الحركة الكردية في سوريا بين أزمة الفكر والممارسة
2-2
 

د.إسماعيل حصاف*

عفرين - نت 27.07.06

ـ المرحلة الثانية الإنتقالية 1960 ـ 1965 :
إن من أهم سمات المرحلة الثانية هو ضعف البارتي وعدم تماسكه وبداية ظهور تيارين في صفوفه وكانت مرحلة إنتقالية إنتهت بالإنشقاق . كان يمكن للنخبة الثوريه في القيادة السياسية والقواعد أن تدرك الواقع المتجمد الذي لابد أن يتحول في النهاية إلى الإنحراف والخطأ تستهلك مستقبلا الطاقات الثورية. وإلى هذه المرحلة بالذات تعود بدايات ذرع الفكر الأيديولوجي وتبلور قاعدة ثورية جديدة إستمدت قوتها من الريف الكوردي من طبقة الفلاحين أولا ومن طبقة العمال التي كانت في طور التكوين وبخاصة العمال الزراعيين ثانيا ومن الفئات الثورية المثقفة والبرجوازية الصغيرة وبعض الفئات الوطنية عموما بين أوساط القاعدة الشعبية التي كانت تتعرض لإضطهاد مزدوج . وكان الجو السائد هو الأمل بالتجديد خاصة بعد أن ساد عدم الثقة وظهور أزمة حادة في القيادة في ظل غياب أي إتفاق داخلي على برنامج يتصف بالواقعية يعبر عن الإرادة الشعبية . وأصبحت الحياة داخل البارتي ميتة كان لابد والحال هذه من نهضة يقوم بها الشباب.
وبرز تياران متناقضان في الفكر والممارسة ينظران إلى الأمور برؤى مختلفة ويحللان الوضع بمنهجية متناقضة أضف إلى ذلك أن الوعي القومي كان في تعاظم مستمر بين الأوساط الشعبية الكوردية المختلفة التي بدأت تميل إلى مزيد من من المجادلات النقدية في مجال الفكر والسياسة ، أن مضمون الجدل يحرك الجدل ذاته .
وبدأت تتبلور مدرستان مختلفتان مضمونا وشكلا وكانت هذه ثورة اجتماعية ساهمت إلى حد كبير في تفكك المجتمع الإقطاعي وإنهاء دور رجال الدين . وكان لسقوط الوحدة بصمات واضحة على تطور الأحداث داخل البلاد ، فقد أجمع الرأي العام السوري آنذاك عن أن حكم الوحدة إستهدف خنق الحياة السياسية الديمقراطية وكان السعي العام والنضال المشترك ينصب نحو إقامة حكم دستوري ديمقراطي يحقق للشعب الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية . وحصيلة هذه الفترة كانت تطورا فكريا ووعيا قوميا ولعبت الثورة الكوردية في كوردستان العراق دورا فعالا في هذا المجال ، وكان التأثير المباشر يأتي عبر جهاز الإذاعة المسموعة الراديو التي لم تكن متوفرة أساسا إلا على نطاق ضيق ، يجتمع حولها الفلاحون بآذان صاغية عطشى لسماع أخبار الثورة ، يهتفون فرحا لكل إنتصار جديد .
