بيت يكون لـه
طقس غداء . تشي رائحة الطبخ السخية بذاكرة ترمي إلى ماوراء آلاف الآميال،
نخادع النفس ونحن نتحدث، كما لو أننا شعب المكان الذي لم يتغير، أمة الحرف
الذي ألفناه طويلاً.
كانت زقزقة الصغيرين Sîpan و Hêva، كونشرتو شجرية بامتياز باختلاسهما
للكلمات، كما لو أنها همزة الوصل في تغيير حركة الحديث وتجميله وتمتيعه.
أبن العمة يودعنا، ليس للمودع سوى بعض العناق والتمني بالسلامة حيثما يكون
الآخر.
بعدئذ ، ليس لدى أي منا رغبة في ترك جسده خارج المكان الموهوب.
تركنا العزيز نواف في فاصل راحة جسدية، بينما تحرَّكنا أنا وحسين ننهب
الفراغ، نغترف الصور المبثوثة بالنظر، متحركين صوب الأمير المائي: الراين،
إنما بعد توقف وتأمل في مقبرة كانت غاية في التلوين والتخطيط الفنيين، كل
مقبرة تتبدى بشكل وتركيب مختلفين، يشعر المرء وكأن الذين ماتوا يستمرون في
مخاطبة الأحياء، وبالتناظر، ولو أنهم نزلوا إلى داخل الأرض قليلاً، أو
تركوا الذي يغطيهم خطاب من لا يريد مغادرة الحياة. تبدو الورود بأصنافها،
والشاهدات القبرية، والشموع المودعة بللورات تتنفس ضوءاً مرئياً بهدوء،
ارتحالات الموتى رمزياً. تذكرت هنا ومقابرهم، وبؤس المعروض البصري وفوضاه:
تعريفاً بالمحيط بهم.
المقبرة قريبة من النهر، أليس لأن الميت يسهل عليه التوغل كل يوم ، قدُماً
باتجاه النهر، ليستحم فيه، ويرجع خفيف الظل الروحي، ليزيد أخضر المكان رواء
وبهاء؟ ليعيش بطريقة أخرى؟
النهر السيد، النهر الدون ، النهر الهِر( السيد بالألمانية)،
النهر الحالم عريضاً، النهر الطويل النفَس،
العريض المنكبين بالشجر والبجعات والطيور المولعة بالماء، هو الراين.
نهر يشق ألمانيا، يشقها دون أن يمزقها، إنما يورقها وينمقها، نهر يحملها
فوق راحاته المنبسطة حتى نهايات غير مرئية، نهر ينثر أحلام من تشتهي نفسه
الغوص المتخيَّل في جنباته، النهر التاريخ، والنهر الجغرافيا الحصيفة، أين
منك الفرات المكتوم الأنفاس ، ودجلة التحسر المكاني ، حيث أكون أنا، وحيث
لا أكون قريباً منهما، وبعيداً عنهما، ما لا أستطيع التذكير بهما إلا
كشاهدَي فجائع، أو حمالي مواجع تاريخ ممزق الأوصال كما يعرفان به.
نمشي على الضفاف، نمارس حديث الساعات الأمكنة المفارقة لأسمائها، الأمكنة
المثقلة بأسمائها، يكون الراين شاهداً، إنما دون أن يرف لـه جفن سوى
مويجات، لكأنها تمضي على معاناة ما، وتغيب في زحمة المدد الكائي وتختفي بين
الحين والآخر.
كلٌّ منا لديه ما يقوله، ما يشهق به ألماً، ما يصرح به بشراً كانوا وتحولوا
: كرداً أباً عن جد، بشراً نوا أنهم بشر، وهم كرد كسواهم، كرداً تحولوا في
أرجاء المكان ليتحولوا داخلاً كثيراً.
من نعرفهم من حملة الأقلام الآلام، ومن ندرك مطالعهم وما يعتمدونه تعبيراً
وتقديم ذات.
تقودنا خطانا إلى حيث البيت المتخم بيقين سنح لنا في أن نمضي طي المشترك
الأدبي، الاجتماعي، التاريخي، العلائقي ، التواصلي، وفي كل أشكال الهوى كرد
في حضورهم وغيابهم، حتى لو تركز الحديث على سواهم، فهمو القاسم المشترك
الأكبر.
يدرك العزيزعارف جابو، ومن خلال موقعه، وكما التقينا قبل قرابة سنتين في
كردستان العراق ، في الحوار العربي الكردي، لكم هو صعب على الكردي أن يعيش
كرديته بعفويتها، لكم هو سهل أن يمد في كرديته،
كي تكون لـه بساط ريح، إنما يكون من مجموعة الأربعين حرامياً، وفي مسارات
مختلفة: حرامية الانتماء الاستعراضي، حرامية الألقاب، حرامية النصوص
المزيفة، حرامية النكرات، حرامية التهديد والوعيد، حرامية المواقع
الاستفزازية كردياً...الخ.
لكَم كانت ليلة كردية حامية الثراء ، راينية المقدرات، بونية الإمضاء! بدا
الزمن خارج حدوده المعلومة، مثلما هو المكان الذي لم يعد امتداداً
ألمانياً، توسعت الكردية، رغم التنوع والاختلاف، تنوعت الهموم، بقدر ما
تعمقت النقاط على حروفها المشكلة، كنا نحن العديدين كثراً، ليكون للصغيرين
والأثيرة أمهما طلاقة المعاني، وفراهة الذاكرة.
صباحاً، شعرت كأن الراين يلتفت إلي: إلينا، كأنه يواسي فينا جغجغ الموبوء
كمحيطه اللامحيط، دجلة الكوابيس حتى فراته، أنا والعزيز نواف، ونحن نودع
الكرديين الصغيرين: سيبان وهيفا في محيا القادم من الأيام الناطقة بلغة
أخرى،والحاملين لهما، وفي الإثر الأثير عارف ،
ووجهتنا مدينة انجلس: فوبرتال، وما ليس يسمى بسهولة، من الرغبات التي تشغل
أبصارنا وبصائرنا !