تأملات في واقع الحركة السياسية الكردية السورية
6

هل سيفلح العطّار في إصلاح ما أفسده الدهر؟
 

عبدالباسط سيدا

عفرين – نت 10.07.06

هل ستُوفق نجاح في ترميم النسيج الذي هتكته عقلية أمراء الظلام وممارساتهم؟
هل اللقاءات التي تمت، والأخرى التي قد تجري بين الكرد والدكتورة نجاح العطار نائبة الرئيس السوري هي حصيلة صحوة ضمير، ورغبة في التعامل مع الأمور بواقعية وموضوعية؟ أم أنها محاولة أخرى من محاولات التعمية، تذكّر المرء بالجانب السلبي من سياسة الدولة العثمانية في ميدان التعامل مع الملل والنحل؛ تلك السياسة التي كانت تقوم على الإستمالة عبر الوعود الوردية، وزرع بذور الشك بين مختلف الأطراف وداخل الطرف الواحد نفسه؟ وذلك بقصد الإبقاء على وضعية التفكك والهشاشة، وإرغام الجميع على التسابق صاغرين إلى قصر السلطان، طالبين الصفح والغفران، بعد أداء شعائر القسم القاضي بأنهم لن يتعاملوا مع العصاة المارقين، هؤلاء الذين يرفضون التلفّح بالرداء السلطاني المقدس، والتبرّك بالنور الهادي، وعطاءاته السخية....؟

أسئلة عديدة، وغيرها كثيرة، تزاحمت على ساحة الذهن حاشدة متلهفة، وذلك بعد وصول الخبر المتصل باللقاء الأخير الذي تم بين العطّار ووفد المثقفين الكرد في دمشق، بصحبة الأستاذ الصديق، الدكتور أحمد برقاوي الذي جمع بذكاء بين رجاحة العقل ودعابة الروح؛ وكان حينما تركت دمشق قبل إثنتي عشرة سنة قومياً عربيا، ديمقراطياً، محباً للكرد والسوريين على وجه العموم، وأعتقد أنه ما زال كذلك كما أتمنى وأعتزّ.

أسئلة مؤرّقة، تدفع بالمرء نحو التأمل والتمعن في الواقع السوري الذي لا نُحسد عليه. سلطة ضعيفة، كاشفة العورة إزاء الخارج؛ قوية على الداخل بأجهزتها الإستخباراتية والعسكرية التي يبدو أنها تستفيق من صحوة ما بعد الترنّح، وترتب أوراقها الأقليمية والمحلية على أمل الحصول على صك دولي جديد، يخوّلها حق الإستمرار في الإستبداد والإفساد.
وفي المقابل، معارضة قوية بقضيتها، هزيلة بتبعثرها؛ معارضة باتت مرتعاً للهُواة وأصحاب النزوات، وربما الأوامر؛ وذلك نتيجة تقاعس المحترفين وانكماشهم على الذوات، وإصرارهم على التغتّي بالمواويل القديمة التي لم تجلب الغائب الحبيب، ولم توقظ الميت الغالي. هذا على الرغم من إحساس الجميع بأن ما نشهده اليوم إنما هو بداية لتغيير كبير قادم شئنا أم أبينا. تغيير يتقاطع مع مصالح شعبنا السوري بكل إنتماءاته، هذا الشعب الذي دفعت به ذهنية القمع والنهب والتسطيح إلى وضعية لم يعد لديه بموجبها ما يخسره.