اليقظة الكوردية في سوريا إرتبطت بفعاليات أكراد العراق وأخذ المجتمع الكوردي يتقبل الفكرة القومية " الكوردايتي " بلهف شديد . لقد لعبت الثورة الكوردية دورا أساسيا في تأكيد ملامح القومية المعاصرة وتثبيت مشروعية وجوده القومي دوليا ، أنجزت هذا الدور بكفاحها المسلح وبنضالها السياسي وحملها عبء النضال طوال سنين طويلة . ومن جانبها كانت الجهات الأمنية والسلطات الحاكمة تعامل الكورد وفق هذا المقياس ، فكانت إنتصارات البيشمركة على جبهات هندرين وزوزك ورانيا ...إلخ تقابلها تشديد المواقف الشوفينية في الدول المجاورة للعراق . فجاءت الإجراءات التعسفية ضد الكورد أثر تقوية الحركة الكوردية المسلحة في كوردستان العراق والإهتمام الدولي بها وتحويلها إلى قوة فعالة في الشرقين الأوسط والأدنى . ففي سوريا لجأت العقلية الشوفينية وتحت مزاعم الخطر الكوردي الموهوم إلى إجراء إحصاء إستثنائي نهاية عام 1962 حرم بموجبه آلاف العوائل الكوردية من بينها رئيس الأركان السوري السابق عبدالباقي نظام لدين وبعد ذلك بسنوات بسيطة ظهر مشروع محمد طلب هلال العنصري بالإضافة إلى أن الحكومة السورية حينها شاركت عسكريا عام 1963 في عملية النمر عندما أرسلت قوات يقودها الضابط السوري فهد الشاعر الذي وقع في الأسر الكوردي وأخلي سبيله وقيل له بما معناه: عد إلى أولادك حرا وإياك أن تظهر هنا مرة أخرى . وجاءت المشاركة العسكرية في إطار خطة مشتركة منسقة مع كل من إيران وتركيا بهدف خنق الحركة وتصفيتها ، حينها طرحت القضية الكردية في الأمم المتحدة من قبل مندوب منغوليا وأرسل الإتحاد السوفياتي إنذارا إلى هذه الدول محذرا إياها من مغبة أي تدخل لقمع الحركة الكردية في العراق . أن الحافز الذي حدا بعواصم هذه الدول إلى الإسراع في هذا الأمر هو القضاء عسكريا على الحركة التحررية الكردية الصاعدة التي غيرت موازين القوى كلها في المنطقة .
وأدت تلك التطورات السياسية إلى خلق فجوة هائلة تمثلت في الخلافات الداخلية لدرجة أصبح هناك كتلتين متميزتين في الهيئات الحزبية ، وكان لبروز خلافات داخل قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق ونتائج مؤتمر ماوت أثر فعال ومباشر على وضع الحركة الكوردية في سوريا وفي عملية التسريع نحو الفرز النهائي ووضع النقاط على الحروف فكان كونفرانس آب 1965 جوابا لذلك إذ أن وحدة القيادة السياسية بين التيارين المتنافسين كانت مفقودة ، وأن أي عمل من أحد الطرفين كان يقابل بالكثير من الريب والشكوك من الطرف الآخر .

ــ المرحلة الثالثة 1965 ـ 1970 :

سجل كونفرانس آب 1965 بداية مرحلة جديدة ونقطة تحول إستراتيجي وفكري في الحركة السياسية الكوردية في سوريا ، وقد نفذت هذه الخطوة مجموعة من الشباب المثقف الثوري المفعم بالنضال ، هؤلاء الذين رأوا إستحالة الإستمرار بهذا الشكل في الحزب الواحد ، إذ لم يعد ممكنا المضي قدما على النهج السابق دون برنامج ثوري جديد يضع الفئات الطموحة والنخبة الواعية أمام مسؤولية جديدة تاريخية وصعبة بعد فترات من التعثر . وتشكل مقررات كونفرانس آب نقطة تحول تاريخي، إذ إنقسم الحزب لأول مرة على نفسه على أساس فكري عرف باليمين واليسار وكان الأمر إلى هذا الحد طبيعيا جدا فكل ظاهرة تشكل وحدة عضوية يكمن التناقض والصراع في أعماقها وذلك هو سر التطور . أن صراع الجانبين هو المضمون الداخلي للحركة والتطور وأن النقيضين يتعايشان في حقيقة واحدة كالحياة والموت ، أي فكرة صراع الإضداد . وناهيك عن الإختلاف في الرؤية تجاه القضايا المصيرية الأخرى ، كان اليمين يرى في الأكراد السوريين أقلية لذا كانت مطالب هذا الجناح لاتتجاوز حدود الإعتراف ببعض الحقوق الثقافية وساهم بهذا الشكل في خلق ثقافة المساومة لدى الشبان الكورد . أما التيار اليساري إتخذ من النظرية العلمية نهجا له وكان ينظر إلى الأكراد كشعب له خصوصيته القومية وتناول برنامجه حقوق الشعب الكوردي القومية السياسية والاجتماعية والثقافية . ولكن رغم هذا التمايز لم يكن للفريقين مشروع متبلور ، فالمقاييس والمشروعية كانت تتعرض خلال نظرة وتقييم الثورة الكوردية في العراق إلى الحزبين المنشقين ، وعبرت خه بات في تلك الفترة عن علاقة الحزب الديمقراطي الكوردستاني الوطيدة مع اليساري والعلاقات الإعتيادية مع الجناح الآخر .
