عن الذين عرفتهم، عن الذين رأيتهم، عن الذين أتعرف إليهم، مثلما يريدون
تعرُّفاً إلي، عن الذين يريدون رؤيتي كما أريد أنا، عن الذين اشتقت إليهم،
كما هو شوق المختلف للمختلف مباشرة، ليكون المعنى المختلف أكثر يقيناً بما
يصدر عنه شروحاً وتفاسير وتأويلات، عن الكردي الذي يكون فيه الكردي إلى
جانب سواه : الكردي وغير الكردي، عن بابل لغاته الكردية الأثيرة، وما يحفُّ
بكرديته من كرديات القول والفعل ذات الجهات: الوجوه، أتحدث عن اللقاء
الطلق: الهواء الطلق ما استطعت سبيلاً، وما استدركت يقيناً بالتناظركردياً!
تبدو الوجوه الأليفة حدائق طبيعية، تتجدد مع كل لقاء، مثلما هي الوجوه التي
تدخل في الخانة هذه، إنها تمارس يناعة نفس ٍ، وإنعاش الروح في الجسد الذي
يريد حياة بمعان ٍ شتى !
لا أتحدث عن وجوه مَن التقيت بهم مجدداً، ومن أبصرتهم للمرة الأولى، بقدر
ما أشدد على أهمية الوجوه في إطار الذات، في تقوية جبهة خلاص الروح، كما
أسميها، لحظة الشعور بأن الحياة تستحق أن تعاش بحضور الآخرين، وهم داخل
الروح تلك، عندما يكون الآخرون، هم أنت بصورة ما، وتكون أنت مجموعهم الذي
ينتظر تداخلاً وتواصلاً من الجهات كافة.
ليس هؤلاء الذين تكوّن حروف الأبجدية كاملة قواسم مشتركة لبداياتهم
الاسمية، بالتسلسل أو دونه، وما يلي البدايات، أعني اندماجها التشكيلي في
تأليف كامل الاسم لهذا أو ذاك، ممن أحتفظ باسمه الثلاثي أو الثنائي أو
الاسم وحده أو ما يشير إلى وحدة الاسم تمايزاً، أو خانته بصورة ما أو
بأخرى، بعلامة فارقة تخص الوجه أو الخصلة الروحية أو الزمرة المعنوية، ممن
أعرفهم، ويعرفون أنني أعنيهم هنا بالاسم وإن لم أشر إليهم صراحة، أو وأنا
أسميهم حتى دون التذكير بأي منهم، لحضورهم بين السطور ، ومن لم أسمهم بعد،
ومن سأسميهم تالياً بطريقة ما، أو سلسلة القوائم الاسمية المتناثرة في
أوربا القارة، الدولة، المدينة، كما هي أشجار الحور في بلادنا المنكوبة
باسمها، إلا محطات بث الأرواح المشتركة، مرايا اليقين الكردي، وهو يصطدم
بأوهام الآخرين، ممن يريدون أن يظلوا أوهاماً، ويحيلوا كل ما حولهم وهماً
في وهم على وهم .
ألتقي بهؤلاء، أتلمس الأرض من حولهم، أحاور أمكنتهم عبرهم، أسمع البيوت
التي استقروا فيها أو تركوها، المسالك التي ألفت خطواتهم، فضاءات النظر
التي اعتمدوها فسحة أحلام متواضعة، وبحة أمان غير موثَّق، الجهات التي
أموُّها واحتموا بهم، وكيف نازعتهم مصيراً وتوترات، يضيق بك البصر، تأتيك
البصيرة على عجل، تشعرك بثقل مهمتها، تكتشف قسوة الجمال الميط بك، خشونة
الطراوة التي تصدم ناظريك، وحشية الأطايب التي تمتد إليها أناملك الناعسة!
أكراد يستقبلونك بقلوبهم أو بعيونهم أو بكلماتهم، أو بابتساماتهم أو
بإيماءات لها مغزى ، لا يدرك مضمونها، ولو من بعيد سوى القريب بالكردي
داخله، كل حسب استطاعته الكردية، أو ما ملكت يمينه الانسانية، يتوزعون على
مفارق الطرق، في أزقة مدن باتت معروفة عن طريقهم خارج حدودها المحلية
والإقليمية والقارية، بسبب انتشار الكردي سكناً وموطناً مؤقتاً وربما إلى
إشعار غير مسمى، ليكون الوطن سراباً أو شبهه، وهو المبعَد عنه اضطراراً أو
حباً بعد تردد، ومن ثم إكراهاً لأن أولاداً له باتوا يرسمون لـه الوطن الذي
يجب أن يكون من خلالهم، وحب المكان المختوم باسمهم، وحتى زوجته، والذين
يتعرف إليهم جيرة، متعددي الألسن والمعاناة، متنوعي المشارب، يلتصقون
بالأمكنة وهم على خوف مما يمكن أن يحصل لهم، يرددون أقاويل من سبقوهم، أو
ما يمكن أن يطرأ من جديد مقلق لهم حيث يعيشون نهب التوقعات أو التكهنات أو
القوانين الخاصة بالأجانب، حتى لو أنهم أمضوا عقوداً زمنية هناك : مواد
للأوربي، لفكره، لتأملاته، لتعليقاته، لنكته وطرائفه كذلك.
