كلنا عملاء

 

ابراهيم محمود

عفرين - نت 01.07.06

يتحدث أحدهم عن الاعتباطية، وهي ترادف المزاجية، بأنها تفتقد المبدأ الفكري، تفتقر إلى المعتقد، تكره كل ما يتعلق بالمنطق الذي يلزمها بقانون أخلاقي جماعي أو ذاتي كذلك.
الاعتباطي هو العبيط، والعبيط هو هكذا: شخص يقوم بأدوار كثيرة، ولا يلتزم بأي دور العبيط في المصرية من يدعي الحكمة، وهو خلافها، من يلبس قناعاً مكشوف ما وراءه. إنه يتحامق أو يتغابى أو يتجانن ( يدعي الجنون)، إن صح التركيب، والعبيط ليس بثقة، فهي حقاً، كمفردة، تقابل المزاجية، حيث إن هذه تذكّر بالمزج، أي يلبس وجوهاً دون أن يثبت لـه وجهاً، أي يعتمد مجموعة مبادىء متباعدة، أي منها يهمه، يرتكز إليه إلى حين، ثم ينشد غيره ، وهكذا دواليك.
يتحدث آخر، في الوسط الذي نعيش، عن الذهنية المتصلبة، أي عن المتشددة فيها، إنه يرى الأشياء من منظوره الخاص، وكل خلاف نشاز، ونتلمس هذا في ممثلي الأفكار الشمولية، والأنظمة الشمولية، والعقائد المعتبرة كاملة...الخ.
لكن المزاجي، كما المتصلب في فكره ومبدأه وعقيدته، يلتقيان في نقطة واحدة، وهي أن من الصعب التواصل أو التحاور معهما، فللأول يواجهك بجهاته الكثيرة، والآخر يواجهك بجهة واحدة وحيدة، محصناً ، إنما معزولاً عن الآخرين.
لكن هل حقاً يكون كل مما ذكرنا بعيداً عن التغير، عصياً على التحول والتغير؟ الوقائع تقول خلاف ذلك، حيث مستجدات التاريخ، تُري مدى نفاذ حكم التاريخ في كل منا.
في الحالتين، ثمة وجهان لعملة واحدة، هي الفشل في معرفة ما يجري والاستفادة منه.
كردياً، ما أكثر التصلب المزاجي، وما أكثر المزاجية المتصلبة:
يكون أحدهم متصلباً، كما نتلمس في نظامه الحزبي الداخلي، علاقاته المرسومة، إزاء ما يجري وما يمكن أن يجري، ليظهر تالياً، مدى تقلبه، وفي الوقت ذاته، يظهر أحدهم مستجيباً للمستجدات، كما تملي عليه، ويظهر بالمقابل أنه ثابت في موقفه.
ثمة جماعة تتحرك، أو يجري تحريكها: عقائدية تفتقد العقيدة التي تبقيها حية فاعلة، إلا إذا كانت مؤمنة تماماً بأن العقيدة من العقدة، وأن العقدة هي في دورانها حول ظلها الاعتباري، هي وليس غيرها. ثمة جماعة يتم التصرف بمصيرها، تقودها حكمة اليد المصفقة، وبراعة الذهنية الملفقة، حيث الابتعاد عن الواقع المنشود، يكون نتيجة مترتبة على مدى تفعيل الشعاراتية فيها.
هذه الجماعية: المجاعية، المشاعية، في الاستسلام لمن يزنبركها، يخويها( يحوّلها إلى خاوية)، ينزع عنها وحدتها التي تصهرها ، دون أن تعدم فيها تمايز أفرادها، شعورها بالمسؤولية الفردية، الجماعية التي لا تعني الجمع بين المصائر، إنما التجميع الهيكلي، الذي هو تركيع مفصلي، للذين رضوا أن يكونوا معاً، وليس أن يكوَّنوا معاً تمايزهم وتنوعهم، باسم مزاجية أو تصلب، تتلاشى القوى الجماعية، في مهب ريح المزاجي أو المتصلب، لأن الأول لا يحسن قراءة الأمكنة واختلافها، والثاني يفتقر كثيراً إلى الروح النقدية المتبصرة لبؤس المكان المؤطر.
