مرايا اليقين الكردي 
9

إلفة الكردية في سانديفيكن!

 

ابراهيم محمود

عفرين - نت 15.06.06

من الصعب عليك التعبير عن مشاعرك بحرارة مطلوبة، بحرارة مقدرة، بالصورة المرغوبة، في حدود معينة، وأنت وسط أو طي الثلج الذي تجمَّد، الذي عالمه الجليدي من الداخل، في انتظار أوبة التحول خارجاً: هيئة ونوعاً، في انتظار كائنه الموعود مع ما يغيّبه. ولكن بياض الثلج لا يوحي بغرابة المكان. الثلج المجمَّد، والذي يبدو عليه أنه عمَّر طويلاً نسبياً، أو فرش حمولته إزاراً واحداً، ثم متحوَّلاً قطعاً متفاوتة المقاسات، مختلفة الأشكال أيضاً ، الثلج وهو يغطي المكان، بقعاً بيضاء، تنتشر في مساحات لا يحيط بها البصر، كما لو أن مشهد ( سكوب بالألوان)، متَّفق عليه في المدينة السويدية سانديفيكن. الثلج المجمّد في مكانه ثانية وأكثر، وهو يعد نفسه لشمس تنفخ من روحه النارية في روحه الأثيرية، أرواح كائنات لا مرئية، بما يكفي، ليفك أسر الأخضر المتدثَّر به، الكامن أسفله، في عقد زمني مبرم، لا يني يتكرر، عند الضرورة الطبيعية، والكائنات الأخرى: الحية شهود التحول والتبدل، برضى أو بعدم رضى.فالشمس السافرة كلياً أحياناً، لا تبدو أنها تتنفس قي المكان، بقدر ما تشهد على سبات ناري، في انتظار اللحظة/ السانحة: المنحة الفلكية، لتتثاءب ناراً ، وقد تشعشعت ،على شكل أحزمة ضوئية، في مشهد سبحاني من نوع خاص، تنفذ في الفضاء، وتتوغل في صميم الأرض السانديفيكنية، محيلة البياض ألواناً رقائقية غاية في الشفافية، كما هي الطبيعة، وقد أنجبت خلائق اللون المشخصة، ومباهج التكوين فيها.
لكن الصعوبة هذه، تكون أولية، لأنها تذكّر بتلك المعاشة، حيث تكون المألوفة من قبل المرء في أمكنة أخرى، كما هي بالنسبة لي، إذ لا ينفصل الثلج ببرودته وببياضه وما يزكم فيه وبه، وما هو مطمور داخله، عن المكان الذي يلتحفه، وفق سنن طبيعية، إنما سنن: محنٌ أخرى نافذة فيها، بالنسبة للذين يضفون على بياض الثلج قسوة مبتكرة، أو مخطَّط لها، أو يجهرون بها، قسوة هي لسان حال من يستأثر بعموم الأحوال، ليبقي الكردي وسواه تالياً، في بؤس حال، فيذكّر بياض الثلج ببياض الكفن، بحداد مقحم طبيعةً طارئةً، سنَّة معاكسة لمفهومها المعتاد دورياً، خلاف بياض الثلج هنا، الذي يذكّر بسطوع الحياة في أرواح، لا تخشى التعبير عن أسماء أهليها، لا خوفاً من مسائل عن خلفية الاسم، أو خانته، برد مرافق: معانق للثلج هنا، داخل في مناظرة مفاخرة طبيعية، مع ثقافة عقدت صلحاً، منذ عقود زمنية طويلة، بين سماء لا تنفث نقمة إلهية، عبر جيوش لجبة من متطوعين لا مرئيين منذ الأزل، في شخص المنكر والنكير وامتداداتهما أرضياً، مذ وجَد أو أُوجد الإله الكلي القدرة، إله الندرة في القبض على بشر يساوَم عليهم كثيراً باسمه، ملائكة يبدون غلاظاً، رغم التعريف بهم متنوَّعين مختلفين في مهامهم، وأرض، هي خبر السماء المضاف تكسيراً، خبر مقدَّرهامش السماء الجهمة المفتوحة كقبضة زائر الفجر، لا يبدو أنها اُفترِشت لحياة تتنفس الصعداء غبر بشر دون أسمائهم الكردية في المجمل، ومن في إطارهم. سانديفيكن السويدية بلسانها، تبدو لي مفهومة بلغتها، بثلجها المضياف رغم البرودة الماثلة أمام العين، ولكنها لحظة اللقاء بها، تلقي السلام برحابة كونية، بمناخها الذي يصدم العين منذ الوهلة الأولى، لكن سرعان، ما تتراءى العملية، في شبه مزحة، لأن السحنة الكالحة، وتقلب المزاج، يشيان بمرونة وحفاوة المكان بالذات، لأن أولي أمر المكان، هكذا دخلوا في حوار مع الطبيعة، لتكون هذه على أتم الهيئة: انفراجَ أسارير من الداخل.