أكراد يعيشون كرديتهم بمقاسات عدة، طيبون في حدود الإمكان، أعداء الكلام
المقعَّر، والثقافة المحدبة، والوعود المنمقة، يتحدثون، بصفتهم هامشيين،
وليتهم كانوا في المتن، إذ بالكاد ألتقي من يستحق أن يكون في المتن، المتن
المخادع، المثقل بالشعار والهتاف الخلبيين، بالمقامات المعرَّف بها مسبقاً،
المقامات التي لا تُرى إلا بعد مساءلة عن الغرض من اللقاء، حتى لحظة الدخول
في نقاش أو مرادفه، أكراد أشعر بملء كردية مبصرة ، وهم يفصحون بحركاتهم
والبسيط من الكلمات، كما هم بسطاء، رغم أوزار المكان والجوار: أهلاً
مباشرين وغرباء !
ألتقي بالوجوه مجدداً، تتنوع الموضوعات وتستجد، لأن لأوربا تغير لباسها،
أقنعتها باستمرار، وحدها أوربا أكثر من غيرها تعرف ما هو الثور بقرنيه حين
تهتز الأرض، وترتج الجهات، لتكون في الإثر أفواج من المراسيم والقوانين
التي لا تقبل الطعن فيها، ولا تفيد المظاهرات والاحتجاجات وحالات العصيان
المدني بتعديلها، لأنها تأتي في ظل دراسات خاصة، وليس ارتجالية ، خلاف
المتداول في ظل مقاولي سياسات وأنظمة تقبل على نفسها كل شيء في أمكنة أخرى،
إلا أن تتغير، وتغيّر أقنعتها والذين ألفتهم ممن يحرسونها عن قرب، إلا على
مضض، هو ذاك الثور الأوربي المختلف تماماً عن الثور الشرقي المعهود حتى
الساعة، المستجيب للاستشعار عن بعد وعن قرب، ما يجب أن تكون عليه أوربا
لاحقاً.
ألتقي بالوجوه كثيراً، بالكم الوفير رغم قلته العددية، أعاين أطياف
الكردية، طبقاتها، نزوعاتها، كوابيسها، من هم أهل لها، ومن هم مضيّقو
الخناق عليها، من يصرخ وجعاً، ومن يصرخ حنقاً عليها، من يشهر كرديته، وهو
خلافها، من يبكي أملاً كردياً قريباً وشيك الحدوث وهو يُُجهض.
يتحدث هؤلاء عن الانتقال بين الأمكنة، بين الرايات، بين الأدوار، بين اسم
وآخر، والكل كرد، والكل على الكل أو باسمه، وفي اللقاء الطلق يبرز الأفق
الكردي الجهم !
لكم هي المدن الأوربية كثيرة، لكم هو واسع المكان الأوربي، لكم هي الحدود
الأوربية فارهة، إنما لكم هي ضيقة المدن هذه على الكردي فيما يعانيه أو
يشكوه، ولكم هو منحسر المكان به، ولكم هي الحدود خانقة إياه، بحثاً عن ملاذ
آمن، هارباً من نفسه، هو علة خرابه الداخلي كثيراً، وأحياناً قليلة يكون
سواه، فيكون هذا مسمى، فقط عند من يملك جرأة تسمية الكردي في نفسه !
كلما تجدد لقاء، يبرز المكان بوجوهه، مثلما تتهادى أصداؤه: لا يغرَّنك
المكان بوساعة أفقه، ويناعة مداه، وتناسق مسافاته أيها الكردي الهارب
بجلده، وجِلده جلاده كثيراً، لا يوقع بك المكان حين تستسلم لـه، وأنت دونه
قوة، مأخوذاً بكرم ظاهري، لا تعرف ماذا وراء هذا الكرم الأوربي، حين تتابع
في البعيد البعيد، كيف يمثَّل بشبيهك، بك داخلك، ليكون المهدّد لأمنك
الذاتي ومن هم معك خلفك وأمامك، في يقظتك ومنامك، في حلك وترحالك، لا يثيرك
المكان بأهليه، وهم يبتسمون لك تجاوباً مع قانون، ينتظرون اللحظة لرميك
بعيداً عنهم، وأنت الكائن السوسيالي أو الطفيلي أو الطارىء على مكان مطوَّب
باسمهم، لتكون كالآخرين ممن يلوثون الهواء الأوربي، والماء الأوربي،
والتراب الأوربي، والتاريخ الأوربي، والجنس الأوربي، والحلم الأوربي...الخ،
ثق تماماً، وأنا أعيش تعدد اللقاءات مع من ذكرت، ومن لم أذكر بعد، أن مرايا
اليقين الكردي لا تطيق طويلاً صوره في تمددها خارج منبتها الفعلي، غفلة
الصور عن الشائه فيها.
وحدها حكايات ، روايات، بانورامات، قصص، مفارقات، طرائف تخصه حصراً، مشاهد
مرسومة، تحدّد إحداثياتها لي من جهة هذا الكردي الجميل أو ذاك، أو بحصافة
المقاربة النقدية، واستطلاع ما وراء حركة الكردي الغارق في شروده، أو
المغمور بأوربية مصطنعة، أو المتباهي بجنسية المكان غير المتجانسة المطعونة
به أصالةَ تقدير أو سوء تدبير، تعلمني أو تهمس في أذني، أو ترسم في الهواء
الطلق في كل لقاء طلق، البعد المأسوي المتتابع للكردي، حيث يقيم، أو يرتحل
، أو يرتجل لغة لم يتقن طقوسها بعد، وهو سعيد، لأنه يظن خلاف المتصوَّر،
بينما هو دون لغته الأصلية مقاماً ومقالاً كثيراً كثيراً!