هجرة الشباب الكرد خارج الوطن وتبعاتها على اقتصاد كردستان
عارف رمضان*
عفرين - نت 25.07.06
أين أنت أيها المسافر دوماً إلى القلوب
لقـد اشـتاقت القصـائد إليـك متى تعـود
دمعتان اثنتان تجمدتا في عيوني عندما تلقيت من الوطن هذين البيتين من الشعر
عبر رسالة S.M.S. و أنا في بلاد الغربة ألمانيا .. حيث الطبيعة الجميلة
والأشجار الكثيفة .. و القرى والريف في غاية الجمال و الهدوء .. و مهما
كانت القرية صغيرة فإنها لا تفتقر إلى شيء .. كذلك الطرق معبدة و مخدمة
بالكهرباء و الماء و التلفون ووسائل النقل مع توفر كل شيء و كأنك في مدينة
كبيرة.. هذا رغم أن ألمانيا لا تملك سوى عدة مصانع للآليات و السيارات . و
تعتمد على الضرائب لدعم اقتصادها الوطني . و حسب الروايات أن الكثير من
الألمان يرفضون العمل في الأعمال الصعبة و الشاقة و يعمل بدلاً عنهم العمال
الأجانب .
و من هم الأجانب : الأكثرية هم أتراك و يليها في المرتبة الثانية الكرد.
و من الجدير بالذكر بأن أكثر الشباب يهربون إلى الغرب لعدم قدرتهم على
الزواج و المهور الغالية في الوطن فيتفاجؤون هناك بأنه من المستحيل الزواج
و الاستمرار مع عادات و تقاليد غريبة .. و حتى إذا أراد الزواج من كردية
الأصل .. الحاصلة على الإقامة و الجنسية فإن مهرها يكون أغلى بكثير من
الوطن ..
و قد حضرت أحد موائد الخطبة و طلب اليد .. فطلب والد العروس مبلغ 50،000
يورو مهراً لابنته :
ما يعادل 60،000 $ ، ما يعادل 3،000،000 ليرة سورية ، أو 55 مليون تومان،
أو 90 مليون دينار عراقي ، أو 90 مليار ليرة تركية ...
فالشبان في في بلاد الغربة صنفان .. الصنف الاول يعملون في الأعمال الصعبة
من الصباح و حتى المساء و يعودون منهكي القوى يكاد لا يجد الوقت الكافي
للراحة .. و لا يملكون وقتاً للمطالعة أو الرياضة أو أي نشاط آخر أو حتى
زيارة بعض الأصدقاء . سوى يوم العطلة يتفرغون فيها لترتيب و تنظيف البيت .
يشتغلون كثيراً ولكن يدفعون ثلث راتبهم ضرائب للدولة .
أما الصنف الآخر .. الذي لم يحصل على الاقامة و ليس لديه الحق في العمل و
التحرك خارج المدينة التي هو فيها و يقيم في ( الهايم ) سكن اللا جئين
الجماعي . يقبضون بعض اليوروهات كحد أدنى لمستوى العيش و منهم من يقف
يومياً على باب ( الهايم ) ليستلم كرتونة مواد غذائية تكفيه ليومه فقط.
و هكذا يقبع المهاجر في غياهب الهايم على أمل الغد المشرق الذي يحصل فيه
على الإقامة ليكون كغيرة رقماً متحركاً لتنظيف الشوارع أو تربية الأبقار و
الخنازير أو عامل في أحد المعامل دون توقف لا يعرف طعماً للراحة .
و قد يستغرق الانتظار شهوراً و سنين حالماً بالحصول على الاقامة .. يتعلم
خلالها فنون الصبر و السلوان و النوم بين الأربع جدران
و قد عرفت و تعرفت على الكثيرين ممن انتظروا لأكثر من عشر سنوات و اعدادهم
كثيرة بالمئات او اكثر بالآلاف حتى وهؤلاء من جميع أنحاء كردستان و ليس في
ألمانيا فقط .. بل في كل أرجاء أوروبا....
أقول :
لو احترموا من قبل حكوماتهم في أوطانهم ..
لو نظروا إليهم كبشر ..
لو رعيت مشاعرهم كأناس ..
لو استثمرت جهودهم و طاقاتهم و قدراتهم العملية و العقلية و الفكرية ...