حزبيونا، وما أكثرهم، متحزبونا، وما أبرزهم، دون أن يكونوا منتسبين حزبياً عملياً، إنما بسلوكاتهم وأقوالهم في الجهتين، كتابنا المشكَّلون شيعا – ضِيعاًً، كرداً بالجملة الغالبة، في المحيط الكردستاني، وفي محيطي، كما أعلم علم اليقين وعينه، يعيشون الاتجاهين: اللااتجاه.
رغم ذلك، تبدو قائمة التسفيهات والتقريعات والتخوينات والتعميلات والتهويلات، بدرجات متفتاوتة، وفي الصميم، واستناداً إلى الصميم التحزبي وعلى هامشه، ممن يعرّف بنفسه مستقلاً، وهو عكسه، ممثّل أكثر من دور، ليكون في انتظار أي دور، يدور به دوره المنتظر، لئلا تدور به الدوائر، كلمات مألوفة. إذ من خلال تاريخ التعامل بين من ألمحنا إليهم، يمكن وضع الخطاطة التالية، وهي ترتكز إلى ما كان متداولاً، وما زال قائماً إلى اللحظة هذه:
ليس كردياً، من لا يقف في ركاب سواه، يكون داخل جماعة، لا يلعن مع اللاعنين، ولا يكفّر مع المكفّرين لجماعة أخرى، لشخص آخر، أو أشخاص  آخرين، وهم في مجموعهم كرد، من لا ينزل فيهم: تخويناً، أو تهويناً، أو تعميلاً( اعتباره عميلاً)، طالما فيه ما يخالف سواه، أو يختلف به عن الآخرين: كتابة، أو في  مجالس خاصة وعامة أحياناً، وفي الكتابة...الخ.
ليس حزبياً عقائدياً كردياً، من لم يثبت أنه نفَّذ ذاتياً أو بإيحاء ما أن أحد ما ، مغضوب عليه: كردي الأبوين وحتى الجد السابع على الأقل، مشكوك في أمره، مهما كان موقعه، ويُحذَّر منه.
ليس حزبياً، وكردياً حقيقياً، من يؤكد يوماً، أن فلاناً الفلاني، منزوع الأخلاق والكرامة.
ليس حزبياً كردياً، ولا تقبله جماعة معينة، ضد سواه، وضد جماعة أخرى، كردية بدورها، ولا يكون الصوت المطلوب وفق مقاسات، وإلا مات ميتة عمالة أو سفالة أو ضلالة.
يدور الحديث عن وحدة الصف الكردي، بينما السؤال يطال هذا الصنف الكردي أو ذاك، من يحدد كردية مَن، أي أرضية تحدد انسانية وكردية هذا أو ذاك، الجماعة هذه أو تلك؟
ما أغزر الأحاديث المتعلقة بوحدة الصف الكردي، وما أغرز الأحاديث  النابذة لها، وفيها. نعم ، ثمة وحدة صف، لكن أي صف؟ الصف الذي يكتّل الجميع ضد الجميع، يكتل الواحد نفسه، كما لو أنه الجميع في نفسه، القادر على تقرير مصير الجميع كردستانياً، كما يعلم هذا ولو أمر هذا الحزب،أو ذاك، وهو دون أمر ذاته، الصف الذي يعلّم الجميع شعاراتياً، ما يعنيه الكردي هتافياً، وما يحتاجه الكردي في روحه الحية: ابن مجتمع، وابن مدينة مفتوحة، وشخصية متفتحة.الكردي الذي ينتمي إلى جماعة، فيصطدم بجاهليتها، وبذاءات الأقوال الرائجة والمروجة،والكردي الذي تشده الجماعة الكردية إليه لخصلة لافتة فيه، لتميت فيه إياها، ليسلم من وباء المناخ الجماعي، وأولي أمر الجماعة المزاجيين والمتصلبين تفكيراً معاً.