تلتقي بالذين، كان عليك أن تلتقي بهم هناك: أكراداً، كرداً، قادهم ثلج المكان( هناك): الثلج الإلهي موحّد الله تزكيةً ، والمعبّر عن سطوته في وحدانيته النازلة ( نزلة صدرية مزمنة في االأثرالمشتق) برداً في نفوس من جيّرت نفوسهم، بنفوس من لا يتنفسون إلا باسمه، يتنفسون الصعداء في مكان مشاع ٍ لهم، في مكان مراع ٍ، في مكان كردي اللغة والإلفة في الكثير من مدوناته التليدة، الكردي الغريب المغرَّب وهناً على وهن، إن جاز التشبيه، عن كرديته ، عن لغته، الهارب بكرديته ، بلغته، مقذوفاً بهباب الثلج: يبابه، الثلج الإلهي العلامة: حرابه، وقد اكتسبت أسماء من تحدثوا باسمه ليكون المعرَّف بهم فقط، وليكون الكرد وسواهم،داخلين في عتمة الثلج داخلاً سافلاً، مطمورين كرهاً تحت وطأته التاريخية، متسللين من داخله بصمت متوثّب، مأخوذين بثلجهم الذي كانوا يعرفونه منذ أيام كاوا وأنسبائه وحفدته في الجوار، ثلجهم الذي لم يصبهم ببرد، كما هو الثلج الذي أبصره سانديفيكنياً، ما عدا اللغة التي لا تخيف كثيراً، لأن ليس هناك مَن يوحد الله من ( عل ٍ)، ويبدده سافلاً، في من يريدونهم : أسفل سافلين، بجواز تسفيرإلهي، كما تقتضي الحكمة الإلهية المحكَمة من لدنهم، حكمة تفريق الله عن كل أسمائه الأخرىXwedê,God, Dieu ...الخ.
يحيل الثلج ببياضه هؤلاء، بجوار آخرين التقيت بهم، سرياناً عرباً، سوى هؤلاء، ارتضوا أن يكونوا خارج نفوذ الثلج المقيم الأبدي ببرده النافذ في العروق، إلى بشر كأي بشر، يعرفون الله بأسمائه الحسنى، إنما ليس بطريق التسبيح الطقوسية، والمسبحة المبتكرة، للتذكير الشعائري به، لتكون الحبات، مع كل اسم يُلفظ من داخل اللوح المحفوظ، سلسلة الأرواح المقهورة والمهدورة في الإثر في الخيط الرباني الموسوم: ذهاباً وإياباً، مفلوقة من الداخل، إلى ما لا نهاية.
هنا لا يأتي الله ، كما لو أنه المفاجأة التي تظهر عقب مُولد نبوي، ابتكره ذوو السلطان ( هناك دائماً)، ولا يظهر للعيان بطريقة ما، كما لو أنه مجسّد قابض الأرواح في الصمت المعتم، إنه المأخوذ بصفات من يلفظون اسمه، من يضفون عليه أسماء من عندهم، ليزداد قرباً منهم.
هكذا إذاً، رأيت الله الكردي والأوربي بالجملة، رغم التفاوت أحياناً بين أوربي وآخر، إنما بعيداً عن صقع الثلج المذكور آنفاً، رأيت الله السرياني خلافاً، والله العربي بعيداً عن جلجلة أسمائه الحسنى تكبيراً وتدبيراً لأرواح معذبة، رغم كل ما يقال عن الرحمة المعرَّبة، وما يعادلها في لغات أخرى، شاركت الضاد في تقاسم برد الثلج دون نعمائه، في الكرد تخصيصاً.