ورغم الظروف النضالية الصعبة آنذاك وخاصة الأحوال الاقتصادية المتردية ، فإن الحركة السياسية كانت نشطة جدا وبرز في صفوفها كوادر مخلصة بذلت كل وقتها في النضال السري والملاحقة وتعرضت إلى الإعتقالات ، كان الكادر السياسي يقطع عشرات الكيلومترات سيرا على الأقدام أو راكبا دراجات هوائية وهم مفعمون بالروح النضالية الثورية . لقد أنجز اليسار الكوردي في هذه الفترة الكثير من الخطوات الإيجابية فوقف إلى جانب الفلاح ضد الإقطاع مستخدما في حالات كثيرة العنف وإستحوذ على عاطفة الحماهير في الريف والمدينة خاصة بين المثقفين وعمق الفكر القومي والفكر الطبقي وجعل من القضية الكوردية محورا أساسيا منظما عدة مظاهرات سلمية في سنوات السبعينات في إطار اإحتفالات العامة رافعا شعارات على شاكلة : عاشت الأخوة العربية ـ الكوردية وعلى صخرة الأخوة العربية ـ الكوردية تتحطم المؤامرات الإستعمارية ولا للحزام والأحصاء ...إلخ. وساهم نشطاء الحزب في الفعاليات الإنتخابية كالإدارة المحلية وغيرها بالتعاون مع أعضاء الحزب الشيوعي السوري لتوحيد الكلمة في المواقف التي تمس المصالح المشتركة في الريف الكوردي .
وإهتمت الحركة لأول مرة ، بالمرأة كعضو فعال في المجتمع وبرزت من بينهن أسماء لامعات في تلك الفترة في المدينة والريف . ويجب القول بأن المرحلتين الثالثة والرابعة 1965 ـ 1975 شهدت تطورا ملحوظا على جميع المستويات ، فقد غيرت الحركة الكثير من المفاهيم في المجتمع الكوردي وفضحت الأهداف المخفية لبعض رجال الدين وتعتبر تلك الفترة وبحق من أنشط الفترات في تاريخ الحركة السياسية الكوردية في سوريا . أن هذا التغير المفاجئ أو الطفرة في تطور المجتمع لن يأت بسبب تغير كيفي مفاجئ وإختفاء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية القديمة بل بسبب تأثيرات جانبية عديدة موضوعية وذاتية . وتبلورت خلال هذه الفترة لغة خاصة للكادر السياسي وأضيفت مصطلحات جديدة إلى اللغة العامية وبرزت أناشيد وأشعار وأغاني قومية رددها الشبان والشابات في المناسبات والأعراس وفتح الريف صدره مرحبا بالملاحقين والكوادر . أن المرحلة الثالثة 1965 ـ 1970 هي من أكثر المراحل التي إتسمت بالصراع الفكري والأيديولوجي داخل الحركة الكوردية وإنعكست آثارها على المجتمع بشكل واضح . وقد إنتهت هذه المرحلة بتلبية قيادة الجناحين الدعوة لحضور المؤتمر الوطني .