كلنا عملاء إذاً! عملاء حيث نمارس تخويناً تبادلياً، وعملاء، حين نثبت أننا نفكر بالطريقة التي تبقينا شذر مذر، وعملاء عدو حقيقي، وأعداء وهميين ومتوهمين، حين نبرز شهادة حسن سلوكنا،لمن نؤكد لهم كرديتنا الكردستانية، بالتمثيل، أو بالفعل اليومي، وهم خصوم لنا، خارج وحدة الصف الكردي، أو أعداء حقيقيون، ونحن في حيص بيص، أعني في ( حيط بيض)، نلزم للسلق والتسلق عند الضرورة، طالما، وإذ، وحيثما نكون درساً في التشرذم، لهؤلاء، وأن لا خوف منا في الحالة، بقدر ما نكون العبرة لهم، حيث  نكون مضرب مثلهم، وهم نازلون مقيمون في مضاربنا الأرضية والفكرية والروحية، ضاربون فينا أشتاتهم بتشتيتنا، ونحم نؤكد لهم، من خلال ما يحدث، ضربنا المتبادل لبعضنا بعضاً: بغضنا بغضاً، وإضرابنا عن الحياة التي تؤكد فينا جدارتنا للحياة التي ننشد، كرديتنا التي نزعم، أصالتنا ونحن نجدد العمالة ونؤصلها فينا: علامة فارقة.
ومن لا يعلم، أو يدعي أنه لا يعلم، ليراجع ما يخص أحزابنا: حرابنا الكردية، ومن هو موبوء ومنخور ومسحور بلعبتهم: علبتهم المؤلمة، حتى كتابة تاريخ هذه الكلمة.
نعلّم فينا الإبداع، فيكون الإبداع بدعة مشبوهة، وصناعة الأعداء، كما يجري الحديث عن الصهيونية وعملاءها، إنها صهيونيتنا، التي هي من نوع آخر، باختلاف الاسم، كون الذهنية واحدة، فكل من يفكر خلافاً، يمارس نقداً مختلفاً، ينتقد الجماعية المنخورة من الداخل، مختوم على قفاه ورؤاه بختم مؤامرة، أو عمالة، من نمط الصهيونية، لتكون الـ( صهـ: حيونية)، هي العلامة المثلى للكردية العتيدة في المعاش الكردي.
كل من يخرج عن هذه الجماعة، يموت ميتة جاهلية، على الطريقة الكردية، التي أصبحت مثلاً، يعلم به الجاهل قبل العاقل من أبناء الضاد، ومن يكرهون سماع الكردية في الجوار السلطوي.
لهذا ينام أعداؤنا نوم قرير العين هانيها، بينما الكرد المأخوذون بطقوس الجماعية الخلاعية وسحرتها، فينامون نوم شخير الروح فانيها.
كلنا عملاء إذاً، رغم  فظاعة الكل هذه، لنحسن الحداد على أنفسنا تاريخياً، ولنحسن تقدير نيل الآخرين منا، وهم يتحملون أوزارنا المليونية، إذ نعجز عن الجمع، ونتشدق به، لنحسن تقدير الأرض التي نزعم أننا ننتمي إليها، بينما نبوّرها بقحط الروح الموسومة فينا كردياً.
يا للجماعة القُلاعة المقرّحة للجسد في مجموعه.
ياللجماعة المقلوعة عن وحدتها.
ياللجماعة الكردية الجرداء، في تاريخها الشاهد على خلاف مضمونها.
أنا الصعلوك الكردي بامتياز! العميل مضرب المثل، كما يعلم من تخصّص وتحصَّص في هذا الميدان داخل الحدود الكردستانية وخارجها، مقدماً جبن الضمير على إقداميته.
أنا الخارج على الجماعة، مأخوذ بذاتي، حتى الرمق الأخير، ولأمت ميتة جاهلية متكردة هنا، ولا نامت أعين العملاء والسفهاء فينا كرداً أو دونهم!
أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]