وصلتني مجموعة من الرسائل الألكترونية ،يستفسر أصحابها عن معنى
البرغماتية، والسياسة البرغماتية للسيد عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال
الكردستاني التي وردت في مقالتي التي تحمل عنوان : حزب العمال الكردستاني
وخيارات حل القضية الكردية في تركيا المنشورة في موقعي عفرين وبنختي بتاريخ
2-5-2006.
في البداية أشكر الآخوات والأخوة الذين أغنوا بآرائهم وتعليقاتهم المفيدة
موضوع المقالة . ويسعدني جدا أن ألقي بعض الضوء على برغماتية السيد عبد
الله أوجلان ،هذا الزعيم الكردي الشمالي الذي فتح الجرح الأكبر والنزيف
الأكبر في الخاصرة التركية.
1- معنى البرغماتية: البرغماتية كلمة يونانية
( progma) وتعني العملية والواقعية، واقتبس الرومان هذا المصطلح واستخدموا
عبارة(progmaticus) وتعني المتمرس، وأول من استخدمها كتعبير فلسفي،
الفلاسفة الأمريكيون:
ووليامس جيمس1842-1910
شارل بيرس1840- 1914
وجون ديوي 1854- 1952.
والفلسفة القائمة في المجتمع الأمريكي هي فلسفة برغماتية،والسياسة
الأمريكية الحالية هي سياسة برغماتية.
والبرغماتية كمصطلح سياسي فلسفي- تعرف أحيانا بالواقعية السياسية- و تعني
تفسير معاني الأفكار وفق النتائج المترتبة عليها، لا وفق المبادئ العامة،
وهي عكس الميتافيزيقية والمثالية.
ووفق هذه الرؤيا فان البرغماتية تركز على النتائج المترتبة على مقدمات
الأفكار،وتوجه الفكر نحو الحركة ونحو المستقبل،وتجد البرغماتية جذورها في
أفكار ومذاهب شتى،مثل فكرة العقل العملي،وفكرة البقاء للأصلح، وفكرة ربط
الانسان بالواقع وشده نحو عالمه الأرضي.
ووفقا للفلسفة البرغماتية،فان الحقائق متغيرة ونسبية،ولاوجود للحقائق
المطلقة، والفكر الذي يحقق منفعة هو الفكر الصحيح، والمستقبل مفتوح أمام
الخلق والابداع والاضافات الجديدة.
2- برغماتية السيد عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني:
- ينتمي السيد عبد الله أوجلان الى عائلة من وسط عموم الشعب الكوردي، وبذلك
كسرالنظام التقليدي القروسطي للزعامة الكردية السياسية التي قامت على الارث
الديني والارث القبلي العشائري أوكلاهما معا طوال قرون، وهذا أمر نادر
الحدوث في الواقع الكردستاني،وهذا النمط من القيادة لم يكن لينجح في
كردستان تركيا لولم يمتلك الامكانية الفكرية البراغماتية لصنع عالم
أفضل،عالم يتناسب مع روح الحداثة التي أخذت بها المجتمعات المتقدمة
اليوم،خاصة وأن الواقع المتردي في شمال كردستان طوال نصف قرن- منذ فشل آخر
انتفاضة كردية- كان يشيرالى أن ارادة الصراع قد انتهت في شمال كردستان
ودفنت على يد أتاتورك .
والفكر الذي يحقق نفعا هو الفكر الصحيح، ولاعلاقة للأقدار بذلك، وهذا
الفكرالبرغماتي غير الواقع الكوردي الراكد في شمال كردستان الى واقع
الصراع.
وأذكر هنا باختصار بعضاً من براغماتية السيد عبدالله أوجلان:
- أنقذ السيد عبدالله أوجلان بفكره البرغماتي حزب العمال الكردستاني من
براثن الموت والتصفية على يد الجونتا التركية حينما قررنقل كوادرالحزب من
شمال كردستان وتركيا في الثمانينات الى الشرق الأوسط وسوريا ولبنان.
- استفاد السيد عبدالله أوجلان بشكل برغماتي من الصداقات التي أسسها في
الشرق الأوسط ،واتخذ لبنان- دون أن يتورط في الحرب اللبنانية أو يصبح طرفا
فيها- كقاعدة تدريبية لأنصاره- أكاديمية معصوم قورقماز - وكنقطة انطلاق
نحوالعودة الى شمال كردستان
- عندما أعلن السيد عبدالله أوجلان في عام1984 الكفاح المسلح في شمال
كردستان ،كان ذلك قرارا برغماتيا، فالأكراد يجتمعون حول صوت الرصاص
ويفترقون حول صوت السياسة .
- عندما أعلن السيد عبدالله أوجلان شعار تحرير وتوحيد كردستان كمنهج وفق
رؤية برغماتية كردستانية، كان محقا بالاستناد الى الظروف الأقليمية
والدولية وظروف صراع المعسكرين الشرقي والغربي، وظروف الحرب الباردة،وطالما
أن الحقيقة متغيرة ،والفكر الواقعي هو المرشد لطريقة تحقيق المصالح،وطالما
أن الظروف والأوضاع الدولية والاقليمية قد تغيرت بعد سقوط الاتحاد
السوفييتي فان المصلحة الوطنية وفق برغماتية السيد عبدالله أوجلان تفترض
تغيير الاستراتيجية ،وأنطلاقا من هذه المستجدات غيرالسيد عبدالله أوجلان
استراتيجيته وأعلن أن لكل جزء من أجزاء كردستان خصوصيته في اختيارشكل العمل
النضالي و السياسي الذي يناسبه وهذا قرار واقعي برغماتي يحسب له ولا يحسب
عليه.
- عندما قرر السيد عبدالله أوجلان ترك سوريا نهائيا في عام1999 اثر
التحشدات التركية على الحدود السورية ،كان باستطاعته الدخول الى شمال
كردستان، ولكنه آثر المجازفة و الذهاب الى أوربا لينقل القضية الكردية الى
العالم الحر بأسره ،وهذا الفعل بحد ذاته عمل برغماتي وضع القضية الكردية
على طاولة المجتمع الدولي،ورغم النهاية التراجيدية والتواطئ الدولي الذي
انتهى به الى سجن ايمرالي فان العالم كله يتذكر السيد عبدالله أوجلان
كزعيم،ويرى أنصاره ومحبوه أنه يشبه الحكيم اليوناني صولون الذي ضحى بنفسه
من أجل حرية شعبه وتوحيد وطنه.
وأخيرا ظهرت فلسفته البرغماتية بشكل واضح في الاعتذار الشهير لأمهات
الضحايا من الجنود الأتراك- وهذا فعل انساني راقي- و أثناء المحاكمة حينما
دافع عن العلاقة الأخوية بين الشعبين الكوردي والتركي وعن تاريخهما المشترك
وحينما دافع عن نفسه بالقول (اذا كان هناك مذنبين بحق الشعبين الكردي
والتركي في هذه القضية فهم انتم ونحن وكان يقصد حزب العمال الكردستاني
والدولة التركية معا الأمر الذي ترك أثرا طيبا في الرأي العام،ودفعت العالم
الحر للتعاطف معه ومع قضيته العادلة والضغط على تركيا واجبارها على الغاء
عقوبة الاعدام بحقه،علما بأنه لم ينج من حبل المشنقة التركية أحد من قبل من
زعماء الثورات الكردية في تاريخ تركيا المعاصر.