ــ المرحلة الرابعة1970 – 1975 :

بداء من سنة 1970 بلغ الصراع بين جناحي الحزب ذروته فكل طرف متمسك بمنهجية لايتزحزح وكان الجو السائد لديهما جوا ملئ بالتجديد ملئ بالحذر الشديد فالنجاح يبقى مرهونا بعوامل داخلية وخارجية . ويبدو أن الجدل عاد بين الطرفين إلى الواجهة حول مسألة الشرعية ، فالجميع بدأوا يشعرون بأن هناك مأزق لابد من تجاوزه ، وقد ترسخت هذه الرؤية بعد بروز أفق جديد وعودة الإستقرار نسبيا إلى كوردستان العراق بعد التوقيع على إتفاقية 11 آذار 1970 . فالخيار الوحيد هو قبول المبادرات دون حماس مادام اللاعبون الرئيسيون سوف يكونون من خارج الحلبة . أن الحركة السياسية الكوردية في سوريا تعرضت لعوامل فوقية ودخلت في أزمة كبيرة وإتخذت المناقشات الفكرية والمبدئية منحا جديدا ، حيث أدخل الطرفان في لعبة سياسية جادة ودفعهما نحو مشروع الوحدة ، الذي كان بالرغم من أهميته التاريخية يهدد الوحدة التنظيمية لكل منهما . وكان على قيادة الحزبين أن تتعامل إنطلاقا من الواقعية السياسية ووجدت نفسيهما مضطرين لقبول المشروع ، فإن رفضه يعني رفض رغبة زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق الخالد مصطفى بارزاني أولا والتهرب من الوحدة امنشودة ثانيا . ففي الحالتين يعني سحب الثقة من الطرف الرافض وتعريته جماهيريا . وكان من أولويات أهداف قيادة الحزبين العمل من أجل عدم الإصطدام بالمشروع وقبوله ولو تكتيكيا ومحاولة الحفاظ على الهيكلية الحزبية بالقدر الممكن . ولأول مرة مارست قيادة الحركة الكوردية في كوردستان العراق نفوذها في خطة عملية شاملة ، وللمرة الأولى بعد إنشقاق 1965 واجهت قيادة الطرفين مشكلة معقدة إستعصت على الحل ، ولايمكننا بالفعل التقليل من شأن الحدث الذي أحدث زوبعة سياسية في الحركة الكوردية في سوريا وله مكانة في تاريخها السياسي المعاصر لاسيما وقد حضره قائد الثورة الكوردية البار مصطفى بارزاني . ولكن بإعتقادي إرتكبت قيادة الحزب خطا فظيعا بقبولها الحضور إلى مؤتمر ناوبردان عام 1970 مادام قد فرض على الحركة السياسية الكوردية قيادة مرحلية على راسها أشخاص بالرغم من وطنيتهم وتمسكهم بقضية شعبهم لم يمارسوا السياسة من قبل وكان يفترض توحيد جناحي الحزب إلا أن الحدث قد أفضى إلى شل الحركة السياسية والتنظيمية لاسيما وأنها إجبرت القيادات البارزة في الجناحين بالبقاء قسرا في كوردستان العراق .
