يا لها من جملة قاسية، جملة، الخبر الذي كنا نتلهف ورائه في حياتنا
الإعلامية أنا و هي جرياً خلف خبراً او صورة أو استطلاع كي نكون مرآة
الحقيقة، الحقيقة المجحفة ابداً... و الآن ها أنا اتلقى خبراً جديداً في
نفس المكان الذي كنا نرقبه بإعين متلهفة متى سينشر خبرنا الجديد... و آخر
خبر كان يتصدر الصفحة بكل ألمها و جحفها " مراسلتنا استشهدت".
يريفان سمعت بهذا الخبر و تذكرت صحفيتها التي لا تكل و لا تمل من لملمة
الخبر و إبداع مادة عاكسة لوجه يريفان القوقازية، يريفان اليوم تنهدت حزناً
و بكت بملء احداقها صحافيتها المستشهدة للتو، الصحافية التي كانت بقلمها و
عدستها على مرمى مدافع و صواريخ أحمدي نجاد و اردوغان. صحافية واحدة! واحدة
فقط و هي امام جيش و حرب بلا هوادة، أ ولا تكفي الصحفية الواحدة لمحاربة
هؤلاء كما حاربت في يريفان ضد الوجه الكالح للفقر؟
يريفان اليوم حزينة و هي تقطر ألماً و تبكي دماً على فقيدتها شيلان، و
شيلان لا تزال تهرع خلف الخبر، لا يحميها سوى العدسة و قلمها المدمى، القلم
المتشطر إثر القذائف التي اصابتها. يريفان حزينة و قد استعجلت مراسيم ذكرى
المجزرة الارمنية و لكن ليس في الرابع و العشرين من نيسان، إنما في الرابع
و العشرين من تموز، هذه المرة ليست لأجل المجزرة الارمنية و إنما لأجل
مجازر الصحافيين على يد أحمدي نجاد و اردوغان. نواقيس يريفان و اجمازدين
تدق ألماً على شيلان...
شيلان، الصحافية الكردية المولودة سنة ألف و تسعائمة و اربع و سبعون في
مدينة اورفا في تركيا، عملت كمراسلة لوكالة مزوبوتاميا للأنباء في القوقاز
و كذلك كانت مديرة تحرير لجريدة فجر الأمل الارمنية و محررة في جريدة
مزوبوتاميا الارمنية ايضاً، و قد ألفنا سوياً كتاباً بعنوان " القلوب
المهاجرة" كدراسة عن المرأة القوقازية... اثناء عملها الإعلامي في يريفان
اجرت العشرات من اللقاءات الصحفية و كتبت العشرات من الاخبار و التحقيقات و
الدراسات و عملت رغم كل المعوقات و الظروف القاسية على القيام على أكمل وجه
بدورها كإعلامية حقيقية.
و أخيراً وعدت شيلان حبيبتها يريفان للعمل في العراق و ايران و هي تحمل
قلمها و عدستها التي كان كل منهما تعاهد الآخر على صونه في المحن... لكن
يبدو إن محنة شيلان مع القذائف الايرانية و الصواريخ التركية اكبر و اظلم و
اقسى بكثير من أن يحمي احدهما الآخر، لذا فقد ابوا إلا أن تكون النهاية
واحدة، النهاية الفاجعة التي أخذت منا مقتلاً...
كنا سوياً اكثر من سنتين نتشارك نفس المكان و نتلقى نفس الصفعات من ايدي
جبروت الظروف القاسية، و نتألم معاً و نفرح معاً حتى النشوة من كل نتيجة
مرضية كنا نحصل عليها، و ما زال حبيبات عرقنا ندية على بلاطات و ارصفة
يريفان و لم نجفف شعورنا من قطرات ثلج القوقاز بعد، حتى التقينا قبل
اسابيع، التقينا دون أن ننبس ببنة شفة، و لم نتوادع، فكل منا كان يذكر
الآخر بألم يريفان.
و التقينا اليوم ايضاً، لكنها كانت تتصدر الصفحة و هي تعود من جديد كي
تستغيظ الحزن الدفين في و تتحرش بألم يريفان القابع في تلابيب ذاكرتي
الحزينة، كانت تقول لي وحدي شيئاً عبر صورتها تلك، اعرف ذلك، انها ستهرع من
جديد خلف الخبر. و ستظل تنبش الجرح الذي مزقني ألف مرة اليوم و هي تتصدر
الصفحة و بالعنوان العريض: " استشهدت مراسلتنا شيلان"!