أما الصف الكردي فالحيرة هي سيد الموقف بالنسبة إلى قواه السياسية ونخبه الثقافية. والحيرة هذه مبعثها الإخفاق في توحيد الطرح والموقف؛ وهو مطلب عام جامع بين الكرد على وجه التخصيص، والسوريين المدركين الذين يمتلكون المنظور الوطني السليم على وجه العموم. والحيرة المعنية تتمظهر تجلياتها عبر التوجهات والمراهنات المتباينة. فمنهم من لم يقطع الأمل في الحصول على بلسم العطّار السحري. ومنهم من وضع النقطة الأخيرة، وقرأ الفاتحة. وبين هؤلاء وأولئك الحشد الأكبر المتيقّن من عدم نجاعة الطرح الذي يقزّم قضية شعب يصل تعداده إلى أكثر من ثلاثة ملايين، ويحشرها في زاوية إجراء إضطهادي، يحاكمنا بشأنه من كان الفاعل والجاني. هذا مع احترامي لكل الأخوة والأخوات الأعزاء أعضاء وفد المثقفين الذين أرادوا من دون شك أن يفعلوا شيئاً لشعبهم؛ وقد وُفقوا - على الأقل - في إثارة الإهتمام بموضوع تكتّمت السلطة عليه معاندة لفترة طويلة.
وهنا أود أن أسرد بإيجاز قصة - إذا صح التعبير- علّها تتناسب مع الموضوع الذي نحن بصدده، وربما كانت مفيدة لنا مستقبلاً، إذا اردنا أن نتعايش سوريين من مختلف الانتماءات معاً بوئام وسلام، في إطار حاضتنا جمعياً سورية العزيزة.
ففي خضم تفاعلات أحداث إنتفاضة الثاني عشر من آذار 2004 إلتقينا مجموعة من المثقفين والسياسيين الكرد والسريان في استوكهولم، وذلك بهدف البحث معاً عن قواسم التفاهم والتواصل، والعمل المشترك من أجل توسيع دائرة الحوار لتشمل كل أطياف المجتمع السوري الذي يستمد مشروعيته وقوته منها وبها. ولا أكتم القارئ الكريم أن الإرتباك والتوجس كانا فاعلين في بداية اللقاء، لكنهما سرعان ما اختفيا بعد المكاشفة والمصارحة، والتعبير عن الرغبات المشتركة في تجاوز أخطاء الماضي وآلامه، وتأكيد الإستعداد المشترك لمستقبل مشرق لا يُلزمنا سوى بالعمل الجاد، والإعتراف بخصوصية الآخر. والتوافق في معالجة المختلف عليه، والصدق في التعامل. كان اللقاء جميلاً ومؤثراً بالنسبة لي ، وأعتقد أنه كان كذلك بالنسبة لجميع الأخوة المشاركين من الطرفين؛ لكنه بقي مع الأسف يتيما لأسباب ما زلت أجهلها - أتمنى ألاً تكون سلطانية – على الرغم من الجهود التي بُذلت من أجل تأصيله وديمومته. فالسريان هم منا وفينا، ونحن هكذا بالنسبة إليهم، بغض النظر عن تخرصّات المجبرين وانفعالات الجهلة هنا وهناك. ومن المسائل التي توقفت عندها، وأثرت فيّ حقيقة، ما ذهب إليه أحد الأصدقاء السريان من المشاركين في اللقاء المذكور، قائلاً في سياق تعليقه على ما كان يجري في قامشلي حينئذٍ: إنني أخجل من موقف جماعتنا السريان في قامشلي، فهؤلاء لم يلتزموا حتى بالواجبات التي هي مفروضة على الجار من الجار. فتقاليدنا تُلزمنا أن نخرج في جنازات الجيران، نشاركهم آلامهم ونخفف عنهم حزنهم. لكن جماعتنا هناك لم يؤدوا مع الأسف حتى هذا الواجب النبيل البسيط الذي لايستطيع المرء التحرّر منه مهما كان، وفي أية ظروف. إنتهى كلام الصديق السرياني الذي لامس شغاف القلب، وجسّد الوطنية بكلمات سهلة واضحة تعجز عنها عشرات الكتب الأكاديمية.

ما ذكّرني بهذه القصة الأثيرة، هو لقاء وفد مثقفينا الكرد مع نائبة الرئيس المغلوبة على أمرها.
تُرى هل من الطبيعي أن نُستدعى إلى دمشق بعد عقود من الإمحاء والإستعلاء، لنلتقي مع رموز قمة الهرم السلطوي؛ وشيخ المثقفين الأستاذ الدكتور عارف دليلة يصارع المرض في زنزاته، دافعاً ضريبة عقد التشفّي التي أظلمت قناديل عقول المتسلطين؟ هل سنحصّل شيئاً وكمال اللبواني وميشيل كيلو وغيرهم العشرات من المثقفين والسياسيين السورين من العرب والكرد وسائر المكوّتات الأخرى في سجون الظلم وزنازين العار؟ هل ستمنحنا العطّار شيئاً وهي التي لاتستطيع التمتّع بزيارة إنسانية خاطفة يقوم بها شقيقها إلى دمشق، لأن المادة التاسعة والأربعين من قانون اللاقانون لهما بالمرصاد؟

أسئلة مقلقة تقض المضاجع. أضعها أمام الزملاء من أعضاء الوفد الكردي، وأمام الأستاذ الصديق أحمد برقاوي الذي لا أشك مطلقاً في أمانته ونزاهته، وهو يستحق الشكر دائماً. لكنني أعتقد أن الخلل الذي نعاني منه عام شامل بنيوي، لا تستوي معه مساحيق التجميل، وتعجز الرغبات الحالمة المشروعة عن إصلاحه، والله أعلم.
أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]