غياب التعاطي الديمقراطي و تجلياته في الحركة الكردية
حيدر عمر
عفرين – نت 10.07.06
إن المُـتـتـبـِّع للحـراك السياسي و الـثـقافي الـكـردي في سـوريا
يـرى أن مـفـردة الـديـمـقـراطية تـُتـداوَل في أوساطـه أكـثـر مـما لـدى
غـيـرهـم مـن الشرائـح السياسية و الاجـتـماعـية السـورية، و ذلـك في
دلالـة واضـحـة عـلى مـدى تـعـطـُّش الكرد للحـياة الـديـمـقـراطية، التي
سـبَّب لهم فـقـدانـُها مـآسي كـثـيـرة عـلى مـدى تاريـخـهم.
و ليس أدَلّ عـلى مـدى هـذا الـتعـلـُّق الكـردي بهـذه المـفـردة مـن
اقـتـران اسم أول تـنـظـيـم سياسي كـردي في سوريا بها، مـنـذ مـنـتـصف
القـرن الماضي. و ظـلـَّت هـذه المـفـردة مـلازمـة لأسماء كـل التـنـظيـمات
السياسية الكـرديـة التي جـاءت فـيما بعـد عـبـر انشقاقاتٍ مـتـتـالية مـن
جـسم التـنـظيـم الأول.
و بـذلـك يكـون الكـرد مـن أوائـل- إن لم نقـل الأول- الـذيـن أدخـلوا هـذه
المـفـردة إلى القامـوس السياسي السوري، و لازال خـطابـهم السياسي و
الـثـقافي - عـلى اخـتـلافه - لا يـخـلو مـنها، بـل عـلى العـكس، نـراها
الآن أكـثـر تـداوُلاً بـيـنـهم.
إذا نـظـرنا إلـى هـذه الحـالـة مـن وجـهـة نـظـر المـنـطـق الشـكلي، فإننا
يـمـكـن أن نـدَّعي، دون أدنى شـعـور بالحـرج، بأن الـكـرد ديـمـفـراطـيـون
أكـثـر مـن غـيـرهـم. فـهـل يـؤيِّـدنا الـواقـع في صـحـة هـذا
الادِّعـاء؟!..
الإجـابـة عـلى سؤالِ مـن هـذا الـنـوع لابـدَّ - فـيما أعـتـقـد - أن
تـمـرَّ عـبـر الـنـظـر في واقـع الحـركـة الكـردية في سوريا، و دلالـة
مـفـردة الـديـمـقـراطية، و ما يـتـشـظـَّى عـنها مـن معانِ و دلالاتِ
نـظـريةٍ ستـظـلُّ في حـالة كمون، تـُفـقِـد كـثـيـراً مـن مـصداقـيـة
الذيـن لا يـنـفـكـُّون يلـوكـونها، ما لم تـُتـرجـَم عـمليـاً، فـتـؤكـِّد
الأقـوالَ بالأفـعـال.
الـديـمـقـراطية تـعـني - فـيما تـعـنـيه - قـبـول الآخـر رأياً و
مـوقـفاً، و تـفـتـح الأبـواب عـلى مـصاريـعها أمام تلـقـَّي الرأي الآخـر.
بـمـعـنى أنـها تـدعـو إلى الـتـواصُـل و الحـوار و تـبادُل الآراء عـنـد
الـنـظـرفي مشكـلـةٍ أو أمـرٍ ما، دون تهـميـش أيَّ رأيٍ مـهـما كان
مـتـواضـعـاً، انـطـلاقاً مـن كـونها لا تـؤمـن بـوجـود الحـقــيـقـة
كاملـةً لـدى طـرفٍ دون آخـر. و هـي تـتـوقـَّع دائـماً أن تـتـلاقـح
الآراء المـتـبايـنـة، فـلـربـما يـنـتـُج عـن هـذا التـلاقـُح مـوقـف ٌ
قـادرٌ عـلى أن يجـمع الكـل تـحـت سـقـف المـصـلـحـة الوطـنية .
