لعل المفارقة الكبيرة التي تتجلى في الحرب المستعرة على الاراضي
اللبنانية منذ ايام غير قليلة، هي ان احد طرفي الصراع ، الذي هو لبنان ،
بريء من التهم الموجهة اليه ، وهو مسلوب الارادة من قبل قوى اقليمية ، ورغم
معرفة الجميع لهذه الحقيقة الساطعة سطوع الشمس ، نرى بأن سائر اطراف الصراع
يصرون على تحويل الاراضي اللبنانية ، الى ساحة حرب مدمرة لتصفية حساباتهم و
درء خطر الحرب عن اراضيهم.
ان الابقاء على حزب الله قوة عسكرية كبيرة نسبياً في الجنوب اللبناني ، اثر
التفاهمات والاتفاقيات ، التي جرت ابان الانتهاء من الحرب الاهلية
اللبنانية ، كانت ولازالت الشوكة الابرز في حلق عملية السلام في الشرق
الاوسط ، وكذلك عامل عدم استقرار في لبنان والمنطقة برمتها ، وكأن الدولة
اللبنانية من خلال حكومتها وجيشها وسائر مؤسساتها غير مقاومة او مدافعة او
حريصة على ترابها ، لدرجة يتبادر الى ذهن المرء ، بأن لبنان برمته خائن او
عميل ، عدا حزب الله ، واذا كان الامر كذلك ، فما داعي لوجود الحكومة
اللبنانية الشرعية ، طالما لا تدافع عن البلاد والعباد؟ من هنا فان الابقاء
على لبنان ، بلد ذو حكومتين احداها عسكرية شمولية مرتبطة بالنظامين
الايراني والسوري ، وتأتمر بأمرهما ، المتمثلة بحزب الله ، الذي يبسط
سيطرته بشكل فظيع و رهيب على الجنوب اللبناني ، واخرى مدنية ديمقراطية
لاحول لها ولاقوة ومسلوبة الارادة ، وقرارها مغتصب من قبل قوى اقليمية ،
سوف يؤدي الى مزيد من عدم الاستقرار.
ومن الاهمية بمكان تغيير هذا الترتيب ، الذي ابتلي به لبنان ، والذي يعتبر
السبب الرئيس لنزيف الدم اللبناني منذ سنوات طويلة ، على مرآى ومسمع الجميع
من عرب وعجم ، دون ان ينبس احد ببنت شفة ، سوى الموقف الجريء الذي ابدته
بعض الدول العربية مؤخراً ، والتي اعلنت امتعاضها ورفضها القاطع لمغامرات
سوريا وحزب الله ، اللذان ينتقمان من لبنان ، ويمنحان اسرائيل حجج واعذار
لتدميره شعباً وارضاً وحكومة .
ولاشك ان حزب الله ومن راءه ايران ، كانا يعرفان حق المعرفة ، عواقب
وتداعيات تلك العملية ، التي تعتبر الشرارة الاولى في كل هذا التدميرالهائل
، الذي يخلفه يومياً آلة اسرائيل الحربية ، وتخلف المئات وربما الالوف من
قتلى وجرحى من المدنيين العزل ، ومع ذلك اصروا على اشعال فتيل الحرب في ذلك
التوقيت ،لانهم استهدفوا من وراء اختيار ذلك التوقيت لفت انظار قمة الثماني
الكبار عن الملف النووي الايراني ، وهكذا فأن لبنان يدمر ويسحق نتيجة
الزواج الكاثوليكي بين حزب الله وايران ، وكذلك بين حزب الله وسوريا ، وسوف
يبقى الامر كذلك ، وسيبقى لبنان هكذا ، مسرحاً لحروب وتصفية حسابات الآخرين
، ان لم ينزع سلاح حزب الله ، وان لم ينزع لبنان من يد حزب الله ، ويعود
الى احضان حكومته الشرعية المنتخبة.
_____________________________
* كاتب وصحفي كردي من سوريا مقيم في العراق