وبدلا من توحيد الحزبين برز حزب ثالث الذي إستمد شرعيته ومصداقيته من المؤتمر الوطني وكان لهذا القرار تأثير حاسم على تفتيت الحركة السياسية الكوردية في سوريا وإبعاد الجماهير عن الحزب الأم وخلق تصدع في جبهته الواحدة بعد أن ترك العديد منهم صفوفه وإلتحاقهم بالقيادة المرحلية بعد فشل عملية الوحدة . وشهدت المرحلة أثر ذلك تعاظم نفوذ الإقطاع وإلتفاتهم حول القيادة الجديدة ، علما أن الغالبية منها كانت قبل بضع سنين تقف حجرة عثرة في طريق البارتي ، محاولة منها إعادة دورها في المجتمع الكردي . وتبدوا من خلال نظرة إرتجاعية لثلاثة عقود من الزمن أن الذهاب إلى المؤتمر فقط بحثا عن الشرعية كان خطا تاريخيا إذ سرعان ماإصطدمت تلك الرؤية بوقائع ملموسة وقد إشتد بعد ذلك التنافس بين العديد من الفئات التي إعتمدت على المحسوبيات السياسية وليس أساسا على الصراع الأيديولوجي والفكري ، وتميزت الحياة السياسية بشدة الخصومة حتى أن الجلسات على المستوى القيادي لن تخلو من المشادات بالأيدي على الطريقة البرازيلية أو المناقشات البيزنطية ويصعب على المتتبع للحدث إيجاد إي خيط مشترك يربط بين التيارات الثلاث سواء إنطلقنا من مفهوم الفكر الأيديولوجي أو من القاعدة التي إعتمدت عليها أو الخط السياسي العام أو حتى من ناحية التربية الحزبية . وإذا كان لهذا المشروع أهميته فلأن الوحدة لن تتحقق بالرغبات الفردية مادامت لاتستند إلى أسس ومبادئ وبرامج مدروسة .
وكان العالم والشرق الأوسط في هذه الفترة يشهد مدا سياسيا عارما وتصاعدا في الفكر الثوري الماركسي رغم أن جميع الدلائل تؤكد أن الإنهيار الداخلي للنظام الشيوعي في الإتحاد السوفييتي وفي أوربا الشرقية قد إنضمت منذ ذلك الحين . فإنتصارات الشعب الفيتنامي كانت يضرب بها المثل في جنوب شرق آسيا ، وإحتكت القيادات الكوردية بالقيادات العربية ومنها الفلسطينية وخاصة الماركسية منها لتعميق العلاقات الكفاحية العربية ـ الكردية والتعريف بالقضية الكردية كحليف مشترك ، في وقت كانت المسألة الكوردية في العراق تمر في لحظات حاسمة من تاريخها نتيجة تعنت الحكومة العراقية وتمسكها بمواقفها العنصرية الرافضة للتجاوب مع متطلبات الشعب الكوردي ، فبدلا من يلجأ النظام العراقي إلى البحث عن إمكانيات وسبل حل القضية الكوردية حلا سلميا عادلا وديمقراطيا وتلافي الخلافات لتقوية الوحدة الوطنية سبيلا لمنع التدخلات الأجنبية في شؤون البلاد ، لجأ النظام المذكور إلى إسلوب المؤامرة فكان إتفاقية 6 آذار 1975 في الجزائر بين صدام حسين والشاه الإيراني برعاية أمريكية مباشرة خطط لها ونفذها وزير خارجيتها آنذاك هنري كيسينجر . وهكذا نجد أن المؤتمر الوطني في ناوبردان سنة 1970 رغم هدفه النبيل ومحاولات مصطفى بارزاني التوحيدية ، سعوا من ورائه إلى تفتيت الحركة السياسية الكوردية في سوريا ،فالإنقسامات السياسية بلغت من العمق مايجعل تحقيق أي مشروع وحدوي آنذاك مستحيلا ولم يصبح مثل هذه الوحدة ممكنا مع فئات دخلت الساحة لأهداف أخرى .