هنا التقيت بكرد، كرد أعرفهم مذ كانوا في ليل الثلج هناك، وها قد استحال ليل شعرهم بياضاً أو مغزواً ببياض متعدد الأسباب، كرد رأيتهم هناك، وها قد بان فيهم تأثير برد الثلج هناك، وثلج الغربة، وثلج الحنين إلى مكان ألفوه، وأودعوه لوحهم الكردي والانساني المحفوظ، واستشعروا برودة مصيرية، كرد أبصرهم للمرة الأولى : أجيالاً تترى، أطفالاً كانوا، فصاروا فيما بعد مقتبل العمر، شباباً دخلوا في خانة الشيبوبة.
كرد كثيرون، حيث الشعور بالكردية يتقاسمك، وأنت تستحضر صوراً متعددة للمكان هناك( في قامشو) وفي الجوار: أتفرَح لمرآهم، أم تبكي بحضرتهم، أم تتخذ حياداً، وكل ذلك بحسبان، وأنت مأخوذ بنظر من يتمعنون فيك، وفي الثلج الذي يمتد فيك من ( هناك)، مقارنين إياه بثلجهم، والمفارقات الموجودة، أتصمت، لتتكلم وتستفسر بعينيك، وحتى بيديك مصافحةً، متلمساً حرارة الروح الكردية والانسانية، مقارناً بدورك بين مدى نفاذ برد الثلج بمعان ٍ شتى فيهم، أم لتبحر في أسئلة، تتقاذفك إجاباتها، وفي الحالات كافة، تكون محك اختبار، مثلما الآخرون يمتدون أمامك ملء النظر والروح، ملء كردية، وهي تنطق بلغات شتى، محكومين بالمكان طبعاً؟!
ألتقي بالكثيرين من آل حاجو، حيث تتبدى سانديفيكن، كما لو أنها في بعض جلي منها، تدل عليهم، تنطق بكردية، أو تتهجى بكردية مفهومة، من خلال كمهم الوافر هنا، حيث ثلج المكان العاصف، كان له سهمه النافذ فيهم، لتكون الـ( سانديفيكن) محطة مكانية كبرى لهم هنا.
أتحدث بيقين لا يخيّب أملَه نظرٌ، يقيني أنا، بصراحة المصافحة، وفصاحة الضيافة، ودفء الكردية التي تلمستها في الكثيرين سابقاً، في أمكنة أخرى، أستشعرها فيهم. لا وجود للمراتب ، للمقامات، وقد أكَّد الثلج المتصاعد بهبابه ويبابه هناك، ما لنفاذ وحدانية العسف، من تأثير في تشكيل وحدانية الكردية، حيث ثلج المكان هنا، ببرودته الملهمة، وبالذين يرتبط برد الثلج الأليف بهم،مؤكّد يقين الكردية بالجملة، يقين مرايا الكردي في أكثر مشاهدها مأسوية، حيث الأرض تُسفك داخلاً، وتُحمَّل باسمها الكردي، وبجهاتها الكردية، حيثما توجهت، وحيث ألتقي كرداً، يؤكدون الشعور بكرديتهم، مهما كان الموقف منها، أو كيفما كان التعبير عنها، إذ تعددت أسباب تجنب موبقات وأدواء وأدوار الثلج العاصفة هناك، والكرد واحد.
لكَم تبدو إلفة الكردية في سانديفيكن مهفهفة، رغم جدة المكان وحداثته، لكم يبدو المكان محموماً بالإلفة والإيلاف، في ثنية المدى المجدي للبصيرة الحاذقة، وهي الكردية ترحّب بمن ينساب فيها، مقارنة بالنقيض هناك، لكم يبدو بشر المكان أكثر قرباً من نضح الكردية في شقاء المكان، وتبدد الزمان في أعطافها وإردافها، رغم وعورة السويدية، ولكنها أهلية العلامة، لا وحشيها ، كما هم البشر الخارجون عن طباع الأهلية فيهم، رغم إلفة الوجوه دون القلوب، إزاء كردية تقلب المعايير والدساتير، في نظام غير منتظم الطباع، إلا باعتماد الوحشي طبيعة ثانية، أو ما يرادفها، في بورصة النيل من كرده، لا كرده احتسابَ تاريخ وجغرافيا معاً...لكم.. لكم.. لكم !!
