بعد أن أتصل بي رئيس اتحاد الكتاب الكرد / فرع دهوك، الأستاذ حسن سليفاني، ليدعوني رسمياً الى مهرجان دهوك الثقافي الثالث، حدد موعداً جماعياً للمثقفين والكتاب والشعراء الضيوف، كان من المفترض أن أصل الى مدينة دهوك في الساعة السابعة من مساء يوم 19/7 حيث موعدنا مع مضيفينا في الفندق، رئيس وأعضاء الهيئة الادارية في اتحاد الكتاب في دهوك، ولكن كعادتي إما أن أصل متأخراً جداً، أو ان أصل باكراً جداً، فلا روح رتابة عندي، أي أني أفتقدها.. يا عالم.
وصلت دهوك، وفي رأسي أسئلة كثيرة، حول الثقافة العراقية التي بتتُ جزءاً من أوراقها وصحفها، الآن، بعد انخراط يومي في عوالمها من بغداد الى السليمانية ومدن ثقافية أخرى، فقد تساءلت حول فطنة دهوك وذكاءها ونشاط أدبائها وكتابها في تفعيل الثقافة العراقية، الكردية، العربية، الآشورية، ولملمة أشلاء تلك الثقافة المبعثرة آماداً طويلة، كما تساءلت عن الاندماج السريع بين لغات هذه الثقافة مباشرة، ففي دهوك استطعنا نحن المتجمهرون استعادة صورة بدر شاكر السياب وعبدالله كوران معاً، واستطعنا أن نعيد ترميم قلاع أربيل بابل ودهوك وكركوك ومسارح بغداد والسليمانية، لكي نستطيع، بعدئذ، رسم صورة شفافة وواضحة لثقافة طمست وتشوهت معالمها، ودمرت مسارحها، وتيتم أبطالها على حدود الدول، كما ومات روادها في منافيهم الباردة، هكذا برمشة عين، وبأفعال طائشة من لدن أجهزة نظام طائش، لكي لا يعودا ويقولوا "نحن عراقيون بلا ثقافة"، بعد طول بُعْدٍ.
هناك، حيث دهوك، كان الملتقى في أن يظفر الأدباء، كرداً، عرباً، أوروبيين، وجنسيات وجهات مختلفة، ببعض من معالم الأوطان التائهة في ملكوتها، وأن يبنوا مجدداً جسراً للتواصل الثقافي، حيث كنا، في المسارح ضمن الهواء الطلق، كما في ردهات القاعات الواسعة مؤججين بحجم جروحنا، التي جمعتنا، فأمتزجت كلمات أدباء ديار بكر مع قصائد شعراء وشاعرات السليمانية، وتشابك هدوء أدباء سنندج ولاجان مع صخب أدباء وأديبات أربيل ودهوك، وتجادل أدباء القامشلي وكوباني مع كتاب وصحفيي بغداد والبصرة، فكان رونق الفستيفال.
ما يؤجج روح الثقافة الحرة، الجميلة في دهوك، في أنها خريطة استثنائية للحب والحزن، ولها مساحات شاسعة للمرح والترح، تمنحك الصفاء ثم التأمل وربما البكاء، تمنحك التذكر ثم النسيان، لأنها نعمة، ربما!.
ثمة فتاة، شاعرة، جديدة، كانت تربت على كتف قصيدتها، أتذكر أبياتاً من قصيدتها: "أنت علمتني الظلام.. وتعلمت من بنات الليل معنى الحب"، لكني لم أتذكر أسمها، تلك الشاعرة، الطالبة في إحدى جامعات ألمانيا، قالت لي اسمها مرتين، وعندما سألتها للمرة الثالثة عن اسمها أثناء حديثي معها، قال: ألم أقل لك اسمي؟ كأنها كانت تقول في قرارة نفسها: ما هذه الفوضى؟ بالإضافة الى ذلك، كنت قد قرأت أسمها أكثر من مرة في برنامج المهرجان، وتمعنت في وجهها وتفاصيل قصيدتها، جيداً، وما زلت، حتى هذه اللحظة أتذكر رونق قصيدتها، أما اسمها فلا.. فهذا هو الشعر أن تحفظ روحه دون جسده.
انتهى المهرجان، وكل مفترق طريق يأخذ بيد كاتب وشاعر وأديب وناقد وموسيقي، الى تذكرة سفره الأولى.
تحية للثقافة العراقية التي ما زالت قادرة على كل هذا الحب، بعد كل تلك عقود الكراهية.
___________
*نائب رئيس تحرير أسبوعية "الأمل" السليمانية