وبذلك فإن هذا العمل لم يؤد إلى إزالة العقبة وهذه الخطوة لم ترق بالحركة الكوردية إلى مستوى أفضل مما إستدعى إعادة النظر في الممارسة وإجبار السياسيين على أقران أقوالهم بالأفعال . وأن الحزب بشقيه سينبعث من جديد ولكن بعد ان اصابهما الضعف وتعرضهما إلى بعض الأفلاس على الصعيد الشعبي . وبرزت القيادة المرحلية كحركة سياسية لم تكن تستند ، رغم إرتكازها إلى الجماهير ، إلى أي عمل سياسي مسبق أو أرضية تاريخية . كما يمكننا أن نلاحظ أن الثنائية المتضادة اليمين واليسار كانتا قد إستعادتا بناء تنظيميهما في الأرياف والمدن لمواجهة المشروع الجديد ، إذ لم يعد بالإمكان للأطراف الثلاثة الإستمرار معا . أما من جهته فقد أقدم اليسار على إنطلاقة جديدة لتجاوز الأزمة وملئ الفراغ السياسي المفروض على الحركة ، فجاء إنعقاد المؤتمر الثالث سنة 1973 الذي كان من أبرزقراراته الإلتزام بالماركسية ـ اللينينية مع الأخذ بعين الإعتبار الظروف الخاصة والمشخصة للشعب الكوردي ، وكان أول حزب قومي كوردي يلتزم بالفكر الماركسي . وجاء هذا القرار تجاوبا مع روح العصر ومحاولة لإنقاذ الحركة من الفراغ السياسي ومن روح المهاترات التي عمت الأوساط السياسية والحزبية . وتجدر الإشارة إلى أن أعضاء الحزب لم يتمتعوا بخلفية فكرية واسعة ، فالإمكانيات كانت شخصية ، وقد جند الحزب من أجل تحقيق هذا الهدف كل إمكانياته ، وأطلقت الحركة دينامية جديدة وسط الشعب راسمة الخطوط العريضة لقفزة أخرى نحو الأمام بغية أحداث إنقلاب في المناخ السياسي . وبالرغم من أنه كان تقريرا شاملا مستوفيا ، إلا أنه لم يكن هناك إتفاق جماعي داخل المؤتمر ، ففي العام التالي 1974 غادرت مجموعة من الكوادر ومنهم عناصر قيادية فاعلة في الحزب حينها أطلق الحزب شعار : الحزب يتقوى بتخلصه من العناصر الإنتهازية .
وبالرغم أن الأيديولوجية اليسارية لعبت دورا فاعلا على جانب الفكر القومي في توعية الشباب الكوردي ودفعه نحو الثقافة والإلمام بالفكر السياسي والنظري إلا أنه من المآخذ هو أن الحزب لم يسعى إلى الإرتقاء بالمستوى الفكري لأعضائه ، فلم تكن هناك محاضرات خاصة في هذا المجال ولادورات متخصصة أو حتى توجيه الكادر نحو الكتاب وتعليم لغة الأم . وبصرف النظر عن الملاحظات آنفة الذكر ، فإن اليسار الكوردي تمتع بفاعلية خاصة كونه إلتزم بفلسفة كانت تلقى الترحاب والقبول في الأوساط الجماهيرية وإن لم يكن هذا قاعدة ثابتة ،فالتربية السياسية كانت موجهة نحو الحركة الكوردية في العراق ، وقد يكون لذلك علاقة بشعبية الزعيم الكوردي مصطفى بارزاني ، ولكن هذا الأمر جعل من البارتي بشكل أو بآخر منظمة تابعة للديمقراطي في كوردستان العراق ، مما أثر سلبا على الحركة السياسية الكوردية في سوريا بعد الإنهيار المؤسف للثورة الكوردية بعد إتفاقية السادس من آذار المشؤومة عام 1975 . فنحن أمام أحداث تاريخية مضت عليها عقود من الزمن تحتاج على التشخيص الدقيق بدلا من العاطفة . وإزاء ذلك فإن المرحلة التالية والأخيرة التي جاءت بعد 1975 ترتبط إرتباطا وثيقا بهذه المسألة التي لها علاقة بإنهيار الحركة المسلحة الكوردية والحالة الإنشقاقية لقيادة البارتي في كوردستان العراق وصدور تقييمات متعددة من جانب الشخصيات المرموقة في القيادة المذكورة وإنتقال العديد منهم إلى دمشق وبيروت مما إنعكست ذلك على الحركة الكوردية في سوريا .