ألتقي الكثيرين من آل حاجو مأخوذين بالمكان، كل في مكان مجزأ كما تقتضي حِرفيات المكان، الحاجة إلى الحياة واحتضانها، وصولاً إلى الشعور بالاختلاف المكاني، كل في موقعه، كل مأخوذ باسمه، والكل مأخوذون هم وسواهم بكرديتهم، بالجهة الجغرافية التي شهدت ولا تزال، على الثلج الضاري، كل يؤسس في المكان ِ المكان َ الذي يشير إليه، كما تستوجب لغة المكان، شهوة العمل إلى الذين يريدون أن يكونوا في مستوى اسمه.
أكون بصحبة كاميران حاجو الوجه المألوف جيداً وبأكثر من معنى، والذي أمضينا وقتاً محتسباً، عبر وجوه جلية في تفاصيلها في فستروس، خائضين في برد المكان، في مفارقات الثلجين، في البرزخ الفاصل بينهما، في خارطة الوجوه التي تتداخل في الحالتين، في همّ الكردية وأطنابها، فيما يُبتدأ به الكلام، في الكردية ذات الهم والغم( ملح الكردية في طعامه اليومي، حتى لو كان به علة رحمانية أو ملحقة بها تالياً: دنيوية)، ويكون خبره متعدداً، فيما يكون خبره مبهماً، بصدد الوجوه المتقاطعة والمتداخلة، في النائبات وطرق التصدي لها أو صدها، فيما يكون عليه وبه وجه مبتدئه دون خبره، أو بالعكس، ما يكونه الوجه الكردي جلاء ملامح أو تقنعها، فيما يصيره خبر الوجوه المشتركة في مصير الكردية المحموم، في مبتدأ القال والقيل، حيث يتجاوز الصدىtaxa bşêriyê ، وخلائط اللهجات واللغات في taxa Qudor Bek، ومسابك الأٌقوال والأفعال خارج محيط قامشلو، وما هو أبعد من قامشلو، طويلاً أمضينا معاً، في همّ الكردية، في هم الكردية إزاء الكردية، هم الكردي مع الكردي، لدي الكردي، عن الكردي، ضد الكردي، الهم الذي يمكّننا من وعي الكردية في نطاقها الواسع.
في رحاب سانديفيكن، ألتقي مجدداً ببعض من ألفتُ وجوههم، وبعض مَن التقيت بهم متقطعاً : فرهاد، كيمور، جوان، زاغروس، زردشت، ،نورالدين،نوري، زيور، زردشت حاجو، ألتقي بهؤلاء، بآخرين من آل حاجو، حيث الذاكرة لا تسعفني في إيراد الأسماء جميعاً، ألتقي بالأخ عبدالقادر بدرالدين، بوجوه تداخلت، بوجوه، لا يعتورني ظن، في يقين المكان، مهما كان الاختلاف قائماً، الظن في يقين الكردي الذي يمكنه أن ينشر كرديته في فضاء الثلج السويدي : السانديفيكني هنا، في متابعة صدى الكردي حين يتنفس، وحين يتأوه، وحين ينفعل، وحين يحاول التحدث بلغة أخرى، وترددات الصوت ومداه لغوياً، حين تهل الكردية من الوجوه، قبل أي اختلاف في الموقف من تهجئة الكردية، وبعد أي اختلاف في التعبير عنها وتجسيدها، وأنا أستشعر كثيراً دفء الكردية طي الثلج هنا، في من كنت ضيفاً عليهم، أو مجاوِراً أنفاس كرديتهم، حيث لم يكن خروجي المؤقت من دائرة لفح الثلج المهلَوس هنا، إلى أفق الثلج الطلق المحيا هناك،
إلا التعبير الفصيح الأبعاد عن كردية طيَّت المكان المترامي الأطراف، وجمعتنا معاً.
أعلى الصفحة اطبع
© Copyright - All Right Reserved [ www.efrin.net ] [ webmaster@efrin.net ] [ info@efrin.net ]