لما هاجروا . وسلكوا دروب الغربة ...!
و لأعطوا أجمل و أقوى الأوطان .. لأنه لن يكون غريباً في وطنه و بين أهله
.. و سيكون عطاؤه أكبر و يصبح بلده أجمل بكثير من البلد الذي هاجر إليه و
الذي يدفع شبابه ضريبة للاغتراب .. و يساهمون في اعمار بلدان ليست لهم . و
يدفع ضريبة أخرى للدولة التي هو فيها تصرف لمواطنيها الكسالى الذين لا
يعملون إلا الأعمال الإدارية البسيطة و المتسمة بالراحة ..
و من خلال تجربتي الطويلة في الإمارات من بداية نهضتها و إلى الآن .. و من
قبل قيام الاتحاد عام 1970 .. كان لكل عائلة إماراتية شخص يعمل في إيران أو
لبنان أو العراق ليكون عوناً لأسرته ..
لكن بالوحدة المشهودة بين الإمارات السبع ووحدة القلب و الدرب بين أهلها
وحكومتها هذه الدولة التي استفادت من فرص سياسية نشأت في المنطقة و خلال
فترة قصيرة .. أصبحت من أهم دول الخليج و العالم وقدمت لمواطنيها أعلى
مستوى معيشة . و أصبح الإماراتي لا يعمل إلا إدارياً .. و انقلبت الآية و
جاءت الكثير من الجنسيات الاخرى من خارج الامارات للعمل فيها و للتذكير و
ليس الحصر يوجد في الإمارات أكثر من 300 جالية يشكلون 80% من مجمل سكان
الدولة .
فيها 1400 كردي من أجزاء كردستان الأربع . كلهم مقيمون . عدا الضيوف و
التجار العابرون يومياً .
و منهم 600 شخص من كردستان الغربية ( سوريا ) تؤلف 45% من الجالية
و 500 شخص من اقليم كردستان العراق تؤلف 35 % .
و 200 شخص من كردستان الشرقية ( ايران ) و تؤلف 15 % .
و 100 شخص من كردستان الشمالية ( تركيا ) و تؤلف 5 % من مجموع الجالية .
ربعهم يعملون في التجارة و لهم منشآتهم و مكاتبهم و محلاتهم التجارية و
الحرفية و الصرافة و العقارات و المطاعم وورشات العمل الصغيرة كالميكانيك و
الكهرباء و الخياطة .... و الربع الثاني مهندسين و مدرسين لدى الدولة أو
المؤسسات الوطنية الأخرى .
و النصف الآخر عمال و موظفون بسطاء حالهم ليس أحسن بكثير من حال المغتربين
في أوروبا و الذي لا يعمل هنا لا يستطيع العيش و التواصل .
و للبعض بصمات كثيرة تستحق التقدير و التذكير سنتطرق إليها في حلقة قادمة
..
و طالما نحن بصدد كيفية ازدهار و تطور دبي نتذكر قول الشيخ محمد بن راشد آل
مكتوم باني نهضة دبي و حاكمها في كتابه ( رؤيتي ) :
" إن الثقة بالنفس أولاً و بالآخرين ثانياً تعزز المسؤولية الجماعية في أي
عمل . و يمكن ان يكون لكل عضو من أعضاء الفريق رؤيته الخاصة و طموحه الذي
يدفعه إلى التفاني في عمله لكن على جميع اعضاء الفريق ان يكونوا واثقين
برؤية القائد و ان يكون لهم فيها رأي ايجابي و ان يعملوا على تحقيق أهدافه
."
و كذلك قال :
" كلنا جنود في جيش التنمية و بحسب الرتب و توزيع المهام الذي نجده في
الجيوش .
فرق العمل هي مغاوير التنمية ووظيفتها تنفيذ المهمات الحرجة التي تضمن
تحقيق النصر في حرب التنمية . و ما لم يتعهد القائد هذه الفرق بالتدريب و
التحفيز و العناية و التشجيع ، و ما لم يكن قادراً على أن يكون على رأس هذه
الفرق فلن تستطيع الفرق اقتحام المصاعب و قهرها و تحقيق الأهداف المرسومة
لمهمتها . "
و طالما نحن في صدد وجه المقارنة بين دولة هاجر شبابها للعمل و الآن أصبح
الناس يهاجرون إليها .. و اليوم نرى افتتاح معرض للوظائف للإماراتيين ..