ان هذه المرحلة تتسم بالتشتت وسيطرة حالة من الشواذ غير الطبيعي على الحركة بعد أن ظهرت أسماء العديد من التنظيمات لدرجةتثير السخرية لدى الأوساط الشعبية والسياسية في الداخل والخارج خاصة أن أغلب تلك التنظيمات لاتمثل سوى مجموعة لايمكن أن تعبر بهذا الشكل عن إرادة الشعب . وعليه لابد من إبداء بعض الملاحظات :
أن الحركة الوطنية الدمقراطية الكوردية في سوريا لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب لتتمكن من إنجاز مهامها وتحقيق الحقوق الدمقراطية والقومية للشعب الكوردي في سوريا . لقد حان الوقت لتبحث عن سبل ووسائل الوصول إلى مثل هذه الدرجة . فعلى الرغم من العمر الزمني للحركة الذي يقارب نصف قرن ، لكنها تفتقر إلى المقومات الرئيسية التي تبنى عليها عادة حركات التحرر . فمنذ سبعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا تعاني حركة التحرر الكوردية من أزمة مستمرة ، فالإنشقاقات والإنشطارات العفوية ـ الساذجة منها والهادفةانهكت النضال الوطني الكوردي وأفرغته من محتواه الفكري والأيديولوجي متنقلة بها إلى روح المهاترات الحزبية والإتهامات المتبادلة لدرجة لم يترك قيادي واحد إلا وأتهم من قبل الآخر ولذلك فإن من أولى الأزمات التي تواجه الحركة أزمة القيادة ، إذ تفتقر الحركة إلى زعيم يصبح نواة لجمع الشمل الكوردي بمعنى آخر عدم توفر مقومات كاملة لإفراز شخصية مرموقة مقبولة من الجميع . إذن هناك أزمة قيادة سببها عدم الإجماع على شخص معين يكون محورا مشتركا تلتف من حوله مجموع الحركة السياسية . وهذا العامل ربما يعود لسببين أولهما عدم توفر المقومات التاريخية لتفرز مثل هذه الشخصية وكما تقول نظريةالحتمية التاريخية أن الرجل العظيم نطفة كامنة في رحم الزمان قذفت بها الروح الباطني ليحدث ميلاده تغييرا شاملا في كل ما حوله وهذا يحدث ولكن نادرا في حياة الشعوب وثانيهما هو أن الحركة الدمقراطية الكوردية في سوريا تاريخيا تحولت إلى جزء تابع لقوى أكبر منها مجدتها وجعلتها نواة تدور هي في فلكها . وهذه المسالة وتلك التقلبات أضرت بالعمل السياسي واضعةإياه في قالب شبه جامد ، فالسياسة نتاج فكر الساسة ، أي أن فكر السياسي هو الذي يحدد سياسته ويقاس نجاح السياسي بقدر نجاحه في التوفيق بين فكره وسياسته العملية . وهذا مالم يتحقق بسبب الفراغ السياسي والعوامل الموروثة الناتجة عن الأزمات المستمرة وعجز القيادات بهذا الشكل عن أداء دورهم ناهيك عن الضعف الأيديولوجي وحالة اللامبالاة مابين الخطاب السياسي اليومي والفعل العملي تجاه المسائل المطروحة والتبرير الدعائي الذي لايستند إلى المنطق خاصة فيما يتعلق بالمسائل الخلافية والمنهجية وبلغة الصراع اليومي وعدم توفر المصداقية في أحيان كثيرة في التعامل علما أن القوى السياسية العاملة لاتختلف إختلافا أساسيا في القضايا الجوهرية وخاصة مايتعلق بالجانب البرنامجي وبالتالي فإن الإزدواجية بين الدبلوماسية الرسمية والنشاط الخفي أنقادت الحركة على