إذا ما نـظـرنا إلى واقـع الحـركة الكردية في سوريا، و هي المـبـعـثـرة
فـيـما بـيـن تـنـظـيـماتٍ يلهـث عـددها نحـو العشـرين تـنـظـيـماً، فإن
الأمـر لا يحـتاج إلى كـبـيـر جـهـدٍ للوصول إلى قـناعـة بأن هـذه الأزمـة
الخـانـقـة ناجـمـة عـن غـيـاب، بـل انـعـدام الـتعامُـل الـديـقـراطي
داخـل الحـركة الكردية و أحـزابها عـلى السـواء، و هـيـمـنـة نـوع مـن
الـتـربية الحـزبية،ربما لا نكـون مخـطـئين إذا ما أرجـعـناها إلى
الـتـأثـُّر بالـثـقـافة الشـمـوليـة التي تـمـجِّـد القـائـد، و تـدَّعي
احـتـكار الحـقـيـقـة.
إن اقـتـران أسماء غـالبية الأحـزاب الكردية في سوريا بمـفـردة
الديـمـقـراطية جعلها تلوك هـذه المـفـردة و تـتـزيَّى بها دون أن
تـتـرجـمها واقـعاً عـملياً، مـما جعـل الانشـقاق الحـزبي أسـهـل الطـرق و
أنجحـها للتعـبـيـر عـن الـرأي الآخـر بـدءاً مـما سُمَّـيَ بـكـونـفـرانس
آب 1965 الذي مـهَّـد السـبـيـل أمام هـذا الـداء المسـتـفـحـل حـتى
يـومـنا هـذا.
إن غـياب الـتعاطي الـديـمـقـراطي داخـل الحـزب الـواحـد كـثـيـراً ما يقـف
عـائـقاً أمام أصـحاب الآراء المخـتـلفة، يـمـنعهم مـن نشرها و الـتـعبـيـر
عـنها بالـطـرق و الوسائـل الـديمـقـراطـية، و يـدفـع المستـأثِـرين
بـمـركـز الـقـرار في الحـزب إلى الإجـهاز عـلى اـلمـخـتـلفـيـن مـعـهم في
الـرؤيـة و المـوقــف. و بالـمـقـابـل كـثـيـراً ما يـفـتـقــر أصـحـاب
الـرأي الآخـر إلى الـحـكمـة و الـصـبـر، فـيـبادرون عـنـد أول مـماحـكـةٍ
فـكـريةٍ أو سيـاسيـةٍ، بـل شـخـصيةٍ في أكـثـر الأحـيان، إلى إعـلان
الانشقاق و تـأسيس حـزبٍ جـديـد. لـيـبـدأ بـعـد ذلـك تـبادُل اتهاماتِ
جـائـرة ً عـبـر حـملاتٍ ظالمـة بـيـن طـرفـيـن كلاهـما يـنسى أنهما كانا،
حـتى قـبل لـحـظاتٍ، رفاق دربٍ واحـدٍ يستمـيـتان في الدفاع عـن بعـضهما
عـلى قاعـدة " انـصر أخـاك ظالماً أو مـظلوماً "، فـتـنغـلق الأبـواب أمام
كل مـناقـشة هـادئـة لِـما آل إلـيه الأمـر. و لـنا فـيـما حـصـل في"حـزب
الوحـدة الديـمـقـراطي الكردي في سوريا /يكيتي/ في الآونـة الأخـيـرة خـيـر
مـثال.