الذي يضم الكثير من المؤسسات الحكومية الرسمية و الشبه رسمية و حتى الخاصة
لتروج و تعلن عن وظائف لمواطنيها ..
فهاهي ( دوبال ) شركة ألمنيوم دبي تعلن عن انجاز أكثر من 60% من خطتها
التوظيفية للعام 2006 في ظل تعيين مواطنين إماراتيين للاعتماد عليهم .
و كذلك ( مؤسسة الإمارات الخاصة للبترول ) تنضم للمعرض لعرض وظائف في إطار
السعي المستمر لدعم جهود التوطين و تعزيز كوادرها الوطنية و تنمية معدلات
التوطين في جميع القطاعات .
و ( موانئ دبي العالمية ) تعلن أن المواطنين يشكلون نسبة 75% من إجمالي
العاملين فيها و أن إدارة الموارد البشرية وضعت برنامجاً طموحاً لتدريب عدد
كبير من موظفيها ضمن برامج تخصصية متطورة خارج الإمارات في بريطانيا و
السويد و بلدان أخرى ....
عندما سئل الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي عن ماهو أصعب شيء واجهه
خلال عملية التنمية على مدى العشرين سنة الماضية ، أجاب :
" إبلاغ المعلومة إلى المعنيين بعملية التنمية لكي يفهموا بالضبط ما الذي
أريده . إنه التأكد من أن العاملين معي يعرفون ما هي رؤيتي بالتحديد و ما
الذي أريده من كل واحد منهم القيام به لتحقيق أهدافها و التعرف جيداً على
طريقها و وضوح كل مرحلة من مراحل الطريق في أذهانهم لكي لا نحيد عن الرؤية
و نضل الطريق إلى أهدافها ."
و حتى يتحقق مراد الجميع لتطوير كردستان. و حتى تتحقق أمنية السيد مسعود
البارازاني لتكون كردستان نموذجاً من دبي .. يجب أن نوجه النداء التالي مع
التمني لكل من :
1- على كل تجار كردستان التوجه إلى الاعمار و التصنيع .
2- يتطلب من اتحاد رجال أعمال كردستان اقامة الندوات المكثفة للتجار
الوطنيين لتوحيد الجهود والبحث عن بدائل الاستيراد المميت و المدمر لاقتصاد
الوطن و خاصة البضائع التقليدية التي تهلك السوق و السيولة لدى المستهلك و
بالتالي لدى الحكومة و تذهب سدى بعد استعمال مرة أو مرتين .
و قد أصبح في العراق عامة و إقليم كردستان خاصة كميات من مخلفات و قمامة
الألكترونيات و الكهربائيات تتراكم يوماً بعد يوم .. علماً أن المواد
الأولية لتلك المواد تشترى من عندنا ( مواد صناعية ) بسعر زهيد و( طاقة
بشرية ) بسعر زهيد أيضاً .. ثم تعاد و تباع لنا بأسعار باهظة تكلف الكثير
على الاقتصاد .
3- على المنظمات الإنسانية و الحزبية و الشبابية العمل وفق برنامج توعية
مجدية و اغراءات جدية للعمل على عودة هؤلاء الشباب لاستثمار طاقاتهم محلياً
.
4- و أخيراً و ليس آخراً دور الحكومة الموقرة للوقوف على هذا الموضوع و
بالتعاون مع وزارة الاعلام المحلي و الدولي لايجاد سبل لوقف الهجرة و اعادة
السواعد التي هي الركيزة الأساسية للنمو و الازدهار و المستقبل المنشود الى
الوطن . و تشجيع سياسات و خطط تطوير و توظيف المواطنين في الإقليم و توفير
الفرص في كافة قطاعات العمل العامة و الخاصة في ضوء الاهتمام بالقطاعات
الحيوية و الاقتصادية في الإقليم .
و لكل هؤلاء نقول :
أين أنت أيها المسافر دوماً إلى القلوب
لقد اشتاق الوطن إليك متى تعـود.........
____________________ ممثل رجال أعمال إقليم كردستان في دبي*