طريق مسدود ومصدرا للعديد من الأخطاء التي وقعت فيها القيادة . وأن الحركة السياسية وبعد مضي خمسين عاما على وجه التقريب عجزت عن صياغة برنامج شامل مشترك أو تصور دقيق للأهداف المرجوة بسبب حالة التشرزم والإنشقاقات والضعف العام والإفتقار إلى مرجعية واحدة ، نتج عن ذلك خلق هوة بين الحركة الشعب بسبب حالات الأنا وغياب برنامج قادر على إلتفاف الجماهير من حوله وعدم التطوير والإتهامات المتبادلة . وفي إطار هذه المناقشة البالغة الأهمية نفتقد دوما إلى الوثائق التحليلية ومراجعة الذات مراجعة نقدية وتحديد مكامن الضعف وتشخيص الأمراض والعلل التي تدفع بالأمور بهذا الشكل أوذاك وعدم توفر الشجاعة للمبادرة ودراسة ومراجعة أسباب فشل القيادات وفهم الماضي وأزماته من أجل إصلاح ذات البين بين أطراف الحركة . ونتيجة لهذه الأوضاع فإن المرحلة الحالية قد أفرزت تيارات عدة متشابه أحيانا في أسمائها وتلتقي أحيانا أخرى في برامجها . صحيح أن منطق التاريخ يستند على صراع الإضطداد والديالكتيك هو سر حركة التاريخ ولكن الحالة الكردية الحالية تبقى شاذة لاتخضع للحتمية التاريخية ولالنظرية التطور . ومن هنا فإن الضرورة تقتضي بالمضي قدما نحو سبل تجاوز هذه الأزمة ، وبالفعل فقد جرت محاولات كثيرة ولكن لم تؤد إلى النتائج الصحيحة ، وفي هذا السياق كان بروز كل من التحالف أولا والجبهة ثانيا كأطر نضالية إلا أن طرف بمفرده عاجز عن أداء دوره التاريخي ، لاسيما أنه نشأ تحالف عجيب بين أطراف كانت تتقصد أو تتجاهل بعضها البعض ، لابل إنفصلت عن ذات الحزب منقسمة إلى فئات متناحرة دخلت في صراعات جانبية وإتهامات كثيفة متبادلة ثم عادت لتلتحم بصيغ أخرى .
فقد تحولت مثل هذه التحالفات إلى حقل صراع مغلق بين الأمناء العامين والتشديد في ممارستها حتى على قياداتها ، محولة الإطارين التحالف ـ الجبهة إلى حرب باردة كوردية ـ كوردية وإلى حصانة دبلوماسية على شاكلة مجلس الأمن لحماية بعضهم البعض من الآخرين والإسراع في إطلاق الأحكام دون مبررات تاريخية .
ودون أن نوجه أصابع الإتهام إلى طرف معين أو التقليل من مكانته ، بات ضروريا الوقوف عند النقد الذاتي المتبادل ومراجعة الذات وكشف الأخطاء التي حصلت حتى الآن والإرتقاء بإسلوب التفكير من حيث التأطير والتنظيم ومن منظور إرتجاعي تقييمي وقبول جميع أنواع الإنتقادات والآراء ودراسة المشاريع التي قدمت للحركة الكوردية بكل جدية وهي عديدة وقيمة وعدم إهمالها ومنها مشروعنا المتواضع الذي قدمناه في صيف عام 2002 بإسم مشروع المؤتمر الشعبي الكوردي الذي يهدف إلى عقد مؤتمر وطني تحضره جميع الأطراف والشخصيات للخروج ببرنامج الحد الأدنى وتصحيح دفة السفينة ، وهو الحل الأمثل والمنشود في المرحلة الراهنة فالتاريخ سوف يتســارع لامحــالة .
____________________________
ـالمقالة منشورة في عفرين نت في صيف 2003 .
* باحث وكاتب متخصص في المسألة الكوردية .
أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]