لعـلها المرة الأولى في تاريخ الحـركـة الكردية في سوريا، و في تاريخ
انـشـقاقاتها المـتـتالية، أن يخـرج الخـلاف إلى العلن، حـيـث نشـرت بـعـض
مـواقـع الأنـتـرنيت بياناً مـطـوَّلاً لعـضو اللجـنة السياسية نـوري
بـريـمـو، انهال في مسـتهلـَّه عـلى سكرتير الحـزب باتهاماتٍ و صفاتٍ غـيـر
لائـقـة، مـما صـرف أنـظار و انـتـباه المـتـتـبعـين عـما ورد في القـسم
الثاني مـن بيانـه، الذي أوضح فـيه نـقاط الخـلاف التي نعـتـقـد أنها كانـت
جـديـرة بالـوقـوف عـنـدها. و سرعـان ما ردَّت عـلـيه قـيادة الحـزب عـبـر
تـنـويـهٍ تـناقـلـته أيضاً مـواقـع الأنـتـرنيت، بأن جـرَّدتـه مـن صفـتـه
الحـزبية و كافـة الصلاحـيات.
أعـتـقـد أن خـروج الخـلاف إلى العـلن بـتـلـك الـطـريـقـة كان
يـتـضـمَّـن، و لـو مـن زاويـة ضـيـقـة، دعـوةً غـيـر مـعـلـنـة للشريحـة
المـثـقـَّفـة، و خـاصة أولـئك اـلذين يـرون أنـفـسهم عـلى مـسافـةٍ
واحـدةٍ مـن كافـة أطـراف الـحـركة الـكـرديـة، أن يدلو بـدلـوهـم في
الأمـر و يـناقـشـوه، في سـعي ٍ لإعـادة الـمـياه إلى مجـاريها. و عـلى
الـرغـم مـن أن صـوت تـلـك الدعـوة لم يـكـن يعـلو عـلى الـهـمس الذي بـدا
ضعيـفاً جـداً مـن خـلال الإعـلان عـن الخـلاف، فـقـد تـلـقـَّـفـها
الكاتـب بـيـر رسـتم و استجـاب لـها في مـقالـةٍ لم يـتـجـاوز فـيها
الـجـزء الأول مـن بـيان الـسيد نـوري بـريـمـو،و كـذلـك فـعـل عــلي
جـعـفـر في مـعـرض ردِّه عـلـيـه، دون أن يـخـوض كلاهـما في مـضمـون الجـزء
الثاني الذي كان، فـيما نـراه، جـديـراً بالمناقـشة التي كان مـن شأنها أن
تـوجـَّه إلى قــيادات الأحـزاب الـكـرديـة رسالة تعـيهـم بأن ما آل إلـيـه
وضْـع الحـركـة الـكـردية لم يـعـد يـحـتـمـل صراع الـدِّيَـكـة.
و إذا كان ما حـصل في حـزب الـوحـدة هــو في الـمحـصلـة أحـد تـجـلـيات
غـيـاب الـتعاطي الـديمـقـراطي ضمن الأحـزاب الـكردية في سوريا، فإن عـدم
اقـتـراب الـمـثـقــف السياسي الـكردي مـن هـذا الحـدث هـو أيضاً نـوعٌ مـن
عـدم قــدرة هــذا الـمـثـقــف عـلى مـمارسة الـديمـقـراطية عـلى الـرغـم
مـن أنه أحـد أكـثـر الـمـتضررين مـن غـيابها حـتى عـلى الـمسـتوى الشخصي.
ربما يـذهـب بعـضهـم إلى أن ما حـصل كان شأناً حـزبـيـاً داخـلياً، لـيس
لهـم الـحـق في تناوُلـه. ولكـنني أعـتـقـد أن خـروج الخـلاف إلى العـلن
عـبـر الإعـلام جـعـله يـخـص الجـمـيـع، و في مـقـدمـتهـم أولئك الذين
يعـتـبـرون الشأن الكردي هـمهـم اليـومي في مـقالاتهـم و تحـليلاتهـم
السياسية التي تعـجُّ بها مـواقـع الأنـتـرنيت.
الـغـريـب في الأمـر أن جـمـيع الـنخـب السياسية و الثـقافـية، إنْ بشكل
فـردي شخـصي أو عـبـر أحـزابها، تـتـفـق عـلى أن حـالة الـتـشرذم ليس فـقـط
لا تخـدم ما يناضلون مـن أجـله، بـل تـئـد كـثـيـراً مـن قـدراتـهـم و
تضعـف مـوقـفـهـم، و لذلـك تـرونهـم في بياناتهـم و تصريحاتهـم مـتـفـقـين
عـلى أن حالة التشرذم هـذه لا تعـبِّـر عـن فـئات المجـتمع الكردي و شرائحه
و طبقـاتـه الاجـتماعـيـة، بـحـيث يـتطـلـَّب عــدداً مـن الأحـزاب يقـارب
العـشرين.و مـن هـنا ترونهـم لا يـنـفـكـُّون يرددون ما يـعـبـر عـن
بحـثهـم عـن صيغ قادرة عـلى بناء مـرجـعية سياسية واحـدة.
إلا أن الخـطوات العمـلـية الـملازمة لـذلك الـبحـث الـنظري لـبـناء تلـك
المـرجـعية تأتي، في أكـثر الأحـيان، شاهـدة لا تقـبل الجدل عـلى فـقـدان
المصداقـية في مساعـيها، و ذلك عـبـر مباركـتها لموالـيـد جـديـدة، مـثلما
حـصـل في مـؤتمـر بروكسـل الذي وقـَّع عـلى شهادة ميلاد حـزبين جـديـدين أو
أكـثـر.
كـذلك ما رأيناه مـن مـوقـف حـزب آزادي الكردي في سوريا مُـعَـبَّـراً عـنه
في افـتتاحـية العـدد 373 مـن جـريدته المركزية المنشورة في بعـض المـواقـع
الأنـتـرنيتية. لقـد أفاض في الشرح و التحليل و التأكـيـد عـلى ضـرورة بناء
مـرجعية سياسية، و ذلك عـبـر مـوقـف نـظري لا يخـتلف اثنان عـلى صحـته،
ولكـنه سرعـان ما أظـهـر تمسُّـكه بالرأي الفـرد، و أدار ظهـره لأُولى
آليات بناء تلك المـرجـعية، أقـصد الحـوار الديمـقـراطي، حـيـن اقـتـرح في
خـتام الآفـتتاحـية المـوسومـة أعـلاه " أن تـكـون رؤية الحـزب في
مـؤتـمـره التأسيسي أساساً لبناء هـذه المـرجـعـية "، مـتناسياً أن
اللعِـبَ بالألفاظ لم يعـد يـنـطلـي عـلى كـثـيـر مـن شـرائـح المجـتـمع
الكردي.
أعـتـقـد أن صياغـة هـذا الاقـتـراح بصيـغـة أخـرى تـدعـو إلى مـناقشة رؤية
آزادي إلى جـانـب أوراق و رؤى الأطـراف الأخـرى المـدعـوة إلى بناء تـلـك
المـرجـعـية يـكـون أكـثـر انسجـاماً مـع المـوقـف الـنـظـري الوارد في تلك
الافـتتاحـية، و أكـثـر دلالة عـلى مصـداقـية الحـزب في إيمانـه بضـرورة
الـتعاطي الديمـقـراطي سعياً إلى الحـد مـن ظاهـرة الانشطارات الحـزبية
وصولاً إلى تـوحـيـد المـوقـف الكردي و خـطابه السياسي.
أعـتـقـد أن الأوانَ قـد آنَ، وخـاصة في هـذا الـوقـت الـذي نرى الجـمـيع
مـتـفـقـيـن في الدعـوة إلى إيجاد مـرجـعـية سياسية، لأن يمارس الساسة
الكرد، شخـصياتٍ و أحـزاباً، مراجعاتٍ لمجـمـل مسيـرتهم السياسية، يشيرون
فـيها، بجـرأة المناضـلين، إلى الممارسات الخاطئة و الإخـفاقات المـتكررة،
الأمـر الذي يعـتـبر مدخـلاً لممارسة الديمقـراطية فـعـلاً قادراً عـلى
وضْع أساس صحـيـح و مـتـيـن لبناء المرجعية السياسية المنشودة التي بات
الجـميع يـدرك أهـمية